Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السعودية في صدارة التفاؤل العالمي رغم مزاج دولي قاتم

بحسب "مؤشر إيدلمان للثقة" أسهمت الحروب الممتدة والتوترات الجيوسياسية في تعتيم نظرة المجتمعات إلى المستقبل

لا يبدو التفاؤل مجرد شعور نفسي، بل مؤشراً حساساً على ثقة المجتمعات بمساراتها الاقتصادية والاجتماعية (هيئة الترفيه السعودية)

ملخص

يكشف "مؤشر إيدلمان للثقة" لعام 2026 عن تراجع واضح في التفاؤل العالمي بالمستقبل، إذ لا يعتقد سوى 32 في المئة من المشاركين في 28 دولة بأن الجيل المقبل سيكون أفضل حالاً، وهو أدنى مستوى منذ سنوات.

يكشف "مؤشر إيدلمان للثقة" لعام 2026، الصادر في يناير (كانون الثاني) الجاري، عن تراجع ملحوظ في مستوى التفاؤل العالمي تجاه المستقبل، في مؤشر يعكس تحولاً نفسياً واجتماعياً عميقاً يتجاوز الأرقام الاقتصادية المجردة. فبحسب نتائج الاستطلاع الذي شمل 28 دولة، لم يعُد يؤمن سوى 32  في المئة من المشاركين بأن الجيل المقبل سيحظى بحياة أفضل من الجيل الحالي، وهو انخفاض قدره أربع نقاط مئوية مقارنة بالعام السابق، وتمثل هذه النسبة أدنى مستويات التفاؤل منذ سنوات، وتكشف عن اتساع فجوة القلق بين الحاضر والمستقبل في وعي المجتمعات حول العالم.

اللافت أن هذا التراجع لم يكُن متساوياً بين الدول، بل اتخذ طابعاً جغرافياً واقتصادياً واضحاً، ففي الاقتصادات الآسيوية الكبرى، تحديداً الهند والصين، سجل المؤشر أحد أكبر الانخفاضات السنوية، إذ تراجع التفاؤل في كلا البلدين بمقدار 13 نقطة مئوية خلال الأشهر الـ12 الماضية.

ومع ذلك، لا تزال نسبة الذين يعتقدون بإمكان تحسن أوضاع الجيل المقبل مرتفعة نسبياً، وتراوح ما بين 53 و56 في المئة، وهي مستويات تفوق المتوسط العالمي بفارق كبير. ويعكس هذا التناقض حالاً مزدوجة تجمع بين الضغوط الاقتصادية الراهنة من جهة، واستمرار الإيمان بالقدرة على التعافي والنمو على المدى الطويل من جهة أخرى.

في المقابل، تبدو الصورة أكثر قتامة في أميركا الشمالية وأوروبا، حيث انخفض التفاؤل إلى مستويات متدنية وغير مسبوقة. ففي الدول الغربية المشمولة في الاستطلاع، تراوحت نسبة من يرون أن الأجيال المقبلة ستكون في وضع أفضل ما بين ستة في المئة في فرنسا و21  في المئة في الولايات المتحدة، مع تراجع سنوي ما بين ثلاث  و9 نقاط مئوية.

 وتعكس هذه الأرقام شعوراً متنامياً بأن المسارات الاقتصادية والاجتماعية الحالية لم تعُد قادرة على ضمان الصعود الاجتماعي أو تحسين جودة الحياة، في ظل أزمات متراكمة تشمل غلاء المعيشة وتفاقم أزمة السكن وتآكل الثقة بالمؤسسات والاستقطاب السياسي الحاد.

 

تفاؤل عالٍ في السعودية ونيجيريا

وسط هذا المناخ العالمي القاتم، برزت الدول الأفريقية كاستثناء لافت، وعلى رأسها نيجيريا التي سجلت أكبر قفزة في التفاؤل عالمياً، بارتفاع بلغ 15  نقطة مئوية، ليصل إلى 65  في المئة، وتساوت نيجيريا في هذا المستوى مع السعودية التي حافظت بدورها على نسبة تفاؤل عالية بلغت 65  في المئة، على رغم تسجيلها تراجعاً طفيفاً مقارنة بالعام السابق، ليضع هذا التوازي البلدين في صدارة المؤشر ويشير إلى أن التفاؤل لا يرتبط بالضرورة بمستوى الدخل أو النضج الاقتصادي، بقدر ما يرتبط بتوقعات التغيير وإحساس المجتمعات بأن المستقبل يحمل فرصاً حقيقية للتحسن.

وتظهر هذه النتائج خريطة عالمية جديدة للتفاؤل، تنقسم بين دول ترى في التحولات الجارية بوابة نحو غد أفضل، ودول باتت تنظر إلى المستقبل على أنه امتداد لأزمات الحاضر. وفي هذا السياق، لا يبدو التفاؤل مجرد شعور نفسي، بل مؤشراً حساساً على ثقة المجتمعات بمساراتها الاقتصادية والاجتماعية وقدرتها على إعادة إنتاج الأمل للأجيال المقبلة.

تأثير الحرب والأزمات الجيوساسية

ويرتبط التراجع العالمي في التفاؤل تجاه المستقبل، كما يكشف عنه المؤشر، ارتباطاً وثيقاً بالسياق السياسي والاقتصادي الذي فرضته الحروب الممتدة والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة.

فالحرب لم تعُد حدثاً عسكرياً منفصلاً عن حياة المجتمعات، بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر يضغط على مستويات المعيشة عبر التضخم واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتزايد الإنفاق العسكري على حساب القطاعات الاجتماعية.

وتظهر بيانات المؤشر أن الدول الأكثر انتظاماً في أجواء الاستقطاب السياسي أو المتأثرة بالحروب، خصوصاً في أوروبا وأميركا الشمالية، سجلت أدنى مستويات التفاؤل تجاه أوضاع الأجيال المقبلة، في ظل شعور عام بأن كلفة الصراعات تُحمّل للمواطن من دون أفق واضح للتحسن.

وفي المقابل، توضح نتائج المؤشر أن المجتمعات التي نجحت في تحييد اقتصاداتها نسبياً عن ارتدادات الحروب، أو تقديم مسار تنموي واضح ومستقر، حافظت على مستويات أعلى من الثقة بالمستقبل، ويشير التقرير إلى أن التفاؤل لا يرتبط فقط بمستوى الدخل أو النمو، بل بقدرة الدولة على إدارة الصدمات الجيوسياسية وحماية العقد الاجتماعي ومنح الأفراد إحساساً بأن الحاضر الصعب لا يعني بالضرورة مستقبلاً أسوأ. وعليه، يصبح تآكل التفاؤل مؤشراً سياسياً بقدر ما هو اقتصادي، يعكس أثر الحروب ليس فقط على الأسواق، بل على المزاج الجمعي ورؤية المجتمعات لمسارها التاريخي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ما هو "مؤشر إيدلمان للثقة"؟

"مؤشر إيدلمان للثقة" هو دراسة سنوية عالمية تصدرها "شركة إيدلمان للعلاقات العامة" منذ عام 2000، ويُعد من أبرز المؤشرات الدولية التي تقيس مستويات الثقة المجتمعية في العالم، ويستند إلى استطلاعات رأي واسعة تشمل عشرات آلاف المشاركين في أكثر من 25 دولة ويغطي شرائح عمرية واجتماعية متعددة.

وتكمن أهمية "مؤشر إيدلمان" في أنه لا يكتفي بقياس المؤشرات الاقتصادية الصلبة، بل يركز على البعد النفسي والاجتماعي للثقة، باعتبارها عاملاً حاسماً في استقرار المجتمعات واستدامة النمو، ولهذا تعتمد نتائجه على نطاق واسع من قبل صناع القرار والمؤسسات الدولية ووسائل الإعلام لفهم اتجاهات الرأي العام وتحولات المزاج العالمي.

وينظر إلى المؤشر على أنه ميزان حرارة اجتماعي يعكس مدى اطمئنان المجتمعات إلى حاضرها وثقتها بمستقبلها وقدرتها على التكيف مع التحولات الاقتصادية والسياسية المتسارعة.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات