ملخص
تتبنى الأردن مقاربة تقوم على المرونة التكتيكية في التعامل مع الإسلاميين، كخيار وقائي يحول دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. فبينما حظرت الحكومة جماعة الإخوان المسلمين، أبقت، في المقابل، على حزب "جبهة العمل الإسلامي" ككيان قانوني شرعي، في خطوة تعكس إدراكاً لأهمية وجود صمام أمان سياسي داخل اللعبة الحزبية، يمنع انتقال الإسلاميين إلى العمل السري.
مع تصاعد الخطاب الإسرائيلي تجاه الأردن، تجد عمان نفسها أمام تحد يتمثل بالعمل على حماية أمنها الوطني، وفي الوقت نفسه ترتيب البيت الداخلي لمواجهة أي هزات سياسية محتملة.
وفي السياق تعول جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، على استغلال التهديدات الإسرائيلية وصولاً إلى تهدئة مدروسة مع السلطات تحت عنوان عريض مفاده "تحصين الجبهة الداخلية".
فبعد أسبوع فقط من تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول رؤية "إسرائيل الكبرى"، والتلويح باحتلال أراض أردنية، خرج وزير الاتصالات الإسرائيلي شلومو كرعي بتصريحات جديدة تستهدف السيادة الأردنية بقوله "ضفتا نهر الأردن: هذه لنا وتلك لنا أيضاً".
مؤشرات
ويشير مسار الإفراجات القضائية المحدودة في حق عدد من المعتقلين الإسلاميين في الأيام الماضية، والفصل بين الجماعة المحظورة وحزب "جبهة العمل الإسلامي" القانوني الذراع السياسية لها، إلى سعي الدولة لإدارة ملف "الإخوان" بطريقة مختلفة عن التصعيد الذي شهدته الأشهر أو الأسابيع الماضية، حرصاً على تمتين الجبهة الداخلية في مواجهة أي استفزاز أو خطر خارجي.
وسارع الإسلاميون، بدورهم، عبر حزب "جبهة العمل الإسلامي" إلى الانتظام في خطاب مواز لخطاب الدولة الأردنية تجاه إسرائيل، فدانوا تصريحات نتنياهو، وأثنوا بصورة لافتة على توجيهات ولي العهد الأردني الحسين بن عبدالله الثاني بإعادة التجنيد الإلزامي.
وعد مراقبون أن سلوك الإسلاميين محاولة غزل بالحكومة، على أمل أن يؤدي المزاج العام في البلاد، والمشحون تماماً ضد إسرائيل، والتهديدات الخارجية، إلى حلحلة قضية الجماعة المحظورة.
وكان أفرج، في يوليو (تموز)، عن معاذ الخوالدة (المتحدث السابق باسم الجماعة) وسبق ذلك إخلاء سبيل نائب برلماني من "جبهة العمل الإسلامي" بكفالة، كما لاحظ مراقبون تجنب الدولة استهداف حزب "جبهة العمل الإسلامي"، بصورة مباشرة، لإبقاء الباب مفتوحاً أمام أي تفاهمات عملية مشروطة كضبط خطاب الحزب وانفصاله تنظيمياً عن الجماعة. كما تم الإفراج عن ثلاثة في الأقل من قياديي "الإخوان المسلمين" الذين تم توقيفهم قبل نحو ثلاثة أشهر.
وعلى رغم أن الإفراجات الأخيرة عن قيادات إسلامية كانت محدودة النطاق، لكنها تحمل إشارات نزع فتيل جزئي وتغليب إجراءات القضاء على المواجهة المفتوحة، من دون الوصول، بالطبع، إلى تسوية شاملة.
رسائل واضحة
خلال الأسابيع الماضية، عمد بعض قيادات الحزب وواجهاته الإعلامية إلى توجيه رسائل واضحة تدعو إلى فتح صفحة جديدة، وتعزيز الوحدة الوطنية، والإفراج عن معتقلي الرأي، مع تأكيد الالتزام بالقوانين والإطار الحزبي الرسمي في النشاط العام.
ويستمر موقع الحزب الرسمي في نشر بيانات سياسية احتجاجية ضمن حدود الإطار القانوني، مما يعكس حرص الجبهة على الحفاظ على شرعيتها السياسية، وفصل نشاطها عن الجماعة المحظورة تنظيمياً.
ويقول مراقبون، إن الحكومة الأردنية تتصرف بمرونة تكتيكية تسمح لها بمخارج محسوبة إذا التزم الحزب بالفصل التنظيمي والاشتراطات القانونية، ومعالجة بعض الملفات قضائياً بعيداً من التصعيد السياسي. ووفق هؤلاء فإن وجود تمثيل نيابي للجبهة يجعل أي تصعيد شامل محفوف الأخطار سياسياً واجتماعياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كلفة الاستقطاب الداخلي
وعد محللون أن الاستهداف الإسرائيلي للأردن من شأنه أن يعزز التماسك الوطني في مواجهة ضغوط الخارج. كما أن خطاب اليمين الإسرائيلي يستدعي شد النسيج الداخلي، كما أن كل جولة تصعيد أو تهديد إسرائيلي أوسع، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، قد تنتج ارتدادات شعبية وإعلامية في الأردن، ومن مصلحة الدولة أن تبقي بعض القنوات لتصريف الضغط بحده الأدنى.
ورجحت مصادر أن الدولة الأردنية تسعى إلى إنهاء التنظيم المحظور مع إبقاء الحزب ضمن أطر القانون في توازن يصعب على خصوم الأردن الخارجيين استثمار التوتر الأهلي. وأضافت المصادر" ثمة سعي لتعزيز الفصل المؤسسي بين الجماعة المحظورة ككيان تنظيمي، بينما يبقى الحزب إطاراً سياسياً أردنياً خاضعاً لقانون الأحزاب، مما يمنح الدولة شريكاً رسمياً في إدارة التعبير المعارض، ويمنح الحزب غطاء شرعياً داخلياً، ويقطع الطريق على الاتهامات بوجود إقصاء شامل".
تسوية محدودة
وأكدت المصادر أن الحكومة قد تسمح بتسوية محدودة مع الإسلاميين، وغير معلنة، سعياً منها لإدارة الغضب الشعبي، على قاعدة أن وجود معارضة يوفر صمام أمان لطرق التعبير في الشارع، ويقطع الطريق على فرص الاستثمار الخارجي في الانقسام. وفي السياق ذاته، فإن أي تحول في السلوك الإسرائيلي من خطاب استفزازي إلى خطوات ميدانية تمس الحدود أو الوصاية الهاشمية قد يدفع الشارع إلى موجات احتجاج تتجاوز قدرة الحكومة على ضبطها. ولاحظ مراقبون أن لغة الخارجية الأردنية والقصر والحكومة عند كل استفزاز إسرائيلي جديد، يتسم بسرعة الرد، وقوة اللهجة، والإشارة إلى التماسك الداخلي، في حين يعمد حزب جبهة العمل الإسلامي إلى ممارسة أدائه ضمن قواعد اللعبة السياسية والفصل المؤسسي بينه وبين الجماعة، مع إشارات إلى تقارب في المواقف الوطنية ومخاطبة الأردنيين بأنهم "شركاء في الدم" للدفاع عن الوطن ومواجهة التهديدات الخارجية، بما في ذلك مشروع "إسرائيل الكبرى".
انقسام نخبوي
يشار إلى أن الحكومة الأردنية أعلنت في أبريل (نيسان) 2025 حظر أنشطة جماعة الإخوان المسلمين واعتبارها "جمعية غير مشروعة"، مع الشروع بإجراءات حل ومصادرة موجوداتها وفق أحكام قضائية ذات صلة.
وفي مايو (أيار) 2025 دعت الحكومة الأردنيين، ممن لديهم أموال أو أصول عائدة للجماعة المنحلة، إلى مراجعة لجنة المصادرة خلال مهلة شهر لتسوية الأوضاع. ولاحقاً اتهمت السلطات الأردنية جماعة الإخوان المسلمين بجمع أموال بصورة غير شرعية، من خلال التبرعات والاشتراكات الشهرية لأعضائها، مما أدى إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضدها. لكن تصريحات منسوبة لرئيس مجلس الأعيان ورئيس الحكومة السابق فيصل الفايز تظهر أن ثمة انقساماً نخبوياً لا يزال قائماً حيال التعاطي مع ملف "الإخوان" على رغم التهديدات الخارجية. وقال الفايز إن عملية السابع من أكتوبر (تشرين الأول) في قطاع غزة لم تحضر إلا الدمار، وإن "الربيع العربي" لم يأت إلا بالخراب، واصفاً الإخوان المسلمين بأن لديهم مشكلة في ملف الولاء الوطني للنظام.
كما دعا الوزير السابق ممدوح العبادي إلى مصالحات داخلية للتفرغ "لمواجهة أي عدوان إسرائيلي حتمي يستهدف الأردن".
كذلك، دخل الأمير الحسن بن طلال عم العاهل الأردني، على الخط بدعوته إلى تجاوز الانقسامات وتعزيز الهوية لمواجهة تحديات المنطقة.
وتتبنى الأردن مقاربة تقوم على المرونة التكتيكية في التعامل مع الإسلاميين، كخيار وقائي يحول دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. فبينما حظرت الحكومة جماعة الإخوان المسلمين، أبقت، في المقابل، على حزب "جبهة العمل الإسلامي" ككيان قانوني شرعي، في خطوة تعكس إدراكاً لأهمية وجود صمام أمان سياسي داخل اللعبة الحزبية، يمنع انتقال الإسلاميين إلى العمل السري.
في المقابل، حرصت الدولة على ضبط الخطاب الإسلامي من دون قمع كامل، وسمحت للحزب بإصدار بيانات احتجاجية ضد إسرائيل ضمن الأطر القانونية، وهنا يظهر القاسم المشترك في مواجهة إسرائيل، إذ تستثمر عمان التهديدات الإسرائيلية باعتبارها لحظة مناسبة لتقريب الخطاب الرسمي والإسلامي، وتعزيز فكرة "الجبهة الداخلية الموحدة".
مقاربة محسوبة
يؤكد المحلل السياسي حسين الرواشدة أن الأمن الوطني الأردني يجب أن يعاد تعريفه بصورة أوسع ليشمل ليس فقط مواجهة التهديد الإسرائيلي، بل أيضاً الاستقرار الداخلي والأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتحالفات الإقليمية والدولية وقدرة الدولة على ضبط الملفات الداخلية، بما في ذلك استراتيجية الدولة الأردنية في التعامل مع الإسلاميين، بخاصة حزب "جبهة العمل الإسلامي" والجماعة المحظورة، ضمن مرونة تكتيكية محسوبة لضمان أن تكون الجبهة الداخلية موحدة في مواجهة أي استفزاز خارجي.
الرواشدة يشدد على أن حماية الأردن تتطلب أن يكون المواطنون رديفاً للدولة لا عبئاً عليها، وأن تكون إدارة الملفات الداخلية مرتبة ومدروسة قبل الانشغال بالتحديات الإقليمية، مما يجعل أي مقاربة للتفاهم أو التسوية مع الإسلاميين جزءاً من خطة شاملة للحفاظ على الأمن الوطني وتحصين الدولة أمام الأخطار الخارجية.
تجميد خلافات
أما المتخصص الأمني عمر الرداد فيقول إن السياقات العامة تشير إلى افتراضات بإمكان تقارب بصيغة ما بين الحكومة الأردنية و"الإخوان المسلمين"، بما في ذلك "تجميد" الخلافات، بمرجعية مواجهة التصعيد الإسرائيلي، إلا أنه من المستبعد أن تذهب الحكومة لصيغة تسوية محدودة أو موقتة مع الإخوان.
يضيف الرداد "عند تحليل علاقة الحكومة الأردنية مع الحركة الإسلامية لا بد من التمييز بين ’جماعة الإخوان‘ المحظورة، وذراعها السياسية المرخصة ممثلة بحزب ’جبهة العمل الإسلامي‘ الممثل في البرلمان، الذي يواجه أعضاء منه تهماً لدى القضاء بممارسة أعمال إرهابية، قد تصل أحكامها لحل الحزب".
ويعتقد الرداد أن معالجة ملف "الإخوان المسلمين" و"حزب الجبهة" في هذه المرحلة، بمرجعيات قضائية وأمنية، ستقلل من احتمالات عقد تسويات مهما كان نوعها، بخاصة أن "جماعة الإخوان" وذراعها واصلا التصعيد وتحدي الدولة منذ قرار الحظر والتفكيك، ثم إن هناك شكوكاً في جدية الحركة الإسلامية بالعمل ضد مشاريع إسرائيلية، إلا في إطار مناكفة الدولة الأردنية وإثبات خطأ سياساتها.