Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"المنفى الخلاق" جعل النرويجي إبسن أكثر محلية

الانفتاح على أوروبا وسجالاتها الفكرية مكن الكاتب المسرحي من فهم مجتمعه

مشهد من تقديم لمسرحية "بيت الدمية" أشهر مسرحيات إبسن (موقع العرض)

ملخص

ابتعاد الكاتب المسرحي هنريك إبسن الطويل عن بلده النرويج، لم يكن هروباً من المسؤولية، بل على العكس، كان بالنسبة إليه شرطاً أساسياً لتحملها.

عاش الكاتب المسرحي النرويجي الأشهر هنريك إبسن (1828 - 1906) 78 سنة، توج في نصفها الثاني واحداً من أكبر كتاب المسرح في أوروبا، وكبير المسرحيين في بلاده، والمسرحي الذي لا يزال يعد حتى اليوم كاتب النرويج الأول ومبدع العدد الكبير من الأعمال المسرحية التي منحته فرادة أن يكون الكاتب الذي ينقل إلى العالم الخارجي حياة الداخل النرويجي، لا سيما العلاقات الاجتماعية والطبقية والعائلية، بل حتى السياسية، في هذا البلد الذي غالباً ما يبدو بعيداً عن العالم، بل يعيش في مكان وزمان آخرين.

ولكن، وعلى عكس ما يمكن أن تعكسه صورة للمبدع يمكننا استخلاصها مما سبق، ولكن كذلك تعكسه أعمال تقدم ومنذ نهايات القرن الـ19 وحتى اليوم على شتى خشبات العالم وتقتبس أفلاماً، لم يعش صاحب "هيدا غابلر" و"بيت الدمية" و"عدو الشعب" و"حين نفيق نحن الموتى" و"بيرجنت" و"براند" وغيرها من شوامخ المسرح النرويجي العالمي، لم يعش سنوات عمره كلها في وطنه، بل عاش ثلث تلك السنوات وهي فترة النضوج، في منفى طوعي. بمعنى أن إبسن عاش معظم سنوات مساره المهني الأدبي خارج النرويج وبعيداً من الهموم المحلية المباشرة... لكن الأهم من ذلك أنه كتب في ذلك المنفى، كما سنرى في السطور التالية، أعظم أعماله بل أكثرها واقعية ومحلية. ولعل هذا الجانب المهم من مسار الكاتب هو الجانب الذي قليلاً ما يشار إليه حين الحديث عن سيرته وأعماله. وهو ما يشغل مضوعنا هنا على أية حال.

قرار حاسم

إذاً، مهما يكن من أمر، فإن القرار الذي اتخذه هنريك إبسن ذات يوم ونفذه بدءاً من عام 1864، وهو بعد في بدايات النصف الثاني من سنوات مساره الإبداعي، بترك بلده النرويج والبقاء خارجها طوال ربع قرن، يعد أحد أكثر القرارات دلالة في تاريخ الأدب الإسكندنافي الحديث. وذلك لأن هذا الرحيل لم يكن مجرد هجرة عابرة بحثاً عن الرزق أو الاستقرار، بل كان موقفاً فكرياً وأخلاقياً ارتبط بعمق بطبيعة مشرع إبسن المسرحي وعلاقته المتوترة مع مجتمع بلاده.

ففي منتصف القرن الـ19، كانت النرويج تعيش حالة من الانغلاق الثقافي والفقر المؤسسي. حيث إن الحياة المسرحية كانت شديدة الضعف، والدعم الرسمي للنتاج الفني والأدبي شبه معدوم، والنقاش الفكري محكوماً بقيم محافظة صارمة. وإزاء ذلك كله كان من المنطقي لإبسن الذي عانى طويلاً من الفشل المادي وسوء التقدير، أن يشعر أن بلده عاجز عن احتضان ما يعتمل لديه من طموح فني، لكن العامل الحاسم في قراره، لم يكن اقتصادياً فقط، بل كان إلى ذلك شعوراً عميقاً بالاختناق الفكري، وبأن المجتمع النرويجي يرفض، حتى النظر، إلى المرآة القاسية التي كان هو، كفنان، يصر على رفعها في وجهه.

ولقد جاءت لحظة القطيعة الحاسمة بعد الهزيمة السياسية والمعنوية التي طاولت النرويج، والدنمارك معها، أمام بروسيا في عام 1864. وبالتالي رأى إبسن في تلك اللحظة دليلاً على استشراء نوع من جبن أخلاقي معمم، مصحوباً بخواء في الشعارات القومية التي ترفع من دون استعداد، لدى رافعيها، لتحمل تبعتها. وهو عبر لاحقاً عن إحساسه بالعار والغضب من "مجتمع يكتفي بالكلام" و"يعجز عن أي فعل". وعندها غادر النرويج إلى إيطاليا ثم استقر لاحقاً بين روما وميونيخ، ليبدأ ما يمكن أن نسميه "المنفى الخلاق".

من الجغرافيا إلى النقد

في المنفى تحرر إبسن من ضغط الجماعة ومجتمعها، ومن رقابة الذوق المحلي. وبذلك تحولت المسافة الجغرافية التي كان يمكن له أن يعيش ويبدع تحت وطأتها، إلى مسافة نقدية، مما سمح لذلك المبدع بأن يرى مجتمع بلاده بوضوح أكثر وبقوة أكبر في الوقت ذاته.

ولا بد من أن نذكر هنا استطراداً بأن أهم أعمال إبسن وأكثرها صرامة من حيث فكرها النقدي، مما أهلها لأن تهز المجتمع النرويجي، مثل "بيت الدمية" و"الأشباح" و"عدو الشعب"،  إنما كتبت خارج النرويج حتى وإن كان هاجسها الأساسي الانشغال بنقد المجتمع النرويجي، ومن خلاله المجتمع الأوروبي البورجوازي على السواء.

والمهم أيضاً في الأمر هنا، هو أن المنفى قد منح إبسن أفقاً أوروبياً أوسع. فهو، وفي إيطاليا وألمانيا خاصة، احتك بالتيارات الفكرية الحديثة، وعايش النقاشات حول الفرد والفردية كما حول الحرية والسلطة والأخلاق، وكلها أمور تمثلت عبر تحول في مسرحه من الرومانسية الشعرية المبكرة، إلى الواقعية النقدية الصارمة.

وهكذا لم تعد شخصياته مجرد أبطال تاريخيين أو أسطوريين. بل باتوا أفراداً عاديين محاصرين بالأكاذيب الاجتماعية والنفاق المتبادل، ومطالبين بدفع ثمن الحقيقة حين تنكشف.

وهنا لا بد من الإشارة، إلى أن ابتعاد إبسن الطويل عن بلده، لم يكن هروباً من المسؤولية، بل على العكس، كان بالنسبة إليه شرطاً أساسياً لتحملها. فهو لم يكن يكتب لإرضاء الجمهور، ولا لمصلحة المجتمع بل لزعزعتهما وقد أدرك أن هذه المهمة لا يمكن إنجازها من الداخل حيث تسود التسويات اليومية والضغوط المباشرة، بل من الخارج حيث الحرية القاسية التي تتيح النظر إلى الأمور الواقعة والحكم عليها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد العودة

وعندما عاد إبسن إلى النرويج في تسعينيات القرن الـ19، وكان قد بات كاتباً عالمياً لا يعود إلى الوطن بوصفه ابناً ضالاً، بل كاتباً اختبر أحوال العالم لا سيما أحوال بلاده ـ التي سيقال، بل سيقول هو نفسه، ومن خلال إبداعه الكتابي، إنه لم يتوقف عن الاطلاع عليها ولو ساعة واحدة ـ من خلال ربطها بذلك العالم، وجد المجتمع الذي كان قد رفضه في شبابه يفاخر به الآن. 

ومهما كان من شأن ذلك، فإن التوتر بين المبدع ومجتمعه ذاك، لم يختف تماماً. ذلك أن هنريك إبسن سوف يظل حتى النهاية محتفظاً بمسافة نقدية بينه وبين مجتمعه، وكأن المنفى لم يكن مرحلة زمنية، بل موقفاً مستداماً.

وهنا على سبيل الختام لا بد أن نقول، إن ترك هنريك إبسن بلده لأكثر من ربع قرن، يكشف أن المنفى، إنما في حالات قد تكون بشكل أو بآخر استثنائية، لا يكون خسارة للانتماء بل إعادة تعريف له. فلقد كتب إبسن النرويج من خارجها بعد أن بات أكثر قدرة على أن يراها بوضوح أكثر لأنها لم تعد محيطة به. وهكذا تحول المنفى بالنسبة إليه، من جرح شخصي إلى شرط من شروط ولادة مسرح حديث لا يهادن المجتمع بل يجبره على مواجهة نفسه.

ومن هنا يبقى أمامنا سؤال افتراضي نعرف أن ليس من السهولة بمكان أن نجيب عليه: هل أن هنريك إبسن كان سيبقى تماماً كما نعرفه لو أنه لم يعش ربع قرن خارج المجتمع الذي كتب عنه، وشكلياً على الأقل، وكأنه لم يبارحه يوماً؟

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة