Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف خططت إسرائيل لضرب "نووي إيران" منذ التسعينيات؟

وثيقة بريطانية: تل أبيب قدرت أن طهران قد تطور سلاحاً نووياً بحلول عام 2000 وأبدت استعدادها لمهاجمته مع التركيز على "بوشهر" لكنها ارتأت أن المفاعلات غير مناسبة لإنتاج البلوتونيوم بصورة فاعلة

كان احتمال الهجوم الإسرائيلي الاستباقي على المنشآت النووية الإيرانية قائماً منذ التسعينيات (اندبندنت عربية)

ملخص

في مطلع يونيو عام 1995، أعدت أجهزة الاستخبارات البريطانية تقييماً مفصلاً حول احتمالات شن إسرائيل هجوماً استباقياً على المنشآت النووية الإيرانية، مع التركيز على مفاعل "بوشهر"، وكان هذا التقييم يتناول البرنامج النووي الإيراني، موضحاً أن البرنامج "لا يزال في مرحلة مبكرة جداً من التطوير" وأنه لا توجد مؤشرات على إقامة منشآت نووية جديدة أو تقدم كبير في البرنامج.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1995، صدم العالم باغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين الذي عد شريكاً رئيساً في جهود السلام بالشرق الأوسط، بخاصة بعد توقيعه اتفاق أوسلو الذي هدف إلى إيجاد حل شامل للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني.

وقع الاغتيال في تل أبيب أثناء تظاهرة مؤيدة للسلام، ونفذه المتطرف الإسرائيلي إيغال عامير الذي عارض أية تنازلات للفلسطينيين، ورأى أن سياسات رابين تهدد أمن الدولة اليهودية. وأسفر الحدث عن صدمة سياسية وأمنية عميقة في إسرائيل، وأدى إلى انعكاسات ملموسة على عملية السلام.

يُشار إلى أن اغتيال رابين جاء بعد 10 أيام فقط من اغتيال الدكتور فتحي الشقاقي، مؤسس حركة "الجهاد الإسلامي" الفلسطينية الدكتور فتحي الشقاقي الذي قتل في مالطا في الـ26 من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1995 على يد مجهولين يعتقد بأنهم مرتبطون بجهاز استخبارات إسرائيلي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وربطت بعض التحليلات السياسية بين الحادثتين من ناحية توقيتهما وتأثيرهما في مسار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، إذ أسهم اغتيال الشقاقي في تصعيد التوترات الفلسطينية، بينما صدم اغتيال رابين الشارع الإسرائيلي، وأعاد النقاش حول الأمن الداخلي والانقسامات السياسية المتعلقة بعملية السلام.

تشير الوثائق البريطانية السرية التي رفع عنها الطابع السري في يونيو (حزيران) الماضي وتحمل الرقم المرجعي في الأرشيف الوطني البريطاني FCO 8/10437، إلى متابعة إيران الدقيقة للاغتيالين وتداعياتهما على المنطقة، فرأت طهران في هذه الحوادث فرصة لتعزيز مشروعها الإقليمي المناهض لعملية السلام من خلال دعم الجماعات الفلسطينية المعارضة لإسرائيل واستغلال الانقسامات السياسية والأمنية داخل المجتمع الإسرائيلي.

إيران بين اغتيالين

وتصريحات الرئيس الإيراني آنذاك هاشمي رفسنجاني أبرزت الطابع الإيماني في قراءة الحدث، إذ قال "بينما عبّر إسحاق رابين عن سروره باغتيال فتحي الشقاقي، فإن مقتل رئيس الوزراء الإسرائيلي على يد يهودي وفي قلب السلطة الصهيونية بعد 10 أيام من اغتيال الدكتور الشقاقي هو أحد الأمثلة الواضحة على تحقق الانتقام الإلهي من طغاة التاريخ. وفقاً لمبدأ إيماني، نعتقد بأن من يشهر سيف الظلم سيقتل به".

وأدلى رئيس البرلمان الإيراني ناطق نوري بتصريحات لاذعة، واصفاً رابين بأنه "أحد قادة الجرائم الصهيونية ضد المسلمين" وأنه "ارتكب جرائم لا تحصى طوال حياته"، وأضاف "كان ينبغي أن يعرف الصهاينة أنه عندما يفتحون باب الإرهاب فسيسقطون فيه يوماً ما".

وجاءت التغطية الإعلامية من الإذاعة الإيرانية لتؤكد هذه الرؤية الرسمية، إذ قالت "اغتيال رابين بعد فترة قصيرة من الاغتيال الوحشي للدكتور الشقاقي هو درس جيد لكل من ينكر الانتقام الإلهي. رابين كان إرهابياً حقيقياً ومسؤولاً عن قتل آلاف النساء والأطفال الفلسطينيين".

 

ومع ذلك، تشير وثائق سرية صادرة عن السفارة البريطانية في طهران إلى أن النبرة الإيرانية الأولية للحدث أثارت إحراجاً على الصعيد الدولي، خصوصاً بعد تصريحات رفسنجاني حول "العقاب الإلهي"، إذ كتب السفير البريطاني تشارلز هوليس ضمن برقية مؤرخة في الـ16 من نوفمبر عام 1995 "عقب الإحراج الذي تعرضت له إيران بسبب تصويت الـ’بوندستاغ‘ على سحب دعوة ولايتي إلى مؤتمر (الإسلام – أوروبا) نتيجة تصريح رفسنجاني بأن مقتل رابين هو ’عقاب إلهي‘، أصبحت التصريحات الرسمية الإيرانية حول الاغتيال أكثر هدوءاً".

وتضيف البرقية أن الموقف الشعبي الإيراني لم يعكس العداء الرسمي، "وعلى رغم التصريحات الرسمية وتوزيع الحلوى في المدارس والمؤسسات الحكومية، لم تظهر أية مؤشرات على أن الاغتيال أثار أية مشاعر شعبية، وقد أعربت مصادر إيرانية خاصة لنا عن استيائها وإحراجها من النبرة الانتصارية للحكومة".

ومن المدهش وجود قدر كبير من التعاطف الشخصي مع الإسرائيليين هنا، على رغم العداء الرسمي العميق، وربما يعود ذلك جزئياً لذكريات العلاقة الاستراتيجية بين إيران وإسرائيل قبل الثورة، وجزئياً للمعاداة المشتركة للعرب المجاورين. وعبّر بعض الإيرانيين على نحو خاص عن اشمئزازهم وإحراجهم من لهجة الحكومة المنتصرة. ويرددون، بشيء من السخرية، قولاً منسوباً إلى خامنئي منذ أعوام أن أي شخص يقتل على يد يهودي يصبح تلقائياً شهيداً. وعلى هذا الأساس، كما يمزحون، فإن رابين في الجنة بالفعل.

تداعيات تصريحات الرئيس الإيراني رفسنجاني

في الـ10 من نوفمبر 1995، أرسل اللورد أفبري رسالة إلى مجلس اللوردات في بريطانيا تتناول تصريحاً مثيراً لرفسنجاني حول اغتيال رابين. ووفقاً للرسالة، وصف رفسنجاني الحادثة بأنها "انتقام إلهي" لمقتل فتحي الشقاقي في مالطا، وهو تصريح أثار ردود فعل دولية قوية.

 

وتسببت هذه التصريحات في اتخاذ خطوات عملية على الساحة الدولية، إذ ألغت ألمانيا مؤتمراً كان من المقرر أن يحضره وزير الخارجية الإيراني علي ولايتي، احتجاجاً على ما عُد تبريراً للإرهاب تحت ستار الدين.

وضمن رسالته، يتساءل اللورد أفبري "ألا ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يرفض مثل هذا التصريح الذي يبرر الإرهاب بوصفه عملاً إلهياً، عبر قطع الاتصالات الوزارية مع النظام حتى يجري سحب هذا التصريح؟".

رد وزارة الخارجية البريطانية على رسالة اللورد أفبري

وفي الـ29 من نوفمبر عام 1995، ردت وزارة الخارجية البريطانية على رسالة اللورد أفبري الصادرة في الـ10 من الشهر نفسه حول تصريحات رفسنجاني حول اغتيال رابين، وجاء الرد من وزير الدولة جيريمي هانلي الذي أيد الشعور العام بالاشمئزاز تجاه تصريحات رفسنجاني.

 

وأشار هانلي إلى التأثير المباشر لهذه التصريحات في المجتمع الدولي، موضحاً أن "تأثيرها في ألمانيا، حيث جرى تأجيل مؤتمر كان ولايتي مدعواً إليه، كان ملموساً"، وألغى وزير الزراعة الهولندي اجتماعاً مع نظيره الإيراني احتجاجاً على رد الفعل الإيراني على الاغتيال.

وعلى رغم هذه الردود الاحتجاجية، شدد هانلي على أن الاتحاد الأوروبي سيستمر في "الحوار النقدي" مع إيران، واعتقد بأنه يوفر فرصة للاعتراض على سلوك طهران، مع الإشارة إلى أن شركاء الاتحاد الأوروبي قد يتخذون مواقف فردية بحسب تقديرهم.

احتمال هجوم إسرائيلي استباقي على المنشآت النووية

في مطلع يونيو عام 1995، أعدت أجهزة الاستخبارات البريطانية تقييماً مفصلاً حول احتمالات شن إسرائيل هجوماً استباقياً على المنشآت النووية الإيرانية، مع التركيز على مفاعل "بوشهر"، وكان هذا التقييم يتناول البرنامج النووي الإيراني، موضحاً أن البرنامج "لا يزال في مرحلة مبكرة جداً من التطوير" وأنه لا توجد مؤشرات على إقامة منشآت نووية جديدة أو تقدم كبير في البرنامج.

وأشار التقييم أيضاً إلى أن منشأة "بوشهر" التي تعمل عليها روسيا، من المتوقع ألا تكتمل قبل حلول عام 2000، مما لا يجعلها "خطراً عاجل"، وبيّن أن المفاعلات غير مناسبة لإنتاج البلوتونيوم بصورة فاعلة وأنها ستخضع للرقابة الدولية عبر وكالة الطاقة الذرية، بالتالي لا يتوقع أن يكون للبرنامج تأثير ملموس في الأمن الإقليمي في المدى القصير.

وعلى رغم هذه المعطيات، تناول التقييم القدرة والإرادة الإسرائيلية، لافتاً إلى أن إسرائيل أظهرت تاريخياً استعدادها لشن عمليات محفوفة بالأخطار إذا رأت مصالحها الوطنية مهددة، وأنه لا ينبغي الشك بإرادتها لاتخاذ أي إجراء لعرقلة أو تدمير البرنامج النووي الإيراني إذا شعرت بأن أمنها القومي مهدد.

كذلك سلط التقييم الضوء على احتمال أن تقدر إسرائيل بأن إيران قد تطور سلاحاً نووياً بحلول عام 2000، وفضلاً عن ذلك أوضحت الوثيقة أن التسريبات الصحافية حول نية إسرائيل مهاجمة المنشآت الإيرانية "مستوحاة من مصادر رسمية إسرائيلية"، وتهدف إلى الضغط على المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة والدول الموردة لطهران، لمنع هذه الأخيرة من تحقيق طموحاتها النووية، وربما للتأثير في جيرانها العرب.

 

وتطرقت الوثيقة كذلك إلى الخيارات الإسرائيلية المحتملة، فقيمت الوسائل التي يمكن لتل أبيب اللجوء إليها، فأشارت إلى أن الصواريخ الباليستية "أريحا2" JERICHO-2 تعد أدوات دفاعية استراتيجية وليست دقيقة كفاية للهجوم على المنشآت الإيرانية، وأن إمكان إدخال قوات برية لتدمير المنشآت موجود تقنياً لكنه غير مرجح، كما أن العمليات التخريبية غير مرجحة أيضاً.

أما الهجوم الجوي، فرأت الوثيقة أن الطائرات المقاتلة من طرازي "أف-16س" F-16C و"أف-15س" F-15C قادرة على تنفيذ مهمة ضد منشأة "بوشهر"، إلا أن الهجوم من إسرائيل يفرض عبور أجواء دول عربية، مما يزيد من أخطار الكشف عن الطائرات أو إسقاطها، على رغم أن هذه العمليات تبقى ضمن القدرات العسكرية - التقنية لإسرائيل.

وفي ما يتعلق بالعواقب المحتملة للعملية، أوضحت الوثيقة أن أي هجوم على المنشآت النووية الإيرانية قد يؤدي إلى تداعيات كبيرة مثل تركيز الانتباه على قدرة إسرائيل النووية وزيادة الضغوط العربية والإسلامية ضدها، إضافة إلى تأثير محتمل في عملية السلام في الشرق الأوسط، وإن كان غالباً موقتاً. وحذرت كذلك من احتمال أن يدفع أن الهجوم إيران ودولاً عربية أخرى إلى تعزيز حماية منشآتها النووية ورفع مستوى برامجها للصواريخ والأسلحة النووية والبيولوجية، مع إمكان تسريع طهران تطوير قدراتها النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل كرد فعل على العملية.

وبعد عرض القدرات العسكرية لإسرائيل، خلص التقييم إلى أن الهجوم على "بوشهر" في المدى القريب "غير مرجح"، وأن تل أبيب تفضل حالياً استخدام الضغط السياسي والدبلوماسي لمنع إيران من تطوير قدراتها النووية، مع الاحتفاظ بخطط احتياطية تشمل التدابير العسكرية خياراً أخيراً.

اتصالات إسرائيل مع المعارضة الإيرانية ونفي التورط في محاولات الإطاحة بالنظام

في الـ12 من مايو (أيار) عام 1995، تابعت السفارة البريطانية لدى تل أبيب مستجدات تتعلق بموضوع إسرائيل وإيران، وأبلغت وزارة الخارجية البريطانية بهذه التطورات عبر تانيا كولينغريدج. فقد أفادت التقارير الصحافية المحلية بأن وزير الصحة الإسرائيلي سنيه التقى في واشنطن ممثلين عن المعارضة الإيرانية في المنفى، وكان برفقته منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في لبنان أوري لوبراني. وبعد هذا الاجتماع، انتقل المسؤولان للقاء أعضاء مجلس الأمن القومي الأميركي في البيت الأبيض.

 

وفي تصريحات إلى الصحافيين، أكد سنيه أن الحكومة الإسرائيلية "لم تشارك في أية محاولة للإطاحة بالنظام الإيراني". أما لوبراني، فقال خلال حديث منفصل إن إسرائيل "كانت لديها علاقات مع إيران قبل الثورة، وستواصلها بعد ذلك".

وفي السياق ذاته، أوضح رئيس مركز البحث السياسي في وزارة الخارجية الإسرائيلية ديفيد أبيك لفريق السفارة البريطانية أن إسرائيل تحتفظ باتصالات مع بعض أعضاء المعارضة الإيرانية، لكنه شدد على أن هذه الاتصالات "لا تتعدى العملية الدبلوماسية المعتادة للحفاظ على التواصل مع جميع عناصر الرأي"، وأشار إلى أن كثيراً من هذه الجماعات يرى في التواصل مع إسرائيل "وسيلة لكسب نفوذ سياسي لدى الولايات المتحدة".

اقرأ المزيد

المزيد من وثائق