ملخص
أعلنت الحكومة الأردنية عن التوسع في البنية التحتية للغاز، ففي أغسطس (آب) الماضي افتتحت أول محطة مستقلة لتعبئة الغاز الطبيعي المضغوط في منطقة الموقر، كمقدمة للبنى التحتية التي تمهد لانتشار أوسع للغاز في قطاع النق
لا يمل الأردنيون من محاولات البحث عن أية حلول اقتصادية في مواجهة جنون أسعار الوقود والكهرباء، ومع التوجه نحو الطاقة النظيفة والاستدامة، جاءت فكرة تحويل السيارات إلى العمل بالغاز، بخاصة مع فاتورة محروقات متضخمة تلتهم نحو نصف رواتب الأردنيين شهرياً.
وعلى رغم محدودية تطبيق الفكرة حتى الآن، فإن من شأنها تقليل الكلفة على جيب المواطن لنحو نصف ما يُنفق على الوقود التقليدي، فضلاً عن الحد من التلوث البيئي وتقليل الانبعاثات الضارة من المركبات.
لكن هذه الخطة الجريئة لا تخلو، وفق مراقبين، من تحديات وعقبات كمحدودية محطات التعبئة وأخطار السلامة وكلف التحويل الأولية. فهل يصبح الغاز اليوم الملاذ الاقتصادي والبيئي أمام الأردنيين؟
توسع حكومي
في موازاة ذلك أعلنت الحكومة الأردنية عن التوسع في البنية التحتية للغاز، ففي أغسطس (آب) الماضي افتتحت أول محطة مستقلة لتعبئة الغاز الطبيعي المضغوط في منطقة الموقر، كمقدمة للبنى التحتية التي تمهد لانتشار أوسع للغاز في قطاع النقل.
وتتميز المحطة بطاقة استيعابية تصل إلى 1500 لتر وتحوي مضختين حديثتين قادرتين على إعادة التعبئة خلال سبع إلى 11 دقيقة للسيارات الكبيرة وتلتزم أقصى معايير الأمان، فيما تخطط الحكومة لإنشاء ثلاث محطات إضافية خلال الأشهر المقبلة، فضلاً عن محطات متنقلة لتغطية الحاجة في المناطق النائية.
وإضافة إلى ذلك تهدف الحكومة الأردنية إلى رفع إنتاج الغاز من حقل الريشة إلى 418 مليون قدم مكعبة يومياً بحلول عام 2030، كما يجري التفاوض مع شركات أجنبية لاستيراد أطقم تحويلية متطورة، فضلاً عن توسعة شبكة التحويل والاستيراد محلياً.
وتبرر الحكومة توجهها نحو الغاز بحزمة من الإجراءات التي تستهدف تعزيز أمن التزود بالطاقة وتفادي الانعكاسات السلبية للاضطرابات الإقليمية والدولية التي تؤثر في الأسواق، بخاصة أن الأردن يستورد كامل حاجاته النفطية من الخارج بالأسعار العالمية، بحيث تقدر فاتورة استيراد الطاقة بأكثر من 4 مليارات دولار سنوياً.
وتتوقع وزارة الطاقة والثروة المعدنية أن يبلغ عدد المركبات المحولة إلى العمل بالغاز الطبيعي حتى عام 2025 نحو 10 آلاف مركبة، مما يعكس التوجه المتزايد نحو استخدام الغاز كوقود بديل.
ويؤكد رئيس هيئة تنظيم الطاقة والمعادن زياد السعايدة أنه وبعد إصدار التشريعات الخاصة بمحطات الغاز، ستفتتح محطات غاز لتعبئة المركبات التي تعمل بالغاز قريباً، إضافة إلى سن ضوابط على تحويل المركبات من بنزين وديزل إلى غاز.
ويوضح السعايدة أن استخدام الغاز بديلاً عن الديزل يحقق وفراً بنحو 50 في المئة ضمن قطاعي النقل والصناعة، مشيراً إلى أن قانون الغاز يمر الآن بمراحل تشريعية تمهيداً لإصداره.
توفير بنسبة 50 في المئة
ينتج الأردن كميات متواضعة من الغاز في منطقة الريشة شرق البلاد، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن كلفة تشغيل السيارة بالغاز تقل بنسبة تقارب 50 في المئة مقارنة بالبنزين أو الديزل.
وتفيد الأرقام المتداولة بأن الغاز الطبيعي هو البديل الأكثر جدوى اقتصادياً مقارنة بالبنزين والديزل، فعلى سبيل المثال سعر البنزين في الأردن يصل إلى نحو 0.85 دينار (1.2 دولار) للتر، والديزل إلى 0.675 دينار (0.95 دولار) للتر، في حين يباع الغاز الطبيعي للسيارات بمتوسط سبعة دنانير (9.8 دولار) لكل 12.5 كيلوغرام، مما يجعله خياراً موفراً بصورة واضحة.
وبالنظر إلى الاستخدام اليومي، يقدر خبراء حجم التوفير لسيارات التاكسي (الأجرة) على سبيل المثال سنوياً في حال استخدام الغاز بدلاً من الوقود بما يزيد على 4 آلاف دولار سنوياً، وهو وفر يعول عليه كثرٌ من الطبقة الوسطى وأصحاب المهن الذين يعتمدون على السيارات في حياتهم اليومية، بما ينعكس إنفاقاً على حاجات أساسية أخرى.
مخاوف
لكن ثمة من يطرح تساؤلات ومخاوف عن البنية التحتية وأخطار السلامة العامة، إذ إن عدد محطات تعبئة الغاز المتوقعة محدودة مقارنة بمحطات الوقود التقليدية.
ووفق سائقين فإنهم سيضطرون إلى الانتقال مسافات طويلة لتعبئة سياراتهم، مما يشكل عبئاً إضافياً، بينما تظل السلامة هاجساً أساساً لدى المواطنين، وعلى رغم أن الجهات المختصة تؤكد أن التحويل يتم وفق معايير معتمدة، فإن الحوادث الفردية تبقي المخاوف حاضرة.
ويعتبر الغاز الطبيعي خياراً صديقاً للبيئة مقارنة بالبنزين والديزل، فالدراسات تشير إلى أن حرق الغاز تنتج منه انبعاثات أقل بنسبة تصل إلى 30 في المئة من ثاني أكسيد الكربون مقارنة بالبنزين، بينما تتراجع انبعاثات أكسيد الكبريت والمواد الدقيقة إلى حدود شبه معدومة.
وينعكس هذا الأثر المباشر بصورة واضحة على المدن الأردنية الكبرى مثل عمان والزرقاء، حيث تشهد شوارعها كثافة مرورية عالية وحركة يومية كثيفة من سيارات الأجرة والحافلات الصغيرة، ولا سيما خلال ساعات الذروة التي يزيد فيها عدد السيارات على 2 مليون سيارة.
وعلى رغم فوائده الاقتصادية والبيئية، يبقى استخدام الغاز في السيارات مرتبطاً بجملة من المخاوف كاحتمال تسريب الغاز أو انفجار الأسطوانات، إضافة إلى كلفة التحويل من البنزين إلى الغاز التي يرى متخصصون أنها مرتفعة، إذ تراوح ما بين 700 و1000 دولار بحسب نوع السيارة وسعة محركها.
ليس ترفاً
"لم يعُد الأمر ترفاً، بل ضرورة بيئية واقتصادية"، بهذا الشعار تنوي الحكومة الأردنية إطلاق حوافز ضريبية أو قروض ميسرة لتحويل السيارات إلى العمل بالغاز وإنشاء محطات تعبئة تجريبية في عمان والزرقاء وإربد والتركيز على سيارات الأجرة والحافلات لأنها الأكثر استهلاكاً للوقود.
فيما تقول شركة "المناصير" وهي إحدى الشركات الأردنية المزودة بالغاز أن عدد الشاحنات لديها التي تعمل بالغاز يبلغ نحو 16 شاحنة، وهناك خطة لإنشاء مراكز للصيانة وتحويل الشاحنات إلى العمل على الغاز، ويضيف القائمون على الشركة أن الشاحنات تسير بالغاز مسافة 650 كيلومتراً في كل تزود.
وتقول المتحدثة باسم هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن تحرير القاق إن الحكومة تسعى إلى تعزيز موضوع الطاقة النظيفة والمستدامة وتوفير طرق وسبل أقل كلفة في التنقل، وأيضاً أن تكون الانبعاثات الكربونية أقل ما يمكن.
وتضيف "نعمل حالياً في الأردن على وضع الأطر التنظيمية والتشريعات النهائية التي تتيح تزويد المركبات بالغاز الطبيعي، بعد دراسات موسعة واستشارات مع خبراء محليين ودوليين، والاطلاع على تجارب ناجحة في دول مثل مصر وتركيا، والهدف هو تمكين المواطنين من خيار نقل أكثر استدامة وأقل كلفة".
وتشير القاق إلى أن المرحلة الأولى تشمل إصدار التصاريح لممارسة النشاط، سواء بإنشاء محطات غاز مستقلة أو دمج الخدمة داخل محطات الوقود القائمة، كما تتضمن الخطة توفير إمكان تحويل المركبات العاملة بالبنزين والديزل إلى العمل بالغاز، إضافة إلى طرح سيارات جديدة مصممة مسبقاً لهذه الغاية.
قرار متأخر ولكن
من جهته يشير خبير الطاقة هاشم عقل إلى أن الأردن تأخر في هذا الملف مقارنة بالدول المجاورة، حيث تعمل ستة في المئة فقط من سيارات العالم بالغاز، لكن الفرصة اليوم سانحة لتعويض ذلك، بخاصة مع توافر بنية تحتية لمحطات الوقود (أكثر من 700 محطة في الأردن) يمكن استغلالها للتوسع في الخدمة، وإذا ما توافرت الحوافز الحكومية والانتشار الجغرافي لمحطات الغاز، فسيكون بمقدور المواطنين الاعتماد على الغاز الطبيعي كخيار عملي واقتصادي وبيئي في آن واحد.
ويضيف عقل أن "في بعض الدول مثل مصر وتركيا تتم عملية تحويل السيارات خلال نحو أربع ساعات فقط وبكلفة تراوح ما بين 1000 و1500 دينار (من 1410 إلى 2116 دولاراً)، غير أن هذه الكلف والأسعار تعتمد على سياسات التسعير التي ستقر محلياً، مما سيحدد مدى الجدوى الاقتصادية للتحويل في السوق الأردنية، فضلاً عن ضرورة انتشار محطات التزويد بالغاز في مختلف مناطق المملكة لضمان وصول الخدمة إلى المواطنين بسهولة، بخاصة مع وجود نحو 730 محطة محروقات يمكن تهيئتها لتقديم هذه الخدمة مع الوقود التقليدي".
ويؤكد عقل أن ثمة تحديات تقنية في عملية التحويل، إذ يجب أن تكون كفاءة المحرك أكثر من 70 في المئة قبل التحويل، كما أن هناك قيوداً على بعض المركبات القديمة العاملة بمحركات الديزل لا يمكن تحويلها بسهولة.