ملخص
إعلامي أميركي خالط نخبة أثرياء التكنولوجيا الأميركية ورصد لديها انتشار ثقافة "أبوكاليبسية" تشدد على اتخاذ سبل نجاة فردانية خالية من البعد الاجتماعي، تتجسد في موجة تراوح ما بين بناء مخابئ محصنة تسمى "ملاجئ يوم القيامة" وتستفيد منها حفنة صغيرة من شركات بناء متخصصة فيها، وإجراءات من نوع تحميل الوعي والعقل في "ميتافيرس" العالم السيبراني، أو تجميد الأجساد في برودة فائقة، أو الارتحال في الفضاء.
حينما حضر دوغلاس راشكوف للمرة الأولى للمشاركة في ذلك المؤتمر الصحراوي المخصص لأصحاب الثروات الطائلة، ظن أن الأمر يتعلق بنقاشات عن مستقبل الإنسانية.
وبوصفه منظراً بارزاً عن الإعلام العام ارتكز مساره المهني على كتاباته عن ثقافة العالم السيبراني والتكنولوجيا، اعتاد راشكوف تقديم خطابات ترسم الصورة الكبيرة لتلك الأمور وتتناول الفلسفة والمجتمع. وفي المقابل، سرعان ما اتضح له هذه المرة أن الحضور ليسوا مهتمين بمستقبل الإنسانية، بل بمصيرهم وحدهم. ويتملكهم قلق وتوتر عميقين حيال ذلك.
يقول: "في البداية كانوا يطرحون أسئلة تتعلق بالاستثمار، مثل: ’بيتكوين‘ أم ’إيثريوم‘؟ الواقع الافتراضي أم الواقع المعزز؟ من هذا القبيل. ثم سأل أحدهم: ألاسكا أم نيوزيلندا؟ وعندها أدركت الاتجاه الذي يريدون الذهاب إليه".
ما كانوا يسألون عنه، بالعفوية نفسها التي طرحوا بها أسئلة حول محافظهم الرقمية، هو: أين يجب أن يبنوا ملاجئهم؟
وتراوح هذه الملاجئ ما بين تلك التي تجعلك تشعر وكأنك بروس واين [شخصية رجل الوطواط] في كهف الوطواط، وملاجئ يمكن الوصول إليها عبر دفع خزانة مطبخ جانباً للكشف عن فتحة هروب سرية - بل حتى أماكن اختباء مزودة بأبواب صغيرة للكلاب، لضمان دخول الحيوان الأليف المحبوب إلى الملجأ في الوقت نفسه مع باقي أفراد الأسرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومنذئذ، اعتاد راشكوف على تطوير تعامله مع تلك الذهنية التي تتمحور حول مليارديرات تتملكهم "بارانويا" قوامها أن "الحادثة" آتية لا محالة، سواء تخيلوها على صورة جائحة أشد فتكاً من "كوفيد"، أو حرب نووية أو انتفاضة ضد الأثرياء أو غير ذلك من التفاصيل. وإن ما لا يتغير لديهم يتمثل في تصميمهم على النجاة من تلك "الحادثة".
وفي سياق شرحه لتلك الـ"بارانويا" المتصاعدة الانتشار في أوساط الفائقي الثراء، يورد راشكوف أنهم "يخلفون وراءهم سلسلة طويلة من الأزمات ويريدون النجاة قبل أن تطاولهم".
وعقب ذلك اللقاء في المنتجع الصحراوي، انتهى الأمر براشكوف إلى كتابة مؤلف كامل عن تلك الظاهرة صدر عام 2022 بعنوان "بقاء الأغنى: أوهام الهروب لدى مليارديرات التكنولوجيا" Survival of the Richest: Escape Fantasies of the Tech Billionaires، 2022). ويحاول خلاله أن يشرح كيف وصلنا إلى هذه المرحلة - ولماذا تصعب مجادلة هذا العقل المهووس بالاستعداد لنهاية العالم.
ووفق راشكوف، ما لم يفهمه أبداً أولئك الذين يشيدون ملاجئ حصينة فائقة الضخامة يتمثل في أن "التأهب الناجح [لمواجهة الكوارث الضخمة] يتطلب العمل كفريق رياضي. للنجاة والبقاء، يجب أن ينجوا جيرانك أيضاً. وإن لم يحصل ذلك، فسيشرعون في ضرب باب حصنك، ويخرجونك منه، ثم يقتلونك على كل حال".
بالطبع، باستطاعتك تكديس الأسلحة مع عقد الأمل على أنها ستكفي لإخضاع الغوغاء لبعض الوقت. لكنك، في نهاية المطاف، ستحتاج إلى فريق من الحراس الأمنيين أو المجتمع من حولك.
ويقول راشكوف إنه طرح ما يُعرف بـ "الحلول الاجتماعية الإيجابية" على غرار إرساء علاقات إيجابية مع بقية البشرية، والعمل لتحقيق الخير العميم، لكن هذا الجمهور لا يقتنع بها.
ويورد راشكوف، "كثيراً ما رفضوا الحلول الاجتماعية. وعلى غرار [رئيسة الوزراء البريطانية السابقة] مارغريت تاتشر، لا يؤمنون بوجود ’مجتمع‘. إن فهمهم للنجاح يتصف بالفردية، وبأن الفائز يحصد كل شيء. وبالنسبة إليهم، يمثل الحل الاجتماعي تسوية وضعفاً. مهمتك ليست بناء المجتمع بل الاستيطان".
ملك الملاجئ الفائقة الضخامة
في الخيال الأميركي، يصار إلى تصور الدمار الشامل الكوارثي باعتباره حادثة مشتركة. وحينما ترتسم صور أفق فيه غيوم تتخذ هيئة نبتة الفطر [مجاز شائع عن التفجير النووي]، فمعنى ذلك أنك تمسك بأولادك، وربما التقطت مرطبان دراق، وتنضم إلى الجيران في السير داخل نفق معتم للوصول إلى ملجأ في الحي، وتبقى فيه إلى أن يصبح من الآمن أن تتنفس في الخارج بأمان. ولا تزال اللافتات الصفراء الصغيرة التي تعلن عن وجود ملاجئ في بعض مباني الإسكان المدعوم والمستشفيات وأقبية مدارس مانهاتن، مشهداً مألوفاً وشاهداً على هذا الاعتقاد السابق.
أما اليوم، فإن مشهد نهاية العالم أكثر عزلة وأكثر انتقائية وأعلى كلفة بكثير. فإذا كنت قادراً مادياً، فإن البقاء لا يعني التكدس مع الغرباء، بل يأتي مع أقفال بيومترية وسينما تحت الأرض وقبو نبيذ مكيف.
وفي أنحاء الولايات المتحدة، ظهرت سوق عقارية موازية تحت السطح. إنها تلبي حاجات زبائن مقتنعين – بسبب الجوائح أو السياسة أو الهواجس الشخصية – بأن الأمان يمكن شراؤه بالمتر المربع.
ففي ريف كانساس، جرى تحويل صومعة صواريخ خارج الخدمة إلى مشروع شقة النجاة Survival Condo Project، حيث يتيح مبلغ 3 ملايين دولار شراء شقة جاهزة مغلفة بتسعة أقدام (3 أمتار تقريباً) من الخرسانة المسلحة ("الاستثمار الملموس للغاية: إحم عائلتك بتقنيات معيشية استثنائية للبقاء على قيد الحياة!").
وفي نيوزيلندا، يتقدم مليارديرات "وادي السيليكون" – المقتنعون بأن هذه الدولة المعزولة ستكون واحدة من القلائل التي ستنجو مما يطلقون عليه بلهجة قاتمة "الحادثة" – بطلبات للحصول على تصاريح لتركيب ملاجئ فاخرة تحت حقول الأغنام بهدوء.
وفي بلدة "بلانو" بولاية تكساس، يمكنك أن توكل إلى مهندس معماري تصميم غرفة ذعر [غرفة أمان] مع إخفائها تحت هيئة خزانة في الجدار.
ويصل المطاف إلى شركة "أطلس سرفايفال شلترز" Atlas Survival Shelters التي يديرها رون هوبارد الذي لا يعرف المستحيل. يصف هوبارد شركته بأنها "أمازون الملاجئ" لأنه يصنع كثيراً منها، بدءاً من الملاجئ الصغيرة التي تشبه الأنفاق بسعر 20 ألف دولار – وهي شائعة في إسرائيل فضلاً عن "الغرف الآمنة" المعززة للاستخدام داخل المباني السكنية أثناء الهجمات الصاروخية – وصولاً إلى الملاجئ تحت الأرض التي تحوي ميادين رماية داخلية وصالات سينما وأنظمة أوكسجين داخلية محكمة الإغلاق قادرة على توفير هواء مفلتر لمدة 30 يوماً.
لقد بنى ملاجئ لمؤثرين مثيرين للجدل مثل أندرو وتريستان تايت اللذين يواجهان تهم اغتصاب والاتجار بالبشر في المملكة المتحدة – وكذلك لمستر بيست.
كما جرى توظيفه لتصميم ملجأ مارك زوكربيرغ في هاواي (ويقول إنه وقع اتفاق عدم إفصاح، لكنه غير قلق في شأن خرقه بعد ستة أعوام لأنه يريد "توضيح الأمور" بعد سيل من الإشاعات الإعلامية التي تحدثت عن أن كلفة الملجأ تجاوزت 50 مليون دولار).
وظهر هوبارد في برنامج "تابع أخبار آل كارديشان" Keeping Up With The Kardashians. ويملك بنفسه مخبأ شيده خلال بضعة أيام حينما أسند إليه دور البطولة في عرض آخر لتلفزيون الواقع حمل اسم "المتجهزين ليوم القيامة" Doomsday Preppers.
بعد بنائه حتى الآن لآلاف الملاجئ المحصنة المتوزعة في أرجاء العالم، يفيد هوبارد بأنه لاحظ نمطاً معيناً بين زبائنه. ويقول إن "قرابة 100 في المئة من زبائني، تحديداً 99 في المئة منهم، هم مسيحيون إيمانهم قوي. ويندر أن أتلقى دعوة [لبناء منشأة محصنة] أو عرضاً لبيع ملجأ من شخص ما يكون، بحسب ما أظنه، ربما من اليسار أو يساري أو من الحزب الديمقراطي. ويبدو أن هؤلاء لا يشترون مخابئ محصنة".
ويعتقد هوبارد بأنه يعرف السبب. ويوضح أن "من يشترون ملاجئ يعتقدون بأنهم سيتولون أمر أنفسهم بأنفسهم، ولن يعتمدوا على الحكومة. أعتقد بأن اليساريين أو مؤيدي الحزب الديمقراطي لا يشترون ملاجئ حصينة لأنهم يظنون أن الحكومة ستأتي لمساعدتهم حينما سيحتاجون إليها".
وبحسب هوبارد فإن ذلك التفكير هو خطأ. ويضيف "سيدركون خطأهم عندما تطلق علينا روسيا 500 صاروخ نووي، لن يتوافر لنا ما يكفي من البشر أو المصادر للتعامل مع 500 مدينة تحت القصف". ويتساءل كيف يمكن لأي شخص توقع ذلك بصورة عقلانية، فيما يظهر التاريخ الحديث أن الحكومة الفيدرالية بالكاد تملك القدرة على مساعدة "مدينة واحدة ضربها إعصار أو عاصفة مدارية؟".
وعلى رغم تفاخره بأنه يستطيع بناء ملجأ حصين بأي مبلغ يرصد له، فإن هوبارد يقر بأن الشطر الأعظم من زبائنه أشخاص وافري الثراء، خصوصاً مليارديرات التكنولوجيا. بالتالي، فقد تحصلت لديه رؤية عن جانب منهم قلما يظهر للآخرين.
وبحسب كلماته، "يجب على الناس الوثوق بثلاثة أو أربعة أشخاص في حياتهم. يجب عليهم الوثوق بقسيس كنيستهم باعتباره قائدهم الروحي. والوثوق بطبيبهم كي يحافظ على حسن حالهم. ويولي كثيرٌ من الناس ثقتهم إلى محامٍ كي يخرجهم من المشكلات. وبعد ذلك، يجب عليهم أن يثقوا بي كي أبني ملجأ محصناً يحمي حياة عائلاتهم.
بالتالي، يفصح الناس لي عن أشياء شخصية جداً. وأرى جوانب فيهم تغيب عن معظم الناس، ما عدا الأطباء والمحامين والوعاظ، بحسب ما تعرف. ويرجع ذلك إلى أنهم يتركون عجرفتهم على الباب، ثم يأتون إليّ حاملين تواضعهم".
ويصل الحديث إلى زوكربيرغ الذي تروج إشاعات عن امتلاكه ملجأ محصناً هائل الضخامة يناسب "نهاية العالم". ويبدي هوبارد رغبته في تحطيم تلك الإشاعات. ويوضح، "تبلغ مساحة مخبئه قرابة ألفي قدم مربع (قرابة 190 متراً مربعاً). لا يكلف 53 مليون دولار. إذا حالفه الحظ، فستصل الكلفة إلى مليوني دولار". (لقد قبض هوبارد أقل من مليون دولار لإنجاز التصميم والأعمال الهندسية. وأجريت بقية أعمال التشييد بمواد محلية التي يفيد بأنه اقترحها بوصفها الخيار اللوجستي الأكثر منطقية، حتى إن كان ذلك يعني أنه "أضاع على نفسه صفقة بقيمة مليوني دولار").
ولا يسمى حتى رسمياً ملجأ في مخططات البناء، مضيفاً "الخطط تسميه ملجأ للعواصف".
وفي المقابل، قد لا يتعدى أمر ذلك التمييز عن مجرد المصطلح الدلالي. وفي أذونات البناء، من الصعب الحصول على تصريح بشيء ما يسمي نفسه مخبأً محصناً. وبالفعل، ثمة أمكنة كثيرة لا يوجد فيها إطلاقاً أي تصنيف يضم فئة المخابئ المحصنة. وثمة أمكنة معنزلة ونائية في الولايات المتحدة كجزيرة هاواي باتت مقصداً شائعاً لمن يتجهزون للكوارث الماحقة ويبحثون عن أمكنة يلوذون بها في حال اندلاع حرب أو انتشار مرض معدٍ. بالتالي، صارت تلك الأمكنة خياراً حكيماً ينصح به للمليارديرات ممن يأملون في تشييد ملاذات للنجاة في أراضيها.
وفي أغسطس (آب) عام 2022، رفض "مجلس بحيرات كوينستون" بصورة واضحة طلب بيتر ثيل تشييد مخبأ يشبه الملجأ المحصن الواسع في الجزيرة الجنوبية من نيوزيلندا، بسبب مخاوف بيئية. [يعتبر بيتر ثيل من كبار رواد المعلوماتية والاتصالات، وقد أسس شركة "باي بال" للمعاملات المالية، إضافة إلى كيانات أخرى].
وفي بولينيزا الفرنسية، بذل "السعاة إلى الترسخ في البحار"، وهم من أصحاب الأعمال في "وادي السيليكون" الأميركي، جهوداً بهدف استخدام مصادر تلك البلاد في بناء مدينة متروبولية عائمة على مقربة من الشواطئ الوطنية لتلك الجزيرة. وفشلت تلك المساعي عقب احتجاجات محلية دانت أولئك المؤسسين بالكولونيالية الجديدة.
في المقابل، لا يشكل المخبئ المحصن بالنسبة إلى بعض الناس تعبيراً مادياً عن "بارانويا" لديهم، بمقدار أنه رمز عن وضعيتهم وعلو مكانتهم. فكر مثلاً بالأخوين تايت اللذين ناقشا في الفترة الأخيرة، عبر الـ"سوشيال ميديا" والـ"بودكاست"، خططهم المتعلقة ببناء ملجأ محصن تتولاه شركة "أطلس سرفايفال شلترز".
ويورد هوبارد أنه أثناء إحدى تلك المقابلات ألقى تريستان تايت نكتة عن وضع عمود لرقصة التعري داخل مخبأ محصن فائق الضخامة، كي تتضمنه مخططات هوبارد للإنشاءات. وحينما رأى تايت تلك الأعمدة، ضحك وأخبر هوبارد أنه لم يكن إلا ممازحاً، "ولكن بدا الأمر وكأنه يقول: لا تزيل أعمدة رقص التعري. سنملأ المكان بالمعدات الرياضية".
ويفيد هوبارد أنه بالنسبة إلى بعض الناس، فإن امتلاك قصر تحت الأرض مع أسلحة مخزنة فيه وحديقة تصلح لزرع ما يحتاج إليه المرء يشبه امتلاك سيارة "فيراري". ولكن، في العادة، "لا ينفق حتى الأكثر ثراء في العالم، ملايين الدولارات في كل مرة. ولا ينفق كثرٌ منهم سوى نصف مليون دولار لكل ملجأ محصن".
ويضيف: "الملجأ الذي يكلف نصف مليون دولار مريح جداً. إنه كبير، يحوي ثماني إلى تسع غرف. فيه غرفتا نوم ومطبخ وحمام وغرفة طين وغرفة مولد كهرباء وغرفة إزالة التلوث وغرفة بطاريات".
أما الملياردير العادي، فيفضل امتلاك ملاجئ عدة كهذه - واحداً لكل عقار يملكه - بدلاً من ملجأ ضخم واحد لأنه إذا حدث شيء وأنت في نيويورك وكان الملجأ الوحيد لديك في لوس أنجليس، "فأنت لا تريد أن تفاجأ وأنت غير مستعد".
كل هذا العمل الذي قام به لمصلحة العملاء جعل هوبارد يرغب الآن في ترقية ملجأه الخاص لأنه مضى عليه أكثر من 10 أعوام، وهو يحب التحديثات التي أصبحت متاحة خلال السنوات الأخيرة. في الواقع، يفكر في بناء ملجأين لنفسه.
وكانت الأعمال هادئة لبضع سنوات قبل عام 2020، لكنها ازدهرت منذ ذلك الحين. في الوقت الحالي، يمتلك منشأة بمساحة 10 أفدنة في ولاية تكساس، تضم 50 ملجأ مصطفة مثل منازل العرض أو معرض سيارات فاخرة. وبحسب هوبارد، "ثمة شرارات [كتلك التي تصدر من أعمال تلحيم الحديد]، وهنالك عمليات طحن، وهناك ملاجئ في الخارج، وثمة شاحنات تدخل وتخرج. أعني، إن الأعمال تتنفس. وتستطيع الإحساس بتلك الطاقة".
وخلال حديثنا، توقف مرات عدة لتوقيع تسلم مواد من سائق شاحنة، أو للتحدث مع عامل، أو للرد على رسالة نصية عاجلة. لديه الآن مئات اللوحات الإعلانية في أنحاء الولاية ("إذا قدت سيارتك في تكساس، فسترى أننا لدينا لوحات إعلانية أكثر من تلك التي تحوزها محطات البنزين ’باكي‘ الشهيرة!").
وعلى بعد 15 دقيقة بالسيارة من مصنع هوبارد - حيث يجري حالياً تجميع 50 ملجأ بحسب الطلب، كما يضيف - هناك مشروع سكني يضم 86 منزلاً جديداً، ويقول: "وكل منزل يحوي ملجأ ضد القنابل بمساحة 1000 قدم مربعة [90 متراً مربعاً]".
وهذا مجرد البداية. ويقول هوبارد، "العام الماضي، شملت أعمالنا 38 بلداً. وفي العام الحالي، نعمل في 20 بلداً حتى الآن. وسأغادر الإثنين إلى زوريخ، وبعدها بولندا، ثم أذهب إلى سلوفينيا، وبعدها سلوفينيا ورومانيا وإسرائيل ودبي، ثم أعود لهنا. وسيجري ذلك كله ضمن رحلة قصيرة. وقبل أسبوعين، قصدت لندن. وذهبت إلى رومانيا، وزرت تسالونيكي في اليونان. وذهبت إلى قبرص وإسرائيل ثم الأردن، وبعدها دبي والهند ثم طوكيو، وعدت ثانية".
وهو الآن يعقد دورات تدريبية لتعليم الناس في الخارج كيفية إدارة فروع العمل عبر الأقمار الاصطناعية. ويأمل أن تنتهي الحرب في أوكرانيا، ولكن إن لم تنتهِ، فإنه يتوقع تصنيع وتوزيع مئات من ملاجئه الأرخص هناك خلال الأسابيع المقبلة.
وثمة شيء واضح بالنسبة إلى هوبارد، وهو أن أعماله تشهد ازدهاراً. ووفق كلماته، "ليس لدينا شيء في المخازن. يصنع كل شيء لتلبية الطلب. وفي الوقت الحاضر، إن المصنع ممتلئ، وهنالك قائمة انتظار". ويملك هوبارد قناة على "يوتيوب" تحظى بنجاح فائق، مع مليوني متابع، وقد أسهمت في نشر آرائه. وفي المقابل، يأتي معظم زبائنه من أوساط الأثرياء والمشاهير بأكثر من المتأثرين العاديين بما ينشر عن نهاية العالم. ووفق هوبارد، باتت المخابئ المحصنة "شديدة الانتشار في العالم ضمن أوساط النخب الدولية. ويرجع ذلك إلى رغبتهم في الحصول على تأمين في حال انهيار العالم بالفعل".
رمز لعلية القوم قد ينقذ حياتك
بالنسبة إلى من يفتقدون إلى مساحة تكفي لاستضافة ملجأ محصن ضخم، هنالك خيار آخر. ويدير الزوجان جون وإيفا هاريس شركة "فورتيفايد إستيتس" Fortified Estates التي تعمل على إعادة تجميل غرف في منازل الناس كي تصبح ملاذات آمنة في حالات الخطر.
يقول جون: "أصبح هذا الأمر أكثر شيوعاً لدى الأشخاص الذين قد لا يكونون فاحشي الثراء، لكنهم من الطبقة العليا اقتصادياً". غالباً ما يعيش عملاؤهم في مدن تكون فيها منازلهم الفاخرة قريبة من مناطق سكنية منخفضة الدخل مثل نيويورك ولوس أنجليس وشيكاغو، أو، في غالب الأحيان، فلوريدا. هؤلاء لا يبحثون عن ملجأ من نهاية العالم، بل عن مكان يمكنهم الاحتماء فيه موقتاً في حال حدوث عملية سطو منسقة.
وقبل كل شيء، يريدون أن تكون هذه المساحة سرية وسهلة الوصول: بعض الناس يجعلون غرف نومهم هي غرف الذعر [تسمية معتمدة للغرف الآمنة] التي يمكن إغلاقها باستخدام الخرسانة والألياف الزجاجية المقاومة للرصاص، مع ماسح بصمة على باب يبدو عادياً وغير لافت للنظر.
تقول إيفا: "الأمر بالتأكيد يستحق الاستثمار." فالزوجان لديهما غرفة ذعر متطورة في منزلهما بولاية تكساس. وتضيف: "أعتقد بأن هناك ثقافة هنا في الولايات المتحدة تتجه نحو تولي مسؤولية الأمن بصورة شخصية". بعض الناس، كما تقول، يعيشون في ولايات تنتشر فيها الأسلحة، لكنهم يفضلون عدم الاحتفاظ بها في منازلهم لأن لديهم أطفالاً صغاراً. والحل الأمني المناسب في هذه الحالة هو غرفة محصنة وسط المنزل.
ولأسباب واضحة، فإن الأشخاص الذين يلجأون إلى جون وإيفا لبناء ملاجئ صغيرة أو غرف آمنة لا يريدون أن يعرف أحد كيفية الوصول إليها - حتى جون وإيفا أنفسهم. أحياناً، كما يقول جون، يضطرون إلى توقيع اتفاقات عدم إفشاء، وأحياناً أخرى يتعاملون مع وسطاء ولا يعرفون من هم العملاء الحقيقيون.
وفي مصنع "فورتيفايد إستيتس"، يجري تجميع نوافذ وأبواب ثم ترسل إلى أعتاب المنازل، ويتولى متعاقدون تثبيتها في دواخل البيوت. ويجرب بعض الناس تصغير عدد المتعاقدين الذين قد يتولون ذلك الأمر. وبضحكة ساخرة، تورد إيفا أن "الأمور لم تعُد كسوالف الأزمنة أيام الأهرامات التي يدفن مهندسوها داخلها بعد إنجاز المشروع. وبطبيعة الحال، نحاول تفادي ذلك. لكن أحياناً يطرح السؤال: كيف نبقي عدد الأشخاص الذين يعرفون عن المشروع في أدنى حد ممكن؟".
وبالنسبة إلى المشاريع الأكثر سرية، هناك خيارات عدة. فعلى سبيل المثال، مفاتيح القفل في الباب الآمن تأتي مباشرة من الشركة المصنعة في عبوة مقاومة للعبث، ولا يمكن نسخها إلا شخصياً، في إيطاليا، من قبل الشركة المصنعة، وبمعلومات تعريفية من صاحب المنزل.
واستنبط آل هاريس بعض المهن الابتكارية على غرار أبواب لا تفتح إلا بلحن معين يعزف على الغيتار، وغرف مخبأة خلف مكتبات منزلية، إضافة إلى أشياء أكثر انكشافاً ومباشرة. ويعرف آل هاريس أن أناساً كثراً ممن يوكلون إليهم أمر غرفهم المحصنة، يفعلون ذلك مع أخذ منزلتهم الرفيعة في الاعتبار. ويرى جون أن "الأمر يشبه سيارات السباق المترفة أو اقتناء ساعة فاخرة، لكنه ينقذ حياتك كذلك".
العيش والموت في الكون الموازي
لقد لاحظ الإعلامي دوغلاس راشكوف أن مليارديرات التكنولوجيا ممن بنوا لأنفسهم مخابئ حصينة ضخمة، انتقلوا خلال العام الماضي إلى الاهتمام بشيء آخر يتمثل في الذكاء الاصطناعي.
ويرى راشكوف أنهم باتوا متأكدين بصورة مطّردة، من قدرتهم على "تحميل وعيهم على سحابات رقمية. ويؤمنون بأن هذه التكنولوجيا ستظهر قبل مماتهم. بالتالي، فبدلاً من الهرب إلى مكان جديد قد يكون جزيرة ما، سيكتفون بأن يتركوا هذا البعد [الحياة على الأرض] بأكمله".
وقد يبدو ذلك مفاجئاً، خصوصاً أن كثيراً من نخبة التكنولوجيا هم في أربعينياتهم أو أكثر من ذلك، في الوقت الحاضر. ويسجل لمارك زوكربيرغ أنه في عنفوان نسبي مع عمر الـ41، فيما يبلغ المدير التنفيذي لـ"غوغل" سوندار بيشاي 53 سنة، وإيلون ماسك 54 سنة، وجيف بيزوس 61 سنة. وعلى رغم أن كثراً منهم يروجون عن أنفسهم الاهتمام ببناء مستقبل يغدو فيه ممكناً صنع نموذج محاكاة افتراضية متقنة على الدماغ والوعي بأكمله، فإنهم ليسوا بالضرورة في حال تؤهلهم تحقيق ذلك.
على سبيل المثال، مشروع "نيورالينك" التابع لماسك الذي يعتمد على إدخال رقائق في أدمغة البشر عبر إجراء جراحي خطر، لم يحقق تقدماً كبيراً خلال الأعوام الأخيرة. وهناك بدائل غير جراحية يجري تطويرها حالياً يتوقع أن تتفوق عليه.
ويروي راشكوف أنه منذ شروعه في إجراء لقاءات مع مليارديرات التكنولوجيا بصورة منتظمة، "فوجئت بمستوى الذكاء لديهم"، وليس بالمعنى الإيجابي. ويضيف، "لم يكُن أي ممن قابلتهم مبرمجين فعليين ولا مبتكرين حقيقيين ولا مهندسين فعليين. بالأحرى، لم يكُن معظمهم سوى أقران لمهندسين حقيقيين، وأكثر قدرة على بيع التكنولوجيا والترويج لها أو تأسيس أعمال وشركات. وقد حازوا القدرة على التفكير بالرأسمالية ثم الاستفادة من ذلك". ويرغب أولئك النفر من الناس في تحويل الحياة إلى لعبة إلكترونية، مع وضع استراتيجية كي يشقوا بها طريقهم في المجتمع والتطور.
ويضيف راشكوف، "فوجئت بأن تفكيرهم يجري على المدى القصير، وبأنهم لا يستطيعون فهم الأنظمة أو التأثيرات الجانبية. وينحصر مدى التقدم في فهمهم للمستقبل بما يظهر ضمن حلقة تقليدية من مسلسل "الأموات السائرون" The Walking Dead".
وحينما يطرح على راشكوف سؤال عن تصميم المخبأ الحصين الضخم الخاص به، يأتي رده الواضح "أفكر بكوكبنا كله بوصفه ملاذاً حصيناً هائل الضخامة. ويمتلك غلافه الجوي ونباتاته ومياهه وأشياء مشابهة أخرى. إنها كل ما قد نحتاج إليه في حال الدمار الشامل الـ’أبوكاليبسي‘ الطابع. بالتالي، بدلاً من تخيل كيفية الاختباء وإقفال الباب أمام العالم الحقيقي، أعتقد بأنه من الأسهل بكثير النهوض بمهمة جعل العالم مكاناً لا نحتاج فيه إلى الاختباء والانعزال". ويقر بأن ذلك يحتاج إلى تعاون بين نخب العالم كله. ولا يجزم الرأي حول مدى إمكان تحقق ذلك.
وبحسب راشكوف، "لقد مر بعض الأثرياء ممن أعرفهم بتجربة واحدة أثرت في نفسياتهم وبدلتهم بصورة حاسمة، فباتوا من المتحمسين للنشاط من أجل المناخ أو الاقتصاد التجديدي. وفي المقابل، هرع بعضهم الآخر إلى تبني نية النجاة بجلودهم بصورة فردية، ورمي البشرية خلف ظهورهم. وسواء تبنوا هذا الخيار أو ذاك، تبقى الحقيقة نفسها متمثلة في أنهم لا يستطيعون بالفعل شراء طريق النجاة في حال حدوث دمار كارثي شامل. وببساطة، لا تنسجم نفسية العداء للمجتمع مع التطور".
دفن الرأس في الرمل، حرفياً
إن التلاقي بين تأصل عدم الاستقرار في الجغرافيا السياسية وثقافة الفردية المتضخمة وانعدام المساواة المتطرف، أوصل إلى تعافٍ في سوق بناء المخابئ الحصينة الضخمة وبحوث تحميل الوعي على سحب المعلوماتية وتجدد الاهتمام بالتثليج الفائق البرودة للأجساد والسفر في الفضاء. واللغة المحيطة بتلك الجهود لا تتضمن "الخوف" أو "الحصار" على الإطلاق، بل تحوي عبارات "راحة العقل" و"المرونة" و"الحصانة حيال المستقبل". وفي الشطر الأعظم من السيناريوهات المتخيلة، يكون الآخرون من البشر هم الأعداء أو أنهم يمثلون الضربة الثقيلة التي لا تبقي إلا على قلة محظوظة من النجاة.
بالتالي، تفضي تلك المشهدية النفسية إلى إطلاق دائرة مغلقة لا تهدأ، بمعنى أنه كلما صب مزيد من المصادر في القلاع الخاصة بفائقي الثراء، تتدنى حوافزهم في تدعيم المطواعية الاجتماعية [بمعنى القدرة على امتصاص الضربات واستيعابها وإيجاد استجابة ملائمة لها].
وفي حال الكارثة، سيسعى الآخرون كلهم إلى الاستفادة من بقايا البنية التحتية المفتقرة إلى التمويل والتي تواجه تقاطراً كبيراً عليها.
وفي أفضل احتمال، لن تظهر الحاجة إلى ملجأ. وفي حال حدوث الأسوأ، سيشكل المخبأ الحصين قارب نجاة يكفي بالكاد لك ولمقربيك، كي ينأوا عن الدمار. ولكن، حينما تتيه في بحر مائج مفتوح، ستكون الخطوات التالية مبهمة وغامضة. وعقب "الحادثة"، قد لا تعني نقودك أي شيء على الإطلاق. فما سيحصل حينئذ؟
من المقاولين المتكتمين الذين يركبون أبواباً خفية في غرف نوم المنازل الحجرية البنية، إلى الشركات التي تنقل ملاجئ جاهزة كاملة عبر القارات، هناك سلسلة إمداد كاملة مكرسة لضمان أن العالم يمكن أن ينهار من دون أن تتعطل خطط عشاء بعض المليارديرات. والسؤال هو: هل هذه التحصينات حقاً من أجل البقاء، أم أنها مجرد استعراض للبقاء؟ تعبير معماري يجمع بين الامتياز والـ"بارانويا".
ويقول راشكوف: "الذكاء الاصطناعي تكراري، أي إنه دائري، مثل حلقة التغذية الراجعة. لذا هناك احتمال أن يتمكن قادة هذه الصناعات من النظر في المرآة عبر الذكاء الاصطناعي، ورؤية انعكاساتهم، واختبار الاشمئزاز نفسه الذي نشعر به نحن".
هناك بعض الأمل في أن تدفع الدوافع الخيرية لمليارديرات مثل بيل غيتس وبيزوس الذي يسعى "صندوق الأرض" التابع له إلى إيجاد حلول للتغير المناخي - العالم في اتجاه أفضل. لكن اهتمامهم بالبحث عن بدائل للحياة خارج كوكبنا لا يعطي بالضرورة سبباً للتفاؤل.
فعلياً، البقاء والنجاة بعد طاعون أو حرب عالمية أو كارثة بيئية مدمرة ليسا بالبساطة التي توحي بها فكرة شراء ملجأ. فأضخم أبواب الخزائن لا يمكنها عزل الأثر الطويل للأزمات: الأنظمة المترابطة والروابط الاجتماعية والبنية التحتية العامة التي تجعل الحياة ممكنة. ومع ذلك، فإن مجرد وجود هذه القلاع الخاصة يشير إلى اتساع الفجوة في طريقة تخيل طبقات المجتمع المختلفة للمستقبل. فبالنسبة إلى الأثرياء جداً، يختزل الأمان في منتج فردي مسعّر، مصمم خصيصاً كجزء من أسلوب حياة مترف. أما بالنسبة إلى الجميع، فيظل جماعياً وموقتاً.
وبحسب راشكوف، "أفضل التفكير في كوكبنا كله بوصفه ملاذاً حصيناً هائل الضخامة. ويمتلك غلافه الجوي ونباتاته ومياهه وأشياء مشابهة أخرى. إنها كل ما قد نحتاج إليه في حال الدمار الشامل الـ’أبوكاليبسي‘ الطابع".
ويعرف راشكوف مدى الإغراء الكامن، خصوصاً بالنسبة إلى من لديهم كميات هائلة من المداخيل الموضوعة بتصرفهم، في فكرة تصميم قمرة نجاة للهرب من عالم تحوطه أحاسيس متواصلة عن عدم الاستقرار البيئي والسياسي والاقتصادي. وفي المقابل، هنالك حل ماثل أمام أعينهم، إذا اهتموا برؤيته. ويضيف راشكوف أنه حتى لو وضع مكانهم، فلن يشتري لنفسه مخبأ محصناً، بل "بدلاً من محاولة النأي عن العالم وصد الباب في وجهه، كنت سأتطلع إلى مهمة أسهل من ذلك بما لا يقاس: جعل العالم مكاناً لا يضطر أحد إلى الهروب منه".
© The Independent