Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العودة السرية: كيف تسلل الفلسطينيون إلى لبنان بعد 1982؟

"اندبندنت عربية" تنشر وثائق سرية أميركية توضح توسع نفوذ منظمة التحرير وتحالفات مالية وعسكرية مع قوى لبنانية متناقضة

بحثنا في عشرات الوثائق السرية التي أعدتها وكالة "الاستخبارات المركزية الأميركية" (اندبندنت عربية)

ملخص

كشفت وثائق سرية أميركية تنفرد "اندبندنت عربية" بنشرها مراحل تطور الوجود الفلسطيني في لبنان منذ نكبة 1948 وتحوله من لجوء موقت إلى عنصر أساس في المشهد الداخلي، وأظهرت الوثائق تفاصيل عن توسع نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية، وتشغيل مرفأي صيدا وصور، وحصول آلاف الفلسطينيين على الإقامة أو الجنسية بطرق غير رسمية.

وبينت أن المقاتلين الفلسطينيين عادوا سراً إلى لبنان بعد اجتياح 1982 عبر البحر والمرافئ ومطار بيروت، بدعم من فصائل لبنانية مختلفة، وتشير الوثائق إلى تحالفات مالية وعسكرية مع قوى لبنانية متناقضة.

منذ نكبة عام 1948 لم يكن الوجود الفلسطيني في لبنان مجرد لجوء عابر أو محطة في رحلة المنفى الطويلة، بل تحول إلى جزء معقد من المشهد اللبناني والعربي. وبين خيم اللجوء الأولى على أطراف المدن الجنوبية والساحلية ومخيمات العاصمة والبقاع، تشكل جيل حمل مفاتيح القرى المفقودة، لكنه سرعان ما وجد نفسه في قلب التجاذبات اللبنانية، من الحرب الأهلية (1975 – 1990) وضمنها الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، إلى أعوام تالية شهدت تبدلات إقليمية أعادت بدورها رسم ملامح الوجود الفلسطيني داخل لبنان وخارجه.

واليوم بعد نحو ثمانية عقود على النكبة تعود القضية الفلسطينية ومعها الوجود المسلح لتفرض حضورها بقوة في لبنان، بعد الحرب الأخيرة بين إسرائيل و"حزب الله"، والآثار الكبيرة التي تركتها في الداخل، وهي أتت كنتيجة مباشرة لما حصل في قطاع غزة بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023.

وقد أعاد العامان الماضيان إشعال الذاكرة الجماعية وأحيا النقاش حول دور المخيمات وما تحويه من سلاح، وحدود الوجود الفلسطيني، وموقع لبنان في الصراع الأكبر، فيما يبدو أن العلاقة بين لبنان والفلسطينيين دخلت مرحلة جديدة تتجاوز الحسابات الأمنية والسياسية التقليدية نحو أسئلة الهوية والمصير والعدالة التاريخية.

بحث في عالم الوثائق السرية الأميركية

كثيرة هي المعلومات المتوافرة والموجودة في الأرشيف العربي والعالمي عن الوجود الفلسطيني في لبنان، لكن معلومات أخرى بقيت ولا تزال سرية بسبب تعقيدات الملف داخلياً وإقليمياً.

وفي محاولة لفهم هذا الوجود وأبرز المحطات التي عاشها الفلسطينيون، مدنيون ومسلحون، في لبنان، بحثنا في عشرات الوثائق السرية التي أعدتها وكالة "الاستخبارات المركزية الأميركية"، وفيها توقفنا عند متابعة واشنطن لملف المخيمات، والعلاقات بين الفصائل اللبنانية والفلسطينية، ومحاولات احتواء النفوذ الفلسطيني في لبنان خلال العقود الحرجة من تاريخ البلاد الحديث.

وتنفرد "اندبندنت عربية" بنشر قسم من هذه الوثائق التي رفعت واشنطن عنها السرية قبل أعوام.

 

الفلسطينيون في لبنان وموجات الهجرة

الوثيقة الأولى أتت بعنوان "الفلسطينيون في لبنان: ماضٍ مضطرب ومستقبل قاتم" وقد أعدها مكتب القضايا ومكتب تحليل شؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا في "السي آي أي"، وقدمت عام 1983 أي في خضم الحرب الأهلية ومباشرة بعد الاجتياح الإسرائيلي الثاني الذي وصل إلى بيروت.

ويكشف هذا التقرير عن بدايات تدفق الفلسطينيين إلى لبنان ضمن ثلاث مراحل أساسية،

المرحلة الأولى كانت مطلع عام 1948 حين وصلت أول مجموعة كبيرة من الفلسطينيين إلى لبنان ضمت نحو 50 ألف شخص، جزء كبير منهم من رجال الأعمال الذين استشعروا الصراع الوشيك في فلسطين عقب قرار الأمم المتحدة بإنشاء دولة إسرائيل، وقد تمكن كثير منهم من الاستقرار بنجاح، خصوصاً في الجنوب، حيث اشتروا أراضي ومنازل ومحال تجارية، ثم لجأ 140 ألف لاجئ إضافي قبل وأثناء وبعد حرب عام 1948 هرباً من المضايقات والعمليات العسكرية، ووفق الوثائق الأميركية كان معظم هؤلاء من المسلمين السنة أو المسيحيين، وقد واجهوا استياءً شديداً من سكان الجنوب اللبناني، الذين كانوا من الشيعة.

أما المرحلة الثانية فأتت في أعقاب حرب يونيو (حزيران) عام 1967، لكن الأعداد كانت أقل وقدرت بنحو 6 آلاف فلسطيني، وهؤلاء انضموا إلى المخيمات القائمة أساساً، ولم تنشأ لهم مخيمات جديدة.

فيما المرحلة الثالثة، التي اعتبرت آخر تدفق كبير للاجئين، ضمت نحو 30 ألف شخص من مسؤولي ومقاتلي "منظمة التحرير الفلسطينية" بقيادة ياسر عرفات وأفراد عائلاتهم، بعد طردهم من الأردن بين 1970 و1971.

حينها استقر اللاجئون في مخيمات موقتة حول مدن كبيرة أبرزها صور وصيدا وطرابلس وبيروت، محاولين الحفاظ على هويتهم الفلسطينية والعثور على أمن نسبي في بيئة لم تتقبلهم يومها.

رقابة صارمة على المخيمات

بدأت وكالة "الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" التي تعرف بـ"الأونروا" تقديم المساعدات لهذه المخيمات عام 1949، وقد سجلت 90 ألف فلسطيني كـ"مشردين" حتى أوائل العام نفسه.

ووفق الملفات الأميركية أقيمت المخيمات في البداية على رقع صغيرة من الأراضي غير مزروعة ومواقع مهجورة كانت تشغلها سابقاً القوات الفرنسية، منذ أعوام الانتداب، وتكشف "كانت المخيمات مكونة من خيام مكتظة تفتقر إلى أبسط الخدمات... بعدها غطيت الأرضيات الترابية بالأسمنت، واستبدلت بالخيام الأكواخ، التي تحولت لاحقاً إلى منازل مبنية بالطوب والبلوك الأسمنتي، كذلك استبدلت المراحيض العامة بمرافق خاصة، وتم تركيب شبكات لتوزيع المياه... وبعد أعوام أصبحت المخيمات تشبه القرى الكبيرة: منازل صغيرة تصطف على شوارع ضيقة تشبه الأزقة، تتخللها متاجر ومساجد، وفي المخيمات الكبرى بخاصة في بيروت باتت المباني تتألف من طابقين أو أكثر".

وتكشف الوثائق عن أنه في بعض الحالات انتقلت قرى كاملة من الجليل في شمال إسرائيل إلى لبنان، حيث احتفظت بهويتها الأصلية، كذلك انتقل إلى جانب الفلسطينيين لبنانيون فقراء، ومعظمهم من الشيعة الجنوبيين، وبعض السوريين المعدمين إلى مخيمات "الأونروا"، لأنهم لم يتمكنوا من تحمل كلفة سكن آخر.

وعن تعامل الدولة اللبنانية معهم، ذكر "لم تخصص الدولة سوى موارد محدودة جداً لراحة سكان المخيمات، معتبرة إياهم تهديداً للتوازن الدقيق بين الطوائف الدينية المختلفة في البلاد".

 

الفلسطينيون في الاقتصاد اللبناني

التدفق الأول للفلسطينيين إلى جنوب لبنان عام 1948 أشعل نهضة زراعية في تلك المنطقة، فقد كانت الزراعة في حال ركود لأن ملاك الأراضي المحليين وجدوا أن العمل في بيروت أكثر ربحاً، ومع وصول أعداد كبيرة من الفلسطينيين الريفيين توفرت يد عاملة زراعية رخيصة وفعالة نسبياً، وبذلك بدأت الزراعة في الجنوب تنتعش مجدداً".

وهنا يقول معدو الملف "قلة من الفلسطينيين الذين نجحوا في الاندماج داخل المجتمع اللبناني باتوا يعدون من أثرى وأبرز رجال الأعمال في البلاد، وازدهارهم هذا أثار استياء بعض اللبنانيين".

أُسست منظمة "التحرير الفلسطينية" عام 1964، وأسهمت مع وحداتها القتالية في أواخر الستينيات في تحقيق تحسن ملموس في أوضاع معيشة الفلسطينيين في لبنان.

وبحلول عام 1969 تم توقيع "اتفاق القاهرة" الذي أعطى حرية العمل العسكري للفلسطينيين في لبنان، فيما كانت المنظمة قد انتزعت السيطرة فعلياً على المخيمات من السلطات اللبنانية.

وخلال السبعينيات تحسن وضع الفلسطينيين الاقتصادي والسياسي، لكن قوتهم ونفوذهم أصبحا موضع استياء من مجموعات لبنانية أخرى، بخاصة أن المخيمات باتت أماكن لتجنيد مزيد من المقاتلين لمصلحة المنظمة.

وتتوقف المذكرات السرية عند توسع نفوذ منظمة التحرير إلى حد سيطرتها على أجزاء كبيرة من جنوب لبنان، خصوصاً ما أصبح يعرف باسم "فتح لاند" على المنحدرات الغربية لجبل الشيخ، وفي النص "عندما بدا أن منظمة التحرير والفصائل اليسارية تحققان تفوقاً عسكرياً، تدخل الرئيس السوري حافظ الأسد... بموافقة جامعة الدول العربية"، في إشارة إلى التدخل العسكري السوري في لبنان عام 1976.

اكتساب الجنسية عبر الرشى

وما تكشفه الوثائق أنه عام 1978 كان عدد الفلسطينيين غير المسجلين لدى "الأونروا" يراوح ما بين 190 و250 ألف فلسطيني، ومن بين هذه الفئة غير المسجلة نحو 100 ألف فلسطيني، كثير منهم من المسيحيين اكتسبوا الجنسية اللبنانية، غالباً عبر روابط عائلية أو عبر دفع الرشى، إلى جانب ما بين 50 و100 ألف شخص لم يكونوا مسجلين لا لدى "الأونروا" ولا لدى الحكومة اللبنانية، إلا أنهم احتفظوا بهويتهم الفلسطينية.

ووفقاً لتقديرات السفارة الأميركية لدى بيروت فإن كثيراً من الفلسطينيين غير المسجلين حصلوا حينها على تصاريح إقامة من خلال الرشى، التي استخدمت أيضاً لتبديل الأسماء والحصول على أسماء لبنانية أو الجنسية اللبنانية.

 

تشغيل مرفأي صيدا وصور

وصول مزيد من اللاجئين الفلسطينيين بعد حرب 1967، وبروز هيكل قوي لـ"منظمة التحرير الفلسطينية" غيرا بصورة كبيرة طبيعة الوجود الفلسطيني هنا، ويقول الأميركيون في ملفاتهم "إنفاق المنظمة جزءاً كبيراً من دخلها بين الفلسطينيين في لبنان جلب ازدهاراً جديداً إلى المخيمات... كان بإمكان الذكور البالغين أن يكسبوا دخلاً شهرياً يبلغ 250 دولاراً، من خلال الانضمام إلى إحدى الميليشيات الفلسطينية... وبسبب المنح الإضافية التي كانت تدفع للزوجات والأطفال، كان دخل الأسرة الفلسطينية من المنظمة يصل إلى 1000 دولار أميركي شهرياً".

وأتى في النص "جنت منظمة التحرير الفلسطينية الأموال من خلال تشغيل مرفأي صيدا وصور، اللذين كانت تسيطر عليهما حتى 1982، من خلال فرض الرسوم الجمركية على جميع البضائع الداخلة إلى المرفأين، باستثناء البضائع المخصصة للتجار الفلسطينيين، الذين كانوا يبيعون سلعهم بأسعار أدنى من أسعار التجار اللبنانيين، ومن ثم يحققون أرباحاً أكبر".

أيضاً استفاد الفلسطينيون في لبنان من التحويلات المالية التي أرسلها إليهم أقرباؤهم الذين هاجروا بشكل رئيس إلى دول عربية كان الطلب فيها على العمالة مرتفعاً والأجور عالية، وهناك "واجه العمال الفلسطينيون القليل من المعارضة الاقتصادية والاجتماعية التي يتعرضون لها في لبنان، وقدرت التحويلات المالية بنحو 300 مليون دولار سنوياً"، وفق تقديرات السفارة الأميركية لدى بيروت عام 1981.

ما بين الاجتياحين عام 1978 و1982

عام 1978 وبعد غارات فلسطينية عدة انطلقت من لبنان على إسرائيل، غزا الجيش الإسرائيلي الجنوب، واحتل شريطاً بعرض 32 كيلومتراً، مما اضطر الفلسطينيين المسلحين إلى الانتقال شمال نهر الليطاني، مع الاحتفاظ بوجود عسكري في مدينة صور، حيث توجد ثلاثة مخيمات كبيرة.

حينها كانت التقديرات تشير إلى وجود 300 ألف فلسطيني في لبنان، وفق مسؤولين أمميين و600 ألف بحسب مصادر فلسطينية وإسرائيلية.

بعدها أتى اجتياح عام 1982 ليحمل معه كثيراً من العواصف على لبنان والفلسطينيين معاً.

وقد قال الأميركيون "نعتقد أنه في وقت الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، كان هناك نحو 500 ألف فلسطيني يعيشون في لبنان، أي ما يشكل نحو 15 في المئة من سكان البلاد البالغ عددهم قرابة 3 ملايين نسمة".

وما قبل الاجتياح الثاني كان الفلسطينيون وبخاصة "منظمة التحرير الفلسطينية" قد أصبحوا القوة المهيمنة في المدن الجنوبية الكبرى، أبرزها صور وصيدا والنبطية، وسجلوا تجمعات ملحوظة في بلدات صغيرة في الجنوب مثل البرغلية وعدلوة وأرنون والغازية.

 

وتذكر الوثائق "في بعض الحالات، وبخاصة في بلدات مثل أرنون، قام الفلسطينيون بطرد السكان المحليين والاستيلاء على أماكنهم".

لكن اجتياح 1982 أدى إلى تعطيل كامل للبنية الفلسطينية، فقد دمرت معاقل منظمة التحرير، وتفرق عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين في الأرياف، أما قيادات المنظمة، وعلى رأسهم ياسر عرفات، فقد أجبروا على مغادرة لبنان إلى المنفى في دول عربية أخرى.

وفي ختام الوثيقة الأولى التي نشرنا أبرز ما جاء فيها تعتبر واشنطن أن معظم الفلسطينيين سيبقون في لبنان مستقبلاً، مستمرين في عيشهم كمنبوذين سياسياً واجتماعياً، فيما الصعوبات التي واجهتها عملية إيجاد دول عربية مستعدة لاستقبال المسلحين الفلسطينيين قد أقنعت الإسرائيليين بأن إيجاد مأوى للمدنيين الفلسطينيين في هذه الدول أمر غير ممكن.

لذا كان الخيار الثاني الأفضل من وجهة النظر الإسرائيلية، وهو دمج الفلسطينيين في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبنان.

الفلسطينيون يعودون إلى لبنان

ملف سري ثانٍ أعده مكتب التحليل لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا وبتنسيق مع مديرية العمليات في "السي آي أي" عام 1987، رفعت السرية عنه قبل أعوام، تنفرد "اندبندنت عربية" بنشر مضمونه.

عنوان هذا الملف "لبنان: تنامي قوة الفلسطينيين"، وفيه إضاءة على محاولة المقاتلين الفلسطينيين العودة بعد أعوام من خروجهم عام 1982.

صحيح أن الاجتياح الإسرائيلي انتهى حينها بخروج آلاف المقاتلين وقيادات "منظمة التحرير الفلسطينية" إلى دول عربية وعلى رأسها تونس، إلا أن آلافاً آخرين بقوا هنا، وقد توارى الموالون لعرفات عن الأنظار في بيروت وطرابلس، بينما تجمع الفلسطينيون الموالون لسوريا في سهل البقاع تحت رعاية دمشق لتشكيل ما عرف بـ"جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطينية"، التي تحولت خصماً رئيساً لعرفات.

تعود هذه المذكرات إلى عام 1986، وتقول إن المقاتلين الفلسطينيين قد تسللوا مجدداً إلى لبنان وأعادوا بسرعة بناء بنيتهم العسكرية والاستخباراتية والسياسية، وقدرت عددهم بنحو 10 آلاف مقاتل، وليس ذلك فقط بل كسبوا موطئ قدم في الجنوب من خلال استيلائهم الفعلي على صيدا، ثالث أكبر المدن، وبدعم من الميليشيات اللبنانية التابعة لمصطفى سعد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بحر لبنان مفتوح أمام الفلسطينيين

عن كيفية تحقيق هذه العودة، يكشف النص السري "يعود المقاتلون الفلسطينيون بحراً، بخاصة عبر ميناء صيدا (جنوب لبنان)، لكن أيضاً عبر ميناء خلدة (جنوب بيروت) الذي يسيطر عليه الدروز وميناء جونية المسيحي (شمال بيروت)".

والأهم أن عملية التسلل قد تمت بفضل تحالفات تكتيكية عقدتها المنظمة مع فصائل لبنانية مختلفة، بما في ذلك "حزب الله" وحتى بعض أعدائها المسيحيين التقليديين، ويقول المعدون "معظم الميليشيات اللبنانية تساعد عودة الفلسطينيين مقابل مبالغ مالية أو حوافز أخرى".

أما عن معدل العودة ومسارات التسلل فيذكر النص "نعتقد أن معظم المقاتلين الفلسطينيين الذين انتقلوا إلى اليمن الشمالي والعراق ودول عربية أخرى عقب الاجتياح الإسرائيلي قد عادوا إلى لبنان، ويشكل الموالون لعرفات أكبر عدد من المتسللين الفلسطينيين الجدد، وقد ازداد تسللهم عبر قبرص، مروراً بمطار بيروت الدولي، وعبر الميناء غير الشرعي في خلدة الذي يسيطر عليه الدروز، وعبر الميناء السني في صيدا، بشكل حاد"، ويتابع "فيما تقول إسرائيل إن التسلل عبر مطار بيروت انخفض كثيراً منذ التدخل السوري، لكنه لم يتوقف، ولا يزال العاملون اللبنانيون الموالون لعرفات ومسؤولو الأمن في المطار وفي خلدة يسهلون دخول المقاتلين، لكن الغالبية الآن يتم تهريبهم عبر صيدا... كذلك فإن تهريب الأسلحة الفلسطينية داخل البضائع والأمتعة القادمة إلى المطار لا يزال واسع الانتشار".

وقد أعادت المنظمة العمل على تأمين "كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة، وهي في الغالب من صنع سوفياتي وشرق أوروبي، بخلاف تركيزها قبل 1982 على الأسلحة الثقيلة، ويتم شراء بعض أجهزة الاتصالات والإشارة من مصادر غربية في الأسواق المفتوحة".

وليد جنبلاط وتسليح الفلسطينيين

تتابع الوثائق الأميركية "يقوم الفلسطينيون بشراء أسلحة خفيفة من فصائل لبنانية عدة، بما يشمل الدروز والمسيحيين والسنة و’حزب الله‘، وحتى من عدوها ’حركة أمل‘ (سندخل لاحقاً في تفاصيل هذه العداوة).

وعلى رغم أن منظمة التحرير في لبنان لم تتلق أي أسلحة ثقيلة من الاتحاد السوفياتي ما بعد الاجتياح بأعوام، فإن حلفاءها الدروز (بزعامة وليد جنبلاط) حصلوا عليها، ويذكر الأميركيون "لدى الدروز نحو 55 دبابة من طراز T-55... نعتقد أنه نظراً إلى الأزمة المالية التي يمر بها الدروز أخيراً، فقد يؤجرون عدداً من الدبابات إلى المنظمة مقابل مبالغ مالية".

كذلك كان ميناء خلدة الذي يسيطر عليه الدروز نقطة دخول لمئات المقاتلين الفلسطينيين، وفي المقابل يحصل الدروز على المال وبعض الأسلحة. وقد أدى تمركز الجنود السوريين في محيط خلدة إلى تقليص عمليات التسلل عبر الميناء، على رغم أن الأسلحة لا تزال تمر عبره، و"تفيد السفارة الأميركية لدى بيروت بأن دمشق حذرت الزعيم الدرزي وليد جنبلاط مراراً من مساعدة الموالين لعرفات، لكن من دون جدوى".

 

أيضاً جاء في النص السري "القوات اللبنانية المسيحية تساعد مقاتلي منظمة التحرير على العودة إلى لبنان عبر مينائها في جونية. ويصل الفلسطينيون على متن عبارات قادمة من قبرص... وقد هاجمت الزوارق الحربية الإسرائيلية في 1987 هذه العبارات فترة وجيزة واكتشفت مقاتلين فلسطينيين مسلحين على متنها"، يتابع "يعد العراق لاعباً أساساً في التقارب بين القوات والمنظمة، فالمسيحيون يصطفون الآن إلى جانب العراق، وهو أحد أبرز داعمي عرفات وعدو لسوريا... وبحسب السفارة الأميركية لدى بيروت، كان داني شمعون، نجل الرئيس اللبناني الراحل كميل شمعون، ذا دور أساس في ترتيب صفقة أسلحة بقيمة 12 مليون دولار من العراق إلى القوات، وقد أبلغ شمعون مسؤولي السفارة أنه تفاوض أخيراً على صفقة ثانية بقيمة 8 ملايين".

أما لناحية العلاقة مع "حزب الله"، الذي كان حديث النشأة، فيقول الأميركيون إن عرفات عمل على بناء تحالف تكتيكي مرن مع الحزب المدعوم من إيران بهدف إضعاف كل من سوريا وحركة "أمل"، وساعد "حزب الله" على إعادة مقاتلي "فتح" الموالين لعرفات إلى لبنان، بينما بادلت "فتح" ذلك بتزويد الحزب بالأسلحة والأموال، فيما الدعم المالي من منظمة التحرير لبعض قادة الحزب المختارين كان بدأ منذ 1985.

العلاقات مع السنة المعتدلين

كانت العلاقات الفلسطينية الأقوى مع المسلمين السنة، وتحديداً في صيدا، تحت رعاية زعيم التنظيم الشعبي الناصري مصطفى سعد، واعتبر معدو الوثائق أن سعد "أغمض" عينيه عن تزايد نفوذ الموالين لعرفات في مدينته مقابل عوائد مالية ومكاسب سياسية.

وفي ما يتعلق بالعلاقات مع الأصوليين السنة، فقد اعتمد عرفات بصورة متزايدة على الجماعات السنية الأصولية، مثل حركة "التوحيد الإسلامي" التي تتخذ من طرابلس شمال البلاد مقراً لها، للحصول على المساعدة ضد سوريا.

تمويل ونفقات تبرز أهمية لبنان

في صفحات أخرى من ملف "لبنان: تنامي قوة الفلسطينيين"، يتوقف المعدون عند نفقات منظمة التحرير في لبنان، وكشفوا عن أن إنفاقها السنوي على أنشطتها في هذا البلد يبلغ نحو 135 مليون دولار، وهو ما نسبته بين 60 و75 في المئة من موازنتها العامة، معتبرين أن شراء الأسلحة وشراء النفوذ بين الميليشيات اللبنانية يستندان إلى الوضع المالي المتين للمنظمة في لبنان، على رغم أن هذا الجهد يسبب استنزافاً مالياً كبيراً للمنظمة على مستوى العالم.

وقد بدأ كثير من مقاتلي جبهة "الإنقاذ الوطني الفلسطينية" (الموالين لسوريا) بالانشقاق والانضمام إلى صف عرفات بسبب الرواتب الأعلى، إذ يتقاضى مقاتلو "فتح" في لبنان 100 دولار شهرياً، بينما يحصل قادتهم على 700 دولار، وهو ضعف رواتب الفصائل الفلسطينية الأخرى تقريباً.

وفي النص "تنفق المنظمة مبالغ ضخمة وصلت إلى 90 مليون دولار على حرب المخيمات، ويتفوق عرفات على خصومه الفلسطينيين داخل المخيمات من خلال شراء ولاء مقاتليهم بالمال".

بالتوقف عند ما يعرف بـ"حرب المخيمات" خلال الحرب الأهلية، فهي كانت نتيجة مباشرة لمعارضة دمشق وحليفتها الأهم في لبنان، حركة "أمل" إحياء منظمة التحرير، ومنذ عام 1984 انتظمت "أمل" والفلسطينيون في قتال متقطع عرف باسم "حرب المخيمات"، لأنه كان صراعاً على السيطرة على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.

رأى الأميركيون حينها أن "سوريا أرادت احتواء نشاطات عرفات والسيطرة على النشاط الفلسطيني في لبنان... كذلك ستواصل دعمها نبيه بري (زعيم ’أمل‘)، لكن هناك خلافات عميقة وجوهرية بين الأخير ودمشق حول كيفية إدارة المسألة الفلسطينية"، فرفض بري دعم جبهة "الإنقاذ الوطني الفلسطينية" (الموالية لسوريا) ينبع على الأرجح من اعتقاده أن الفلسطينيين الموالين لسوريا يمكن أن يعززوا نفوذهم على حساب "أمل".

في المقابل يرى الأميركيون أن "حرب المخيمات" زادت من نفوذ وهيبة إيران و"حزب الله" على حساب سوريا و"أمل"، وقد اعتبرت السفارة الأميركية لدى بيروت حينها أن الحزب يبدو الطرف الوحيد الرابح في هذه الحرب.

الدعم الليبي المباشر

ليبيا كانت من أشد الداعمين لمنظمة "التحرير الفلسطينية"، على مبدأ أن الحرب ذات طابع طائفي وهي مواجهة بين السنة والشيعة، وفق المقاربة الأميركية في الوثائق السرية، التي جاء فيها "دعا الزعيم الليبي معمر القذافي السنة اللبنانيين وحلفاءهم الفلسطينيين إلى الانتفاض ضد الكانتون الشيعي لبري".

ويكمل النص "يعمل القذافي على شراء نفوذ شعبي في أوساط فصائل فلسطينية عدة، بما في ذلك جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطينية، ويحول الأموال إلى الجبهة عبر لجان داخل المخيمات في لبنان، كذلك جند مقاتلين فلسطينيين للقتال في حربه مع تشاد. وتفيد السفارة الأميركية لدى باريس بأن 400 مقاتل فلسطيني وصلوا إلى ليبيا وتم إرسالهم جنوباً، على الأرجح إلى القاعدة الليبية في أوزو".

وحرب القذافي مع تشاد هي صراع متقطع امتد بين 1978 و1987 بين البلدين، تخللها نزاع خاص على شريط أوزو الحدودي.

أما في خلفية العلاقة بين الفلسطينيين وشيعة لبنان فنتوقف في المذكرات الأميركية السرية عند ما وصف بأنه "شهر عسل" بين الطرفين مع بدايات الحرب الأهلية، فمقاتلو "أمل" دعموا الفلسطينيين في معارك عنيفة ضد المسيحيين، غير أن هذا الوضع بين مؤسس حركة "أمل"، الإمام موسى الصدر، والفلسطينيين بدأ يتغير بسبب أنشطة الفلسطينيين في الجنوب التي أصبحت عبئاً على المجتمع الشيعي هناك، ناهيك بأن تكرار الغارات الفلسطينية على إسرائيل وردود الفعل الانتقامية الإسرائيلية على جنوب لبنان زاد من المعاناة، وجعل من الصعب الاستمرار في دعم الفلسطينيين.

وعلى رغم تعاطف الشيعة مع القضية الفلسطينية فإنهم لم يكونوا على استعداد لتحمل أفعال الفلسطينيين التي جلبت مزيداً من الدمار لمجتمعهم.

وبذلك تحول لبنان في تلك المرحلة ساحة المعركة الرئيسة للفلسطينيين، وللصراع العربي –الإسرائيلي، وعلى أراضيه سقط عدد من القتلى السوريين والإسرائيليين بين عامي 1982 و1984 يفوق ما سقط في مرتفعات الجولان عام 1967، وقاتل في لبنان عدد من الفلسطينيين أكثر مما قاتلوا في أي ساحة أخرى، ولا توجد أي حدود إسرائيلية أخرى شهدت اضطراباً مماثلاً للحدود الإسرائيلية – اللبنانية.

اقرأ المزيد

المزيد من وثائق