ملخص
على رغم نفي السويد لأية علاقة مباشرة بين مؤتمر الحوار مع العالم الإسلامي خلال التسعينيات وعملية السلام في الشرق الأوسط، فإن بريطانيا كانت تراقب المؤتمر بأعين الحذر والفضول وبتساؤلات كثيرة عن فكرته وجدواه.
في قلب ستوكهولم، خلال منتصف يونيو (حزيران) عام 1995، اجتمعت 100 شخصية من مختلف أنحاء العالم في حدث دولي لمناقشة العلاقة بين الثقافات الأوروبية والإسلامية، ضمن محاولة لإيجاد أرضية فهم مشتركة وتخطي الحواجز الثقافية والسياسية.
ولم يكن المؤتمر الذي استمر من الـ15 إلى الـ17 من يونيو مجرد لقاء أكاديمي أو سياسي، بل مبادرة حكومية سويدية تهدف إلى فتح حوار بعيد من الجدل الإعلامي والحساسيات الدولية، وفق وثائق بريطانية تنشرها "اندبندنت عربية".
بريطانيا تراقب المبادرة السويدية حول الإسلام
المؤتمر جاء ضمن "مبادرة الإسلام" التي أعلنتها وزارة الخارجية السويدية في فبراير (شباط) ذلك العام للحوار مع العالم الإسلامي، وشكلت لها فريق عمل من ممثلين من وزارات مختلفة، واختارت سفيرها السابق لدى الأردن لارس لونباك لقيادتها، وكلفته مهمة الإشراف على سلسلة من المؤتمرات الرامية إلى كسر الصور النمطية والتصورات الخاطئة التي تغذي سوء الفهم بين العالمين الإسلامي والغربي.
تهدف المبادرة لتعزيز فهم الإسلام في الغرب عبر حوار جاد وبناء، مع تبادل المعرفة وتطبيق إجراءات أمنية مشددة.
تم تعيين السفير لارس لونباك منسقًا للمبادرة، وهو سابقًا رئيس قسم الصحافة والإعلام وسفير السويد لدى الأردن.
المبادرة جزء من تقليد سويدي لتعزيز الثقة والسلام والأمن، وتساهم في نقاش الاتحاد الأوروبي حول التعاون مع المسلمين ومعالجة تحديات زيادة عددهم في السويد.
وعلى رغم نفي السويد لأية علاقة مباشرة بين المؤتمر وعملية السلام في الشرق الأوسط، فإن بريطانيا كانت تراقب المؤتمر بأعين الحذر والفضول وبتساؤلات كثيرة عن فكرته وجدواه. وعكست المبادرة آنذاك الاهتمام المستمر للحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي بالعالم العربي، وكان ينظر إليه على أنه نقطة انطلاق لمبادرات أوروبية أوسع.
وفي الخامس من يونيو (حزيران) عام 1995، وجّه المسؤول في وزارة الداخلية البريطانية ريتشارد كورنيكي رسالة رسمية إلى ديانا سكينغل في إدارة أوروبا الغربية بوزارة الخارجية وشؤون الكومنولث، معبّراً فيها عن اهتمام لندن البالغ بالمبادرة السويدية الجديدة المتعلقة بالإسلام، بعد مراسلة سابقة أكدت الوزارة ضمنها على أهمية متابعة هذه المبادرة عن كثب.
كورنيكي أوضح في رسالته أن وزير الداخلية يولي اهتماماً خاصا بكيفية التفاعل مع الغالبية المعتدلة من المسلمين البريطانيين، مشيراً إلى وجود محاولات في بلاده لتأسيس هيئة تمثل مصالح هذه الفئة بصورة أكثر فاعلية، على رغم أن هذه الجهود لا تزال في مراحلها الأولى.
وفي خطوة لتعميق الفهم حول المبادرة السويدية، طالب كورنيكي بالحصول على تقرير مفصل عبر السفارة البريطانية، يشمل مجريات المؤتمر السويدي والانطباعات وردود الفعل العامة تجاهها، فضلاً عن دراسة تأثيرها المحتمل في العلاقات بين الغالبية والأقليات داخل السويد. واختتم كورنيكي رسالته بالإشارة إلى أنه أرسل نسخة إلى السفارة البريطانية لدى السويد، مؤكداً استعداده للتعامل المباشر مع الموضوع إذا كان ذلك مناسباً.
دبلوماسية المعرفة بدلاً من المواجهة
في الـ28 من مارس (آذار) 1995، جمعت وزيرة الخارجية السويدية لينا هيلم- فالين سفراء الدول الإسلامية في العاصمة ستوكهولم، واستهلت كلمتها بالترحيب بهم، معبرة عن تطلع حكومتها الجديدة إلى توطيد جسور التعاون مع الدول الإسلامية، ومؤكدة أن السويد بعد انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي تسعى إلى تقديم رؤية خاصة تبرز صوت الاعتدال والتفاهم داخل الفضاء الأوروبي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ففي حين تعاني بعض الرؤى الغربية تحيزاً وجهلاً تجاه الإسلام، لا تخلو أجزاء من المجتمعات الإسلامية من تصورات مضللة حول المسيحية والقيم السياسية الغربية، ومن هنا جاءت المبادرة السويدية لتفتح نافذة جديدة على الفهم المتبادل وتعزز الثقة بين أوروبا والدول الإسلامية، وكذلك بين المهاجرين المسلمين والمجتمع السويدي.
وشددت هيلم- فالين على أهمية مبادرة مد جسور الحوار بين أوروبا والمسلمين عبر مؤتمر دولي يعقد في ستوكهولم، بإشراف المعهد السويدي للعلاقات الثقافية الخارجية، ويدعى إليه خبراء وشخصيات عامة من أوروبا والعالم الإسلامي بصفتهم الشخصية بعيداً من القوالب الرسمية، مشيرة إلى أن الغاية ليست مناقشة الإسلام كدين، بل تفكيك أنماط التفاعل الراهن بين أوروبا والعالم الإسلامي، وتحليل ما يحمله هذا التفاعل من فرص وتحديات.
تعزيز اندماج المسلمين في أوروبا
ولم تقتصر "مبادرة الإسلام" على البعد الخارجي، إذ أكدت هيلم- فالين على بعدها الداخلي أيضاً، المتمثل في كيفية تعامل المجتمع السويدي مع الجالية المسلمة المتنامية، ففي بلد لا يتجاوز عدد سكانه 9 ملايين نسمة، استقبلت السويد خلال أعوام قليلة نحو 200 ألف مهاجر من أصول إسلامية، مما استدعى نقاشاً وطنياً حول سبل الاندماج والتعايش.
وكانت السويد تأمل أن يكون طابع المؤتمر غير حكومي بالمعنى التقليدي، بل يركز على تبادل الخبرات والأفكار بين شخصيات غير رسمية من خبراء ومفكرين وصحافيين، بهدف تعزيز الحوار حول كيفية فهم الغرب للإسلام، مع مراعاة حساسية قضايا الجاليات المهاجرة في السويد، خصوصاً من الشرق الأوسط وأميركا الجنوبية ولاجئي يوغوسلافيا السابقة.
وحرصت السويد على استبعاد المجموعات ذات الاهتمامات السياسية أو الدينية الخاصة لضمان بيئة حيادية، مع اتخاذ تدابير أمنية مشددة لاستقبال نحو 100 شخصية، 75 في المئة منهم من الخارج، وعبّر منسق المؤتمر لونباك عن رضاه للردود الإيجابية من الدول الإسلامية، مؤكداً أن المبادرة تلقى اهتماماً واسعاً على مستوى الخبراء والمجتمع المدني.
واستغل المنظمون الحدث لإقامة سلسلة فعاليات موازية، تضمنت ندوة للمجتمع المحلي بعنوان "الدين والتعايش في المجتمع السويدي"، ومؤتمراً للشباب بالتوازي مع المؤتمر الرئيس، إضافة إلى مهرجان ثقافي يعكس تنوع المجتمع السويدي وغنى تاريخه الثقافي. وعكست هذه الفعاليات رغبة الحكومة في إشراك المجتمع المحلي والإسهام في بناء جسور التفاهم بين المسلمين والمواطنين السويديين، في إطار رؤية أوسع للتعايش السلمي والتعددية الثقافية.
ومن الداخل، تحمل المبادرة أهمية كبيرة نظراً إلى حجم الجالية المسلمة في السويد، فهي تعكس تقديراً للحساسية الثقافية والدينية داخل المجتمع المحلي، وتشير إلى رؤية سويدية طموحة لتقديم نموذج للحوار بين الحضارات، بعيداً من النزاعات السياسية أو الرمزية المثيرة للجدل مثل قضية سلمان رشدي أو الأحداث في الجزائر.
ومثّل مؤتمر ستوكهولم لعام 1995 محاولة لاستكشاف آفاق جديدة لفهم الإسلام في أوروبا وإيجاد لغة مشتركة بين الثقافات، قد يكون لها أثر طويل الأمد على السياسات الثقافية والاجتماعية في السويد وخارجها.
حوار الثقافات من السويد إلى الأردن
في منتصف يونيو عام 1995، نظم المعهد السويدي للعلاقات الثقافية مؤتمر "العلاقات بين الثقافات الأوروبية والإسلامية وموقع المسلمين في أوروبا" الذي كانت الحكومة السويدية تراه خطوة استراتيجية لتفادي التوترات المستقبلية بين أوروبا والعالم الإسلامي في إطار تبنيها مفهوم "الدبلوماسية الوقائية" بوصفه نهجاً شاملاً يشمل إجراءات بناء الثقة ليس في المجال السياسي وحسب، بل أيضاً في الميدان الثقافي والاجتماعي، إدراكاً منها بأن الحوار هو السلاح الأكثر فاعلية ضد الانقسام والتطرف.
وأتاح مؤتمر ستوكهولم مساحة فكرية جمعت نحو 100 شخصية من المفكرين والسياسيين والثقافيين جرت دعوتهم بصفتهم الشخصية، بما منح الحدث طابعاً مستقلاً يحرره من قيود البروتوكول الدبلوماسي، وشهدت الجلسة الافتتاحية كلمات رئيسة لكل من نائب رئيس المفوضية الأوروبية ميغيل مارين والأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد عصمت عبدالمجيد والأمين العام لمجلس أوروبا دانييل تارشيس، فضلاً عن رسالة ملكية وجهها الملك الحسن الثاني عبر مستشاره عبدالهادي بوطالب، عبّر فيها عن دعم المغرب للحوار بوصفه طريقاً إلى التفاهم والاحترام المتبادل.
وتوزعت أعمال المؤتمر على ست مجموعات عمل تناولت قضايا متعددة مثل كيفية تجنب سيناريوهات التهديد المتبادل بين الثقافات، وسبل تعزيز التبادل الثقافي الفاعل، والدروس التاريخية في التفاعل بين أوروبا والعالم الإسلامي، وقضايا الاندماج والعزلة والتنوع الثقافي ودور الرجال والنساء في الإسلام، والعلاقة بين الدين والديمقراطية والمجتمع. كما نوقشت تقارير مؤتمر الشباب المسلمين في أوروبا الذي عقد بالتوازي مع هذا الحدث، في دلالة على رغبة السويد في إشراك الجيل الجديد ضمن صياغة مستقبل الحوار.
ولم يختتم المؤتمر ببيان رسمي أو برنامج سياسي، لكنه خرج بإجماع على اتخاذه نقطة انطلاق لمسار طويل الأمد من التفاعل الثقافي البناء، ورحبت الحكومة السويدية بنتائجه، معلنة أن الأردن سيستضيف الاجتماع التالي في العام المقبل لمواصلة النقاشات. ومن جهة أخرى، أعلن رئيس جامعة القرويين في فاس المغربية عن رغبته في أن تكون مدينته منبراً دائماً للحوار الثقافي وبناء الثقة بين الشعوب.