ملخص
مراقبون دعوا إلى التحصين المسبق وتأمين مخزونات كافية من المحروقات وتسريع ربط وتشغيل السفينة العائمة الجديدة ومشاريع تخزين الغاز المسال، ووضع خطة طوارئ شاملة لمواجهة أي أزمة مياه محتملة، وتنويع مصادر الاستيراد لتقليل الأخطار السياسية والاقتصادية.
يتعامل الأردن بشكل جدي مع تهديدات إسرائيلية شبه رسمية بقطع الماء والغاز عنها، بعد أن نقلت "القناة 14" العبرية على لسان مسؤولين إسرائيليين، أنه يجب على إسرائيل تهديد الأردن بوقف تزويدها بالماء والغاز بسبب تصريحات مسؤوليها الداعية لإقامة الدولة الفلسطينية والمعارضة للاحتلال.
ودفعت هذه التهديدات مراقبين إلى دعوة الحكومة الأردنية لتنويع مصادر المياه كمشاريع تحلية، وتعزيز الاستثمارات في الطاقة المتجددة، واعتماد التخزين الاستراتيجي للغاز، وتقوية البنى التحتية للمياه الجوفية.
اليوم يعود الملف بقوة إلى الواجهة مع التهديدات الإسرائيلية الأخيرة رداً على مواقف سياسية أردنية اعتبرتها تل أبيب غير مسبوقة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى قدرة إسرائيل على تنفيذ هذه التهديدات، وحول تداعياتها المحتملة على الداخل الأردني سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
أوراق ضغط
منذ عقود، شكل ملف المياه والطاقة محوراً أساسياً في العلاقات الأردنية– الإسرائيلية، ليس فقط بوصفهما موردين حيويين لبلد محدود الموارد مثل الأردن، بل أيضاً كورقتين سياسيتين استخدمتهما إسرائيل في أوقات مختلفة للضغط والتأثير.
الأردن يعد من أكثر دول العالم شحاً بالمياه، إذ لا يتجاوز نصيب الفرد السنوي من المياه 100 متر مكعب مقابل خط الفقر المائي العالمي البالغ 500 متر مكعب. وتعتمد نسبة ملحوظة من حاجاته على اتفاقيات مع الجانب الإسرائيلي، بخاصة بعد توقيع معاهدة وادي عربة عام 1994 التي نظمت تقاسم المياه بين الطرفين. أما الغاز، فقد دخل على الخط لاحقاً، مع توقيع الأردن اتفاقيات استيراد الغاز الإسرائيلي عام 2016، وهو ما أثار جدلاً واسعاً ورفضاً داخلياً في حينه.
ويتعرض الأردن منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى اضطرابات في إمدادات الغاز نتيجة تذبذب إنتاج الحقول الإسرائيلية، ففي النصف الأول من 2025 شهدت صادرات الغاز الإسرائيلية تعطلاً موقتاً نتيجة إغلاق حقول غاز إسرائيلية لظروف أمنية.
آثار محتملة
يحصل الأردن سنوياً بموجب معاهدة وادي عربة على نحو50 مليون متر مكعب من المياه من إسرائيل، إضافة إلى صفقات شراء سنوية لكمية إضافية تصل أحياناً إلى 50 مليون متر مكعب أخرى.
بالتالي فإن أي تقليص أو قطع لهذه الكميات سيؤثر بشكل مباشر في الزراعة في وادي الأردن، وإمدادات العاصمة عمان، وحتى مياه الشرب للمواطنين.
ويقول مراقبون إن نقص الغاز يؤثر في توليد الكهرباء، ما يؤدي إلى انقطاعات كبيرة وتأثير في الخدمات الحيوية، وهو ما من شأنه إحداث ضغوط اجتماعية على الحكومة، واحتمال زيادة الاحتجاجات أو توترات بما يوازيها من تحديات لحفظ الاستقرار الاجتماعي.
فمنذ عام 2017، أصبح الغاز المستورد من إسرائيل يشكل رافداً رئيساً لإنتاج الكهرباء في الأردن عبر محطات التوليد. كما أن العقد الموقع بين شركة الكهرباء الوطنية الأردنية و"نوبل إنرجي" (المطورة لحقول الغاز الإسرائيلية) يمتد لـ15 عاماً وتقدر قيمته بأكثر من 10 مليارات دولار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتطلب ذلك تنشيط خطط الطوارئ الوطنية والاعتماد على واردات بديلة أو محطات طاقة احتياطية، وحتى التفاوض لشراء الغاز السائل بشكل عاجل وموقت، فضلاً عن إجراءات ترشيد داخلية.
من ناحية دولية وقانونية يملك الأردن خيارات لرفع شكاوى على مستوى الأمم المتحدة وهيئات حقوق الإنسان، أو اللجوء إلى محافل قانونية دولية أو طلب جلسات تحقيق أو طلب إجراءات طارئة في مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
تهديد استراتيجي
يؤكد الخبير في مجال الطاقة عامر الشوبكي أن على الأردن أن يتجهز لانقطاع الغاز والمياه من إسرائيل، مضيفاً أن العاهل الأردني بنفسه أشار إلى أن التهديدات الإسرائيلية ليست لها حدود.
ويصف الشوبكي التهديد الإسرائيلي بأنه "استراتيجي يجب أن يؤخذ بمنتهى الجدية، بخاصة بعد أن وصلت التصريحات الرسمية الأردنية إلى نبرة غير مسبوقة تجاه إسرائيل".
ويشير الشوبكي إلى أن الإعلام الإسرائيلي يتحدث بصراحة عن معاقبة الأردن عبر قطع المياه والغاز، وإذا تم قطع الغاز لأسباب سياسية وليس بسبب قوة قاهرة، فإن على الجانب الإسرائيلي أن يتحمل تعويضات تقارب 600 مليون دولار تدفع مرة واحدة وفق بنود الاتفاقية.
على رغم ذلك يعتقد الشوبكي أن الأردن هو الخاسر الأكبر لأن البدائل المتاحة في حال قطع الغاز قد تصل كلفتها إلى مليار دولار سنوياً. أما عن الحلول فيرى ضرورة تسريع استيراد الغاز المسال عبر ميناء العقبة، بخاصة أن السفينة العائمة الجديدة ستدخل الخدمة منتصف 2026 وتمنح الأردن مرونة كبيرة في الاستيراد وتخفيض الكلف.
ويضيف "الأردن يصله سنوياً 100 مليون متر مكعب من المياه من إسرائيل، نصفها ضمن اتفاقية السلام والنصف الآخر بموجب الاتفاق الإضافي الموقع عام 2021. وأي انقطاع أو تأخير في الإمدادات سيضاعف أزمة المياه بخاصة بعد موسم شحيح الأمطار، ويضع الحكومة في مواجهة مباشرة مع المواطنين".
لذلك يدعو الشوبكي إلى التحصين المسبق وتأمين مخزونات كافية من المحروقات وتسريع ربط وتشغيل السفينة العائمة الجديدة ومشاريع تخزين الغاز المسال، ووضع خطة طوارئ شاملة لمواجهة أي أزمة مياه محتملة، وتنويع مصادر الاستيراد لتقليل الأخطار السياسية والاقتصادية.
الأردنيون لن يعطشوا
بدورها تقول المهندسة منار المحاسنة الأمينة العامة السابقة لسلطة وادي الأردن إن الأردنيين لن يعطشوا في حال توقف تزويد الأردن بالمياه من جانب إسرائيل، إذ إن كميات التزويد أقل بكثير من حقوق الأردن المائية المسروقة من نهر الأردن.
تضيف المحاسنة "في كثير من المواسم المائية الصعبة والضعيفة الهطول المطري، بلغ إجمالي كميات المياه المتوافرة من جميع المصادر في المملكة نحو مليار و100 مليون متر مكعب، ومع ذلك لم يعطش الأردنيون".
وتوضح أن كميات المياه التي يحصل عليها الأردن من طبريا من قبل الجانب الإسرائيلي تشكل ما نسبته أربعة في المئة فقط أي نحو 10 ملايين متر مكعب تضاف إليها كميات غير ثابتة من نهر اليرموك، حيث يقوم الأردن في فصل الشتاء بتحويل هذه المياه عبر سد العدسية التحويلي وتخزينها في بحيرة طبريا، وتتراوح بين (0–20) مليون متر مكعب كحد أقصى.
هذه الكميات وفقاً للمحاسنة وردت في ملحق المياه رقم (2) من اتفاقية السلام الموقعة عام 1994، إضافة إلى 25 مليون متر مكعب يحصل عليها الأردن منذ عام 1997، وهي غير مذكورة في الملحق، وبذلك يكون المعدل السنوي لما يزود به الأردن لا يتجاوز 40–45 مليون متر مكعب، مع تحمل الحكومة الأردنية كلف النقل والتشغيل والصيانة.
وتوضح أن "الحكومة الأردنية تلجأ أحياناً، وفي مواسم شحيحة، إلى شراء المياه من إسرائيل، كما حدث عام 2010، وفي عام 2021 وقعت اتفاقية لشراء 50 مليون متر مكعب لثلاث سنوات".
أما في المواسم الجيدة، كما حدث في موسم 2020/2019، تم تخزين 20 مليون متر مكعب في طبريا ولم يحتج الأردن إلى شراء كميات ماء إضافية من إسرائيل.
وتكشف المحاسنة عن سحب إسرائيل نحو ثمانية ملايين متر مكعب سنوياً من آبار تقع ضمن الحدود الأردنية في وادي عربة.
خلفية تاريخية
وثمة خلفية تاريخية للمشكلة المائية في الأردن، ففي السنوات من 1950–1960 تصاعدت التوترات المائية والخيارات السياسية، وفيها نوقشت خطط إسرائيلية لتحويل مياه من الشمال إلى الجنوب "مشروع الحوض الشرقي" بما يقلص حصص دول مجاورة كالأردن وسوريا.
أما في مرحلة ما قبل عام 1948 فإن حوض نهر الأردن ومصادر المياه الجوفية في المنطقة كانا ولا يزالان يشكلان العمود الفقري لتوفير المياه.
ومع قيام دولة إسرائيل، كانت هناك مخاوف عربية مبكرة من مشاريع إسرائيلية محتملة لتحويل أو تقليص تدفقات المياه لدول الجوار.
لكن معاهدة السلام الأردنية- الإسرائيلية التي أبرمت في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1994 تضمنت بنداً مخصصاً للمياه، نص على الاعتراف بالتخصيصات المائية، وتأسيس آليات مشتركة لإدارة الموارد وتنظيم تبادل المعلومات والتعهدات بين الطرفين بحيث أعطت كل طرف حقوقاً وتوزيعات معينة (مثل الاعتراف بحقوق إسرائيل في أجزاء من مياه اليرموك/ نهر الأردن، فيما يحصل الأردن على ما تبقى وفق آلية محددة).
في عام 2016 بدأت صادرات الغاز الإسرائيلية لجهات أردنية من حقل تمار بموجب عقود طويلة الأمد بحيث أصبح جزء كبير من قطاع الصناعة الأردنية مرتبطاً فعلياً بإمدادات غاز إسرائيلية مدفوعة بعقود تجارية.
وبسبب الموارد المحدودة والضغوط الديموغرافية والاقتصادية، أصبح اعتماد الأردن جزئياً على إمدادات خارجية، بحيث شكل ذلك نقطة ضعف يمكن استغلالها سياسياً.
دعوات قديمة
يقول الكاتب والمحلل السياسي أحمد الحسبان إن المسألة لا تزال ضمن إطار التلويح أحياناً، والتحريض أحياناً أخرى، لكنها ليست مستبعدة لأن إسرائيل لا تتوقف عند حدود معاهدة سلام.
يؤكد الحسبان أن الدعوة لقطع المياه عن الأردن ليست جديدة، وتعود إلى سنوات مضت حينما أطلق وزير الزراعة الإسرائيلي تصريحات تلوح بوقف ضخ حصة المملكة من المياه التي نصت عليها اتفاقية السلام احتجاجاً على استرداد الأردن لمنطقتي الباقورة والغمر، ورفض تمديد اتفاقية تأجيرها لإسرائيل.
ويرى أن صلابة الموقف الأردني، وحدة الهجوم السياسي والدبلوماسي ضد إسرائيل في جميع المحافل الدولية، قد يدفع حكومة نتنياهو للضغط في ملفي المياه والغاز. وهذا بحد ذاته يعطي الضوء الأخضر للجانب الأردني بالتخلي عن معاهدة وادي عربة.
يعتقد الحسبان أن الجانب الأردني سيتكبد خسائر كبيرة، حيث سيكون مضطراً للتحول إلى توليد الكهرباء من مادة السولار المكلف، والذي يزيد فاتورة المحروقات بأكثر من مليار دولار كفارق في السعر بين الغاز والسولار الأمر الذي سيفاقم مديونية شركة الكهرباء الوطنية التي اقتربت من 10 مليارات دولار.
أما في ما يتعلق بموضوع المياه فإن الحل كما يراه الكاتب الحسبان هو الإسراع في تنفيذ مشروع الناقل الوطني الذي يتكون من محطات تحلية مياه البحر في العقبة ونقلها من أقصى الجنوب إلى أقصى شمال المملكة.
هو مشروع تأخر كثيراً بسبب تحفظات واعتراضات إسرائيلية سابقة قبل أن يتم الاتفاق على تنفيذه كمشروع أردني بالكامل بدلاً من مشروع ناقل البحرين الذي رفضته تل أبيب ويربط بين البحرين الأحمر والميت.