ملخص
وفق مراقبين، قد يُعاد طرح أفكار سياسية مرفوضة أردنياً مثل إحياء فكرة الكونفيدرالية بين الأردن والضفة الغربية، ومقايضة الوصاية الهاشمية على القدس كأداة للمساومة في مفاوضات سياسية.
في خضم التصعيد الإسرائيلي المتواصل في الضفة الغربية، تتردد تقارير عن نية تل أبيب الدفع باتجاه طرد الفلسطينيين الذين يحملون أرقاماً وطنية أردنية، أو الذين يحلمون جوازات سفر أردنية موقتة نحو الأراضي الأردنية، في خطوة وصفت بأنها الأخطر على استقرار المملكة وأمنها القومي منذ توقيع اتفاق "وادي عربة" عام 1994.
وبينما يترقب الشارع الأردني الموقف الرسمي حيال هذه التسريبات، تتزايد التساؤلات حول السيناريوهات المحتملة لمواجهة الأردن لإسرائيل، ولماذا يلوذ الموقف الحكومي بالصمت حتى الآن؟
ترحيل وتهجير
تحدثت تقارير محلية عن مراسلات تكشف عن خطة لترحيل أي فلسطيني مقيم في الضفة الغربية يحمل وثائق أو أرقاماً وطنية أردنية. وتشير هذه التقارير إلى نيات ووثائق يتبناها اليمين في الحكومة الإسرائيلية بدعم من الوزير بتسلئيل سموتريتش بصفته مسؤولاً عن الإدارة المدنية للضفة الغربية، وبخاصة مع قرب ضم أجزاء كبيرة من أراضيها إلى السيطرة الإسرائيلية.
وتقول هذه التقارير إن الوزير الإسرائيلي بدأ بإرسال مذكرات ومخاطبات رسمية لبقية المؤسسات الإسرائيلية، بصفته الحاكم المدني للإدارة في الضفة الغربية، تتعلق بالمواطنين الأردنيين المقيمين داخل الضفة، مشيرة إلى أن إسرائيل تنوي إثر ذلك تنفيذ ضم الضفة الغربية والتخلص من كل من يحمل وثيقة أردنية عبر ترحيلهم إلى الأردن.
يرى مراقبون أن أي تحريك قسري أو طوعي للسكان من الضفة الغربية إلى الشرقية هو بمثابة إعلان حرب على الأردن ومخالفة صريحة للمادة السادسة من بنود اتفاق "وادي عربة". لكن الحكومة الأردنية لم تعلق حتى الآن على هذه الأنباء التي تشكل استفزازاً جديداً، وبخاصة بعد سلسلة من التصريحات الرسمية الإسرائيلية التي صدرت خلال الأسابيع الماضية تحت لافتة مشروع "إسرائيل الكبرى". كما أن التهجير القسري يصنف جريمة حرب وفق اتفاقات جنيف.
سيناريوهات محتملة
ولم تعلن إسرائيل رسمياً عن قرار شامل لطرد حملة الجنسية الأردنية من الضفة، لكن هناك إجراءات تضييق منذ أعوام، على سبيل المثال سحب إقامات فلسطينيين من القدس إذا كانوا يحملون جنسيات أخرى بما في ذلك جواز السفر الأردني، وتشديد العبور على الجسور للأردنيين من أصل فلسطيني.
لكن القلق الأردني المشروع من دخول نصف مليون شخص، بما يقارب أربعة ونصف في المئة إلى عدد السكان الكلي، يرتب آثاراً سياسية واقتصادية وديموغرافية.
ووفق مراقبين، فإنه في حال تنفيذ خطة تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية فإن الأردن أمام سيناريوهات عدة، من بينها المواجهة الدبلوماسية والسياسية والتحرك في المحافل الدولية استناداً إلى اتفاق "وادي عربة"، الذي يمنع أي تغيير في الوضع السكاني للضفة الغربية من دون موافقة الأردن.
ويستند الأردن أيضاً إلى التواصل مع الدول العربية والغربية لدعم موقفه، فضلاً عن استغلال التحركات الشعبية والبرلمانية والاحتجاجات الشعبية وتنظيم مسيرات ووقفات احتجاجية في مختلف المدن الأردنية، إضافة إلى تحرك برلماني متوقع يرافقه تعزيز الإجراءات الأمنية على الحدود مع الضفة الغربية لمواجهة أية تداعيات محتملة.
أربعة احتمالات
يجيب المحلل السياسي حسين الرواشدة عن سؤال، كيف تفكر إسرائيل تجاه الأردن خلال المرحلة المقبلة؟ بالقول إن تصريحات معظم مسؤولي اليمين المتطرف، والواقع القائم في الضفة الفلسطينية، يشير بوضوح إلى أن محاولة تصفية القضية الفلسطينية ربما تكون على حساب الأردن، وهذا ليس قدراً لا يمكن رده، ولكنه مخطط في سياق مشروع كبير يستهدف المنطقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكنه خلال الوقت ذاته يتحدث عن ثلاثة احتمالات واردة، هي سعي إسرائيل لاختراق الجبهة الداخلية الأردنية من خلال افتعال أزمات اقتصادية واجتماعية لخلق حال من الفوضى وعدم الاستقرار، واستغلال صراعات الهوية لإضعاف اللحمة الوطنية وتكسير صورة الدولة الأردنية في أعين الداخل والخارج، مما يسهل فرض تنازلات سياسية عليها.
والاحتمال الثاني وفق الرواشدة، هو "تصريف الفلسطينيين إلى الأردن مع استمرار سياسة الضم في الضفة الغربية، وفرض التوطين لإلغاء فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، وعلى رغم المواقف الأردنية الرافضة فإن هناك مخاوف من محاولات فرض الأمر الواقع".
وبموجب الاحتمال الثالث قد يُعاد طرح أفكار سياسية مرفوضة أردنياً مثل إحياء فكرة الكونفيدرالية بين الأردن والضفة الغربية، فضلاً عن مقايضة الوصاية الهاشمية على القدس واستخدام الملف كأداة للمساومة في مفاوضات سياسية، وفق الرواشدة.
من هم أردنيو الضفة؟
الأردنيون من أبناء الضفة الغربية هم السكان الفلسطينيون الذين عاشوا في الضفة خلال فترة وحدة الضفتين منذ "مؤتمر أريحا" (1948) وحتى حرب عام 1967.
بعد قرار وحدة الضفتين عام 1950، أصبحت الضفة الغربية جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية رسمياً ومُنح سكانها الجنسية الأردنية الكاملة، وأصبحوا يمثلون في البرلمان الأردني وتولوا مناصب وزارية وإدارية، وشاركوا في الحياة السياسية والاقتصادية للمملكة.
على إثر الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967، بقي عدد من سكانها محتفظين بالجنسية الأردنية، بينما استمر الأردن في تقديم خدمات مثل التعليم والصحة والوظائف.
وبعد قرار فك الارتباط (1988) الذي أعلنه الملك الحسين، أُوقفت المطالب الأردنية بالضفة الغربية لمصلحة منظمة التحرير الفلسطينية، وجرت مراجعة الوضع القانوني لعدد من سكان الضفة.
مع ذلك، ما زال جزء كبير من فلسطينيي الضفة يحمل جوازات سفر أردنية (موقتة أو دائمة)، ويمنح الفلسطينيون في الضفة الغربية جوازات أردنية مدتها خمسة أعوام لأغراض السفر فحسب، من دون أن تمنحهم الجنسية أو حق الإقامة في الأردن.
ووفقاً لتقديرات شبه رسمية، فإن عدد حاملي الرقم الوطني الأردني داخل الضفة الغربية يتجاوز نصف مليون شخص، أما عدد الحاصلين على جواز سفر أردني دون رقم وطني (أي موقت) فيبلغ نحو 116 ألف شخص.
ضفة بلا سلطة
يؤكد المحلل العسكري والاستراتيجي نضال أبو زيد أن التطورات المتعلقة بالضفة الغربية لم تعد محصورة في بعدها الأمني التقليدي، مشيراً إلى قرار "الكابينت" ضم أجزاء من الضفة الغربية وفرض السيادة عليها ضمن مساحة شاسعة يراوح نطاق خياراتها بين 30 في المئة كخطوة أولى، والـ60 في المئة الممتدة في المنطقة "ج".
ويوضح أبو زيد أن تصويت الكنيست أخيراً على إلغاء مصطلح "الضفة الغربية" واعتماد تسمية "يهودا والسامرة" ليس إجراء صورياً، بل خطوة تنسجم مع الخطاب اليميني الذي يقوده وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي يهدف إلى "إعادة تشكيل الديموغرافيا"،م ما يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي الأردني، ويترجم أطماعاً إسرائيلية ذات طابع ديني وسياسي يتجاوز حدود فلسطين التاريخية ليطاول الأردن، بحيث يُوضع بين فكي "كماشة" جغرافية وأمنية.
ويعبر المحلل السياسي ماهر أبو طير عن قلق الأردن من سيناريو الضفة الغربية بلا سلطة فلسطينية وارتدادات ذلك على المملكة، فيقول إن تفكيك سلطة أوسلو يجري يومياً من إعلان فرض السيادة على الضفة مروراً بالمقتلة اليومية داخل الضفة الغربية، وصولاً إلى منع القيادة الفلسطينية من المشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة وتجميد تأشيرات رموز السلطة ومنعهم من دخول الولايات المتحدة، فضلاً عن التجفيف المالي ومشاريع إعلان مدن فلسطينية كدويلات معزولة وحدها.
ويضيف "الأردن منذ اتفاق أوسلو يدعم السلطة ويطالب بحل الدولتين، لكنه اليوم أمام سيناريو إسرائيلي لا سلطة فيه ستبقى ولا دولة فلسطينية أيضاً، بل إن التهديد يشمل الأردن استراتيجياً على صعيد خطط التهجير، أو محاولة توسعة حدود إسرائيل الحالية من خلال الاحتلال البري وقبله بث الفوضى".
ويعد أبو طير أن الفراغ السياسي والأمني والعسكري والدبلوماسي القادم داخل الضفة الغربية خطر ويفتح الباب لكل الاحتمالات، متسائلاً "ما الذي سيفعله الأردن في هذه الحال الحساسة؟".