ملخص
دعا مراقبون إلى استغلال الزخم الأميركي المستجد بعد غياب عن الملف الليبي لأعوام، إلى حلحلة الجمود السياسي الليبي والذهاب نحو حلول واقعية تضمن الاستقرار السياسي والأمني حتى تدور العجلة الاقتصادية.
تحرك مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية والشرق الأوسط مسعد بولس، نحو كل من تونس والجزائر، أول من أمس الإثنين، متطلعاً لنيل الدعم في مهمة إنهاء الانقسامات في ليبيا وتوحيد مؤسساتها، بعدما زارها، السبت الماضي، على هامش انعقاد قمة الطاقة والاقتصاد في العاصمة طرابلس، حيث التقى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، ثم اتجه شرقاً واجتمع بنائب القائد العام لـ"الجيش الوطني الليبي" الفريق أول صدام حفتر، مجدداً تأكيداته للطرفين على أهمية الاستقرار السياسي وتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
زخم أميركي
وتزامن النشاط الدبلوماسي الأميركي في ليبيا مع انعقاد الاجتماع الثلاثي لدول الجوار الليبي في تونس، أول من أمس، بمشاركة الجزائر ومصر، وسط تحفظ من خارجية حكومة الدبيبة على تغييب ليبيا.
ودعا مراقبون إلى استغلال الزخم الأميركي المستجد بعد غياب عن الملف الليبي لأعوام، إلى حلحلة الجمود السياسي الليبي والذهاب نحو حلول واقعية تضمن الاستقرار السياسي والأمني حتى تدور العجلة الاقتصادية.
وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون الأفريقية والعربية والشرق الأوسط، مسعد بولس، قد حط بليبيا لأول مرة في أواخر يوليو (تموز) الماضي، في زيارة استمرت ثلاثة أيام إلى ليبيا، توجه خلالها إلى العاصمة طرابلس ومدينة الرجمة شرقي بنغازي، حيث أعلن وقتها أن "الإدارة الأميركية تعمل على تطوير رؤية متكاملة لحل الأزمة الليبية، تستند إلى مقاربة عملية ومتوازنة تهدف إلى استعادة الاستقرار السياسي والأمني في البلاد"، لتتكرر بعدها زياراته إلى ليبيا والتي كان آخرها حضوره رفقة عدد من شركات النفط الأميركية قمة الطاقة والاقتصاد بطرابلس، التي شهدت توقيع اتفاقات نفطية بين حكومة الوحدة الوطنية وشركات أميركية وفرنسية. وكان مستشار الرئيس الأميركي استغل قمة الطاقة والاقتصاد لحض قادة ليبيا على نبذ خلافاتهم.
وفي بداية يناير (كانون الثاني) الجاري دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب، القادة الليبيين إلى "الانخراط في جهود إنهاء الانقسامات ووقف العنف، ودعم مسار سياسي جامع يخدم مصالح الليبيين"، مؤكداً مواصلة إدارته "دعم جهود تشجيع التعاون مع الشركات الأميركية لإيجاد فرص اقتصادية حقيقية تعود بالنفع على الشعبين الأميركي والليبي".
In Algiers, I met with President Tebboune, Foreign Minister Attaf, and Minister for Hydrocarbons and Mines Arkab. We reaffirmed the strong U.S.-Algerian bilateral relationship and discussed deepening our robust commercial and defense ties. Together, we are making progress on… pic.twitter.com/rpx5x2EBJq
— U.S. Senior Advisor for Arab and African Affairs (@US_SrAdvisorAF) January 27, 2026
تسوية سياسية
ودعا المتخصص بالشؤون الأمنية والسياسية الليبية سعد الدينالي، أطراف الصراع الليبي "لاستغلال هذا التحرك الأميركي لإنهاء الأزمة الليبية المستمرة منذ أعوام طويلة، بخاصة أن مستشار ترمب بدا سريعاً في تحركاته المحلية والدولية"، موضحاً أن "توجه بولس نحو الجزائر وتونس بعد زيارته ليبيا، يؤكد عزم واشنطن على إنهاء الانقسامات ووقف التصعيد داخل الأراضي الليبية".
وقال الدينالي، إن "حمل الملف الليبي من قبل الولايات المتحدة نحو دول الجوار يوحي بانفتاح الأزمة الليبية على إطارها الإقليمي، مع التأكيد على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين جميع الأطراف الليبية، وذلك جلي من خلال زيارة بولس لطرابلس وبنغازي".
ولفت إلى أن "الولايات المتحدة بصدد قيادة تسوية سياسية أساسها النفط، فدخول الشركات الأميركية المجال الليبي يحتاج إلى عوامل رئيسة عدة، أولها الاستقرار السياسي والأمني، لذلك تسعى الولايات المتحدة بكل ثقلها إلى خلق مناخ مستقر يناسب شركاتها ويؤمن عملها".
ولفت المتخصص بالشؤون الأمنية والسياسية إلى أن "أميركا بصدد توظيف ورقة النفط للتقريب بين القطبين الغربي والشرقي، حتى تقود إلى ليبيا ذات حكومة موحدة"، مشيراً إلى أن "هناك أطرافاً إقليمية أخرى تسعى في هذا الاتجاه وعلى رأسها السعودية وتركيا وعدد من دول الجوار".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
منطقة نفوذ
وأكد المحلل السياسي حازم الرايس، أن "الدبلوماسية الأميركية استغلت أعمال قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد، لتكثف تحركاتها في الملف الليبي عبر الدور الذي يؤديه مستشار الرئيس الأميركي للشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس، وتوقيع كبرى الشركات الأميركية في قطاع الطاقة اتفاقيات استراتيجية مع حكومة الوحدة الوطنية"، منوهاً بأن "هذه الخطوات تهدف إلى رفع القدرة الإنتاجية للنفط في شمال أفريقيا، لا سيما في ظل الاضطرابات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها على أسواق الطاقة العالمية".
وأبرز الرايس أن "الإدارة الأميركية تحاول توظيف الشراكة الاقتصادية للانفتاح على حلول سياسية في ليبيا، حيث يظل المناخ الاقتصادي مرهوناً بتوفر حد أدنى من الاستقرار الأمني، ووجود قرار سياسي موحد يستند إلى مؤسسات اقتصادية سيادية موحدة وقادرة على إدارة الموارد. وفي هذا الإطار يندرج التحرك الأميركي ضمن الرؤية الاقتصادية التي تطرحها واشنطن، والتي تسعى من خلالها إلى تأمين السوق الليبي وتعزيز حضورها فيه، مع تقليص النفوذ الاقتصادي الصيني قدر الإمكان".
ولفت المتحدث إلى أن "هذه المقاربة الأميركية تتطلب العمل مع طرفي الصراع في غرب البلاد وشرقها لضمان استمرارية الاتفاقيات الاقتصادية وحمايتها، إلى جانب الدفع نحو شكل من أشكال التنسيق أو التكامل العسكري بين قوات حكومة الوحدة الوطنية، وقوات قائد القيادة العامة خليفة حفتر، تحت إشراف القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، ما من شأنه أن يعزز تحول الساحة الليبية إلى منطقة نفوذ أميركي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، مع تقويض الدور الروسي المتنامي في ليبيا، لا سيما عبر استخدام موسكو للأراضي الليبية كنقطة عبور ونفوذ باتجاه منطقة الساحل الأفريقي".
I had productive meetings in Benghazi with LNA Deputy Commander Saddam Haftar, Libya Reconstruction Fund Head Bilgassem Haftar, and House of Representatives Speaker Agila Saleh. We discussed U.S. support for Libya’s work to unify its military and noted how Libya’s growing… pic.twitter.com/wH68HNjh9I
— U.S. Senior Advisor for Arab and African Affairs (@US_SrAdvisorAF) January 26, 2026
نقطة ارتكاز
رئيس الائتلاف الليبي الأميركي فيصل الفيتوري، رأى أن "التحركات الدبلوماسية الأميركية تصب في إطار التأكيد على أن ليبيا متمركزة في معادلة إعادة تشكيل النظام الدولي، حيث لا يمكن النظر إلى ليبيا كساحة هامشية أو ملفاً عابراً في التفاعلات الدولية، بل هي إحدى العقد الجيوسياسية الأساسية في مسار إعادة تشكيل النظام العالمي"، موضحاً أن "موقعها الجغرافي، وتركيبتها السياسية، وارتباطها المباشر بملفات الطاقة والهجرة والأمن الإقليمي، يجعل منها نقطة ارتكاز في معادلة أوسع تمتد من شرق أوروبا إلى عمق القارة الأفريقية".
وفي قراءته للترتيبات التي يقودها مسعد بولس أكد الفيتوري أن "هذه الجهود تتقاطع ضمن مسار يسعى إلى بلورة منهجية واقعية للاستقرار، تقوم على التدرج وتغليب الحسابات الاستراتيجية على الشعارات السياسية"، منوهاً بأن "السياسة الأميركية تجاه ليبيا لم تكن يوماً رهينة رئيس بعينه، بل تُدار منذ سنوات داخل دوائر الأمن القومي والدفاع، وفق مقاربة مؤسسية تراعي التوازنات الدولية بعيدة المدى".
ولم ينكر الفيتوري أن "إدارة ترمب حاولت توظيف الملف الليبي سياسياً، إلا أن القرار الفعلي ظل منسجماً مع رؤية أعمق تعد ليبيا نقطة ارتكاز لا يمكن التفريط بها، لا سيما في ظل التنافس الدولي المتصاعد"، مؤكداً أن "ليبيا والسودان يشكلان معاً قلب المعادلة الأفريقية من المنظور الأميركي، فالأولى بوابة المتوسط وعمق القارة، والثانية صلة الوصل مع البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وما يجري في هاتين الساحتين ليس معزولاً، بل جزء من هندسة استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب النفوذ في أفريقيا والشرق الأوسط.
ولاحظ أنه "لا يمكن اعتبار ليبيا عبئاً أو ساحة صراع ثانوية، بل ورقة مركزية في لعبة التوازنات الدولية، فاستقرارها لا يمثل هدفاً محلياً بقدر ما يشكل محطة ضرورية في مسار إعادة بناء النظام الإقليمي".
وتعيش ليبيا على وقع أزمة كر وفر بين حكومتين، واحدة معترف بها دولياً، تتمثل في حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، ومقرها العاصمة طرابلس، وتدير منها كل غرب البلاد، والثانية عيّنها مجلس النواب الليبي بداية عام 2022 ويقودها أسامة حماد ومقرها بنغازي التي تدير منها جميع مدن شرق وجنوب البلاد.