Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الدين والحرب… زواج الدم والمقدس عبر العصور

من الحروب الصليبية إلى "عربات جدعون" وصولاً إلى الأقصى تتكرر القاعدة نفسها حين يمتزج المعتقد الديني بالأيديولوجيا يحول الحرب إلى معركة كونية لا تقبل التسوية ولا المساومة

الخطاب الديني والأيديولوجي لم يكن يوماً مجرد غطاء، بل محرك تعبئة شعبية، يمد الحروب بطاقة نفسية - رمزية هائلة (اندبندنت عربية)

ملخص

يتضح أن الخطاب الديني والأيديولوجي لم يكن يوماً مجرد غطاء، بل محرك تعبئة شعبية، يمد الحروب بطاقة نفسية - رمزية هائلة، ويحولها من نزاع سياسي قابل للتسوية إلى صراع وجودي لا يقبل المساومة. فالآيات والشعارات والخطب، حين تُستحضر في سياق تعبوي، تتحول من نصوص إيمانية إلى أدوات استراتيجية تضاعف الحماسة، وتغطي على الحسابات السياسية أو الاقتصادية خلف الحرب.

منذ بدايات التاريخ السياسي للبشرية أدى الدين دوراً مزدوجاً بين القوة للتماسك الروحي والاجتماعي، وفي الوقت نفسه أداة للتعبئة والحشد في لحظات الصراع. وارتبط الدين بالحرب ارتباطاً وثيقاً، ليس فقط كغطاء شرعي، بل كإطار تعبوي يعيد تعريف معنى التناحر.

الحروب الصليبية

فالمسيحية، وعلى رغم رسالتها الأولى التي ارتكزت على السلام والمحبة، تحولت في مراحل تاريخية معينة إلى مرجع تعبوي للحرب عبر استغلال الشعارات الدينية. وكان أبرز مثال على ذلك الحروب الصليبية (القرن 11 - 13)، ورفعت راياتها تحت شعار "إرادة الرب" في القرن الـ11، وهي الحملة الصليبية الأولى، والتي أطلقها البابا أوربان الثاني عام 1095 كدعوة إلى المسيحيين في أوروبا لتحرير القدس والأراضي المقدسة من أيدي المسلمين، وذلك عبر تعبئة عشرات الآلاف من المقاتلين من أوروبا نحو الشرق، إضافة إلى دوافع توسعية واقتصادية متعددة. وحين أطلق البابا أوربان الثاني الشعار لم يكن مجرد نداء عاطفي، بل أعاد تعريف الحرب كـ"حج مسلح"، منح المقاتلين وعوداً بالخلاص وغفران الخطايا، وجعل من سفك الدماء طريقاً إلى الجنة.

 

ولاحقاً، خلال صراعات أوروبا الداخلية، استخدمت الشعارات الدينية بكثافة. ففي حروب الإصلاح البروتستانتي (القرن 16 - 17)، اعتبرت كل جهة نفسها ممثلة للإرادة الإلهية، فالبروتستانت رفعوا شعار العودة إلى الإنجيل الصافي ضد "فساد روما"، فيما استخدم الكاثوليك شعارات الدفاع عن الكنيسة الجامعة ضد الهراطقة. وبهذا تحول الانقسام العقائدي إلى حروب دينية دامية غلفت بشعارات الخلاص والحقيقة الإيمانية.

وظهر "ما يعرف بالكنائس الإنجيلية، تلك الكنائس التي جاءت بتأويل جديد يفقد الكنيسة احتكارها النص وتفسيره وإقامتها الطقوس التي تحول من دون فهم النص وتفسيره، وخصوصاً عبر إصرارها على إبقائه باللغة اللاتينية، حتى تكون وحدها من يفسره ويفهمه، مما خلق صراعاً بين الكنيسة وخصومها على امتلاك الصراط المستقيم بين الدين الطقسي الكنسي أو الإيمان كديانة ضمير فردية"، وذلك وفقاً للكاتب والأكاديمي العراقي عامر عبدالزيد كاظم الوائلي، في كتابه "الاصلاح الديني قراءة المفهوم في التجربة المسيحية الغربية".

ذلك الانقسام كان السبب في اندلاع حرب الـ30 عاماً، وتحولت إلى حمام دم دولي شاركت فيه ما يقارب 20 دولة أوروبية، ودارت رحاها بين الكاثوليك والبروتستانت في الفترة من عام 1618 إلى عام 1648 في مختلف أرجاء أوروبا، وذهب ضحيتها أكثر من 12 مليون أوروبي، وانخفض عدد سكان دول مثل ألمانيا والتشيك.

وفي العصر الحديث، لم تغب الشعارات الدينية المسيحية عن الحروب الكبرى. فقد استخدمت الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية خطاب "رسالة التبشير" و"تمدين الشعوب الوثنية" لتبرير الغزو العسكري ونهب الموارد. ووفقاً لموقع "المستودع الدعوي الرقمي" تعد الإرساليات التبشيرية في أفريقيا جزءاً من الاستعمار الغربي لها، فقد كان لا ينفك أحدهما عن الآخر، وقد كانت أوغندا من المناطق التي شهدت توافداً كبيراً للمنصرين الكاثوليك والبروتستانت، وذلك طوال القرن الـ19، وقد كان معظمهم من البريطانيين الذي كانوا يمارسون أنشطتهم التنصيرية تحت الحماية البريطانية، على سبيل المثال لا الحصر.

تظهر هذه الأمثلة أن المسيحية، مثل غيرها من الديانات، لم تستثن من آلية تقديس الحرب، حيث يستدعى الإنجيل والرموز الدينية لإضفاء معنى سامٍ على العنف، وتقدم الحروب باعتبارها معارك أخلاقية أو تكليفاً إلهياً، حول الخصوم إلى "أعداء الله" ويجعل من المعركة صراعاً وجودياً لا يقبل التسوية.

 

الفتوحات الإسلامية

في التاريخ الإسلامي أدت الشعارات الدينية دوراً محورياً في حشد الجماهير وخوض الحروب. فمنذ صدر الإسلام، ارتبط القتال بمفهوم "الجهاد"، الذي حمل معنيين متوازيين، جهاد النفس وجهاد العدو، لكن مع توسع الدولة الإسلامية، تحول الشعار إلى أداة سياسية أيضاً، إذ وظف لتبرير الفتوحات باعتبارها "نشراً لرسالة الإسلام" وحماية للأمة الوليدة. ويقول عضو "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" التهامي جوهري عن ذلك، "الفتوحات الإسلامية لم تكن حروباً للهيمنة وتتبع الغنى والثروات بقدر ما كانت دعوة إلى دين جديد وإشاعة لمنهج جديد في الحياة لا تزال البشرية تتلمس آثاره في الواقع إلى اليوم، لذلك رأينا أن بعض البلاد الإسلامية فُتحت سِلماً، بواسطة قوافل التجارة والسياحة، وما كان من حروب إسلامية ضد بعض النظم السياسية إنما كان بسبب عداوات هذه الدول للإسلام والمسلمين، وإما لكونها كانت سبباً في حرمان الإنسان من تلقي هذه الرسالة الخاتمة، فوجب قتالها دفاعاً عن حرية الناس. لقد كانت الدولة الإسلامية مترامية الأطراف، وعلى رغم مركزيتها في نظام الخلافة، فإنه في الواقع الممارس كانت الولايات بمثابة الدول المستقلة، فبقيت الثقافات واللغات والعوائد في بلادها مقررة كأعراف جارية".

لكن التاريخ يشهد أنه مع اشتداد النزاعات الداخلية والخارجية، أصبحت الشعارات الدينية جزءاً من آلة الحرب. ففي "معركة صفين" بين جيش علي بن أبي طالب وجيش معاوية بن أبي سفيان، رُفعت المصاحف على أسنة الرماح، لتحويل ميزان المعركة من ساحة السيوف إلى ساحة المقدس، وإحراج الخصم أخلاقياً ودينياً. وهنا يظهر بوضوح كيف يتحول النص إلى أداة ضغط سياسي وعسكري.

في العصر الحديث لم يختلف الأمر كثيراً. فالحركات الإسلامية الإرهابية من "القاعدة" إلى "داعش" أعادت تدوير الشعارات نفسها، "الجهاد ضد الكفار"، و"الاستشهاد طريق الجنة"، و"تحرير القدس". 

وقد وظف التنظيمان الخطاب الديني بشكل منزوع من سياقه أو مجتزأ لإضفاء الشرعية على العنف، ما جعل الدين وسيلة لتعبئة الأتباع لا لفهم مقاصده الكاملة. كما اعتمدا على فتاوى من بعض الدعاة والمتشددين لتبرير عملياتهما، مثل فتوى "جواز قتل المدنيين الأميركيين" بدعوى أنهم "داعمون لحكوماتهم"، ما ساعد على تجنيد الشباب، فيما وظفت فكرة الشهادة بطريقة مشوهة، حيث جرى تسويق العمليات الانتحارية على أنها "أعلى مراتب الجهاد". تم ذلك عبر تصوير المنفذ على أنه "عريس في الجنة"، ما جعل كثيراً من الشباب يقبلون بالموت وهم يظنون أنهم في طريق النجاة الأخروية. 

وكذلك أنتجت "القاعدة" و"داعش" تسجيلات مرئية ومكتوبة مشبعة بالآيات والأحاديث، لتظهر أمام الأتباع كأنها امتداد لـ"السلف الصالح".  

الولايات المتحدة وشعار "نثق بالله"

الولايات المتحدة بدورها لم تكن بعيدة ومنذ تأسيسيها عن استعمال الدين في السياسة والحروب، فقد صمم قسم الولاء الذي وضع أصلاً عام 1892 لتعزيز الشعور بالوحدة الوطنية والوطنية. وتعد عبارة "نثق بالله" In God We Trust الشعار الرسمي للولايات المتحدة، وقد اعتمدها الكونغرس عام 1856، وهي عبارة مكتوبة أيضاً على الدولار العملة الرسمية للبلاد. وترجع أصول العبارة كشعار سياسي إلى الحرب الأهلية الأميركية، إذ أراد أنصار الاتحاد تأكيد ارتباطهم بالله ورفع الروح المعنوية للجنود. ولجأت الولايات المتحدة إلى لغة دينية في مواجهة الخصوم، وصورت أميركا كـ"أمة تحت الله" في مواجهة "الإلحاد الشيوعي".

وخضعت صياغة قسم الولاء الأولية لتعديلات عدة حتى أضيفت إليها عبارة "في ظل الله" (under God) في سياق الحرب الباردة، بهدف التمييز بين معتقدات الولايات المتحدة والأيديولوجية الإلحادية للاتحاد السوفياتي.

وأدرجت العبارة في يوم العلم، الـ14 من يونيو (حزيران) عام 1954، بعد ضغوط مكثفة من "فرسان كولومبوس"، وهي منظمة خدمات رجالية كاثوليكية رومانية، وعدد من رجال الدين، بمن فيهم القس جورج دوكرتي، القس المشيخي للرئيس دوايت أيزنهاور. وقد ردد القس آراء عديد من الأميركيين في ذروة الحرب الباردة عندما أكد أن التعهد الأميركي العلماني يمكن أن يكون بمثابة تعهد الاتحاد السوفياتي الملحد. وجادل القس حينها بضرورة تغيير التعهد ليعكس إيمان الأميركيين الطاغي بوجود كائن أسمى، على عكس انعدام إيمان الشيوعيين الملحدين، وذلك وفقاً لبحث على موقع شركة EBSCO، وهي من "الشركات الرائدة الأميركية في توفير قواعد بيانات الأبحاث وإدارة اشتراكات المجلات الإلكترونية والحزم الإلكترونية وتطوير مجموعات الكتب وإدارة الاستحواذ" وفقاً للموقع. وحولت هذه الإضافة القسم إلى مزيج من القسم الوطني والدعاء العلني، ما عكس النهضة الدينية في خمسينيات القرن الماضي.

وفي السياق يأتي خطاب الرئيس السابق جورج بوش الابن، في الأسابيع التي أعقبت هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) عام 2001 على نيويورك وواشنطن، حين قال للصحافيين "هذه الحملة الصليبية. هذه الحرب على الإرهاب ستستغرق فترة من الوقت"، مستحضراً ثنائية الخير والشر، بل واستعمل كلمة "حملة صليبية" في الأيام الأولى لغزو أفغانستان والعراق، بما يعكس توظيفاً مباشراً للمقدس في تبرير الحرب.

الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب بدوره كان على منصته "تروث سوشيال" صورة شخصية له مصحوبة بتعليق غامض يقول، "مرسل بمهمة من الله ولا شيء يمكن أن يوقف ما سيحدث"، مما فتح الباب أمام تساؤلات وتفسيرات عن مغزى كلامه بين مؤيديه ومعارضيه على حد سواء. وكثيراً ما نشر ترمب تدوينات بدلالات دينية على صفحاته بمواقع التواصل الاجتماعي كان منها صورة له بالزي الرسمي لبابا الفاتيكان بعد إعلان وفاة البابا فرانسيس، ومازح الصحافيين، حينها، قائلاً "أريد أن أصبح البابا الجديد". 

 

إسرائيل واستعمال الدين 

منذ تأسيسها، استخدمت إسرائيل الشعارات الدينية والتوراتية لإضفاء شرعية على حروبها وسياساتها التوسعية. فالدولة التي قدمت إلى العالم باعتبارها مشروعاً سياسياً علمانياً صهيونياً، ما لبثت أن أعادت توظيف الخطاب التوراتي لتبرير الحروب واحتلال الأراضي.

وقد شكَّل الأساس التوراتي لفكرة "أرض الميعاد" ركيزة لتبرير الاستيطان والحروب، إذ تقدم السيطرة على فلسطين التاريخية باعتبارها تنفيذاً لوعد إلهي قديم، لا مجرد مشروع قومي. وبذلك، يصبح الاحتلال العسكري استعادة لـ"حق مقدس" لا يقبل التفاوض.

ولم تكتفِ إسرائيل بخطاب قومي أو أمني لتبرير حروبها، بل أضافت إلى ذلك طبقة توراتية تحول الصراع إلى معركة مقدسة. وبذلك، يصبح الدم المسفوك والاحتلال والسيطرة العسكرية جزءاً من سردية "تحقيق الوعد الإلهي"، مما يضفي على الحرب شرعية مطلقة ويجعلها في نظر جمهور واسع داخل إسرائيل فريضة دينية بقدر ما هي ضرورة سياسية.

وفي مناسبات متعددة استحضرت رموز مثل "عربات جدعون" أو "السيوف الحديدية" لتصوير الجيش الإسرائيلي كامتداد لجيوش العهد القديم، المنتصرة بفضل التفويض الإلهي لا بفضل العدد والعدة. ويمنح هذا الخطاب الجيش بعداً رسالياً، ويحول المعركة إلى جزء من قصة توراتية متجددة.

من هنا يبرر القتال حول القدس أو في محيط الضفة الغربية بخطاب ديني واضح، أي الحفاظ على "جبل الهيكل"، أي هيكل الملك سليمان، أحد ملوك مملكة إسرائيل الموحدة، أو حماية أماكن توراتية يزعم أنها مرتبطة بالأنبياء. وهنا تتداخل الرمزية الدينية بالقرار العسكري، إذ يتحول الدفاع عن المستوطنات أو السيطرة على القدس الشرقية إلى تكليف ديني - قومي.

الصهيونية الدينية

ومع صعود تيار الصهيونية الدينية في العقود الأخيرة بات الربط بين الحرب والشعار التوراتي أكثر وضوحاً. فالمستوطنون والحاخامات القوميون يعلنون صراحة أن القتال ضد الفلسطينيين والعرب هو استمرار لحروب يشوع وداوود وجدعون، وأن الجيش الإسرائيلي أداة لتنفيذ مشيئة إلهية في التاريخ.

وخلال الحروب الكبرى (سنوات 1967، 1973، 1982، وحتى الحروب على غزة)، غالباً ما يستحضر الخطاب التوراتي في كلمات القادة ورجال الدين، إذ تقرأ المعركة كـ"اختبار إلهي" و"معركة بقاء لشعب الله المختار". ويوفر هذا الخطاب دافعية جماهيرية، ويمنح الحرب معنى يتجاوز السياسة إلى رسالة سماوية. وصولاً إلى تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المثيرة للجدال حين قال "إنني في مهمة تاريخية وروحانية ومرتبط عاطفياً برؤية إسرائيل الكبرى".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحروب الإسرائيلية والشعارات التوراتية

حرب الاستقلال 1948 أو "عملية يوآف"

وصفت بأنها تحقيق "الوعد الإلهي" بعودة اليهود إلى أرض الميعاد بعد الشتات. وربط الخطاب الديني قيام الدولة مباشرة بنبوءات توراتية عن "جمع المنفيين". وأطلق الجيش الإسرائيلي اسم "يوآف" على إحدى كبرى عملياته العسكرية في فلسطين، وهو اسم استمده من شخصية توراتية مهمة تدعى "يوآف بن صرويا"، وهو قائد جيش النبي داوود، المعروف بشجاعته وكفاءته العسكرية حسب السردية الصهيونية. ويربط اسم العملية العسكرية بـ"القوة والتاريخ البطولي لليهود"، ويضفي عليها شرعية دينية ووطنية، كما يحمل رسالة إلى الجنود والمجتمع الإسرائيلي، تفيد بأنهم "يمشون على خُطى قادة تاريخيين مقدسين"، مما يتوقع أن يرفع من منسوب الروح المعنوية ويقوي الإحساس بالانتماء.

حرب الأيام الستة 1967

الاسم مستوحى من "سفر التكوين" (الخلق في ستة أيام)، ليعطي إيحاء بأن النصر السريع معجزة إلهية. وقدمت السيطرة على القدس و"جبل الهيكل" كتحقيق لنبوءة توراتية، وأخذت الحرب بعداً مسيحانياً (في اليهودية، سيكون المسيح ملكاً يهودياً في المستقبل من سلالة داوود ومخلصاً للشعب اليهودي) عند تيارات الصهيونية الدينية.

"يوم الغفران" 1973

التسمية مرتبطة بأقدس أيام السنة في اليهودية، مما أعطى الحرب بعداً دينياً وجودياً. ورسخ الهجوم المفاجئ في يوم الصوم والصلاة فكرة أن اليهود في معركة "اختبار إلهي" شبيهة باختبارات العهد القديم.

عملية "سلامة الجليل" 1982

لم يكن اسمها توراتياً بصورة مباشرة، لكن في خطاب الحاخامات وصفت بأنها "حرب لتطهير الحدود" من الأعداء، على منوال معارك يشوع في أرض كنعان.

عملية "عمود السحاب" 2012

اسم العملية مستوحى من "سفر الخروج"، حيث ظهر "عمود السحاب" ليهدي بني إسرائيل في الصحراء. بحسب التوراة "كان الرب يسير أمامهم نهاراً في عامود سحاب ليهديهم في الطريق"، مما يحمل رمزية تسديد الله لشعبه وقيادته لهذه الحرب وحمايته لهم، بالتالي إضفاء الشرعية الكاملة عليها، ويبدو الربط واضحاً، إذ يصور الجيش الإسرائيلي كامتداد للحماية الإلهية في الخروج من مصر.    

عملية "حارس الأسوار" 2021

أطلق الجيش الإسرائيلي اسم "حارس الأسوار" خلال حربه على قطاع غزة في مايو (أيار) 2021، ويستمد الاسم دلالته الدينية من نبوءة أشعيا، الإصحاح (62:6) الذي ورد فيه بالحرف أن "على أسوارك يا أورشليم أقمت حراساً لا يسكتون كل النهار وكل الليل". وهو ربط مباشر بالقدس وأسوارها التوراتية، خصوصاً "سور صهيون". وقدم الخطاب المرافق للمعركة كـدفاع عن أورشليم المقدسة، لا كصراع عسكري فحسب.

"الأسد الصاعد"

خلال حرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران، أطلق على العملية اسم "الأسد الصاعد" والاسم مستوحى من التوراة، ومأخوذ من أحد نصوص العهد القديم، يتحدث عن "مستقبل مزدهر تنتصر فيه إسرائيل القوية"، وورد التعبير في "الإصحاح24:23 "، وجاء فيه "شعب كالأسد يقوم، وكالليث يشرئب، لا ينام حتى يأكل فريسته ومن دم ضحاياه يشرب". وللأسد مكانة رمزية في التعاليم التلمودية اليهودية، ففي نبوءة لبلعام بن باعوراء، وهو نبي وعرَّاف تنبأ بقوة إسرائيل وسلطانها، شبهها بأسد لا يهدأ حتى يشبع جوعه. وكان بنيامين نتنياهو وقبل يوم واحد من العملية، وضع ورقة مكتوبة بخط اليد في شق على حائط المبكى في القدس، قبل أن ينشر مكتبه لاحقاً صورة للورقة التي وضعها، وكتب عليها "سينتفض الشعب كالأسد".

"عربات جدعون"

في مطلع شهر مايو الماضي أقر "الكابينت" الإسرائيلي خطة عملية "عربات جدعون" بهدف تحقيق حسم عسكري وسياسي في قطاع غزة. ومعنى الاسم في العبرية "ميركافوت جدعون"، وتحمل دلالات دينية وتاريخية وعسكرية. وجدعون تعني المصارع، وهو شخصية توراتية ذكرت في سفر القضاة، حاربت المديانيين "الذين سلطهم الله على بني إسرائيل لشر أفعالهم، فأمر الله جدعون بتخليص بني إسرائيل، وطلب منه هدم مذبح بعل فثار عليه قومه، ولم يقف معه منهم سوى القليل".

تظهر هذه التسميات أن إسرائيل لا تكتفي بمفردات عسكرية تقنية، بل تستعير من المخزون التوراتي والرموز الدينية لتمنح الحرب شرعية لاهوتية في نظر جمهورها.

بهذا المعنى، تتحول الحرب الإسرائيلية من نزاع سياسي إلى استمرار مباشر لقصة التوراة، إذ الجيش يقدم كأداة لتنفيذ إرادة الله في التاريخ.

"حزب الله" ونموذج "الثورة الإيرانية"

منذ نشأته في مطلع الثمانينيات حرص "حزب الله" على أن يقدم معاركه ضمن إطار ديني، طقسي، متجاوزاً البعد العسكري البحت إلى بنية رمزية - لاهوتية تستند إلى المرجعية الإيرانية و"ولاية الفقيه". فقد ربط الحزب كل مواجهة مع إسرائيل، أو لاحقاً مع خصومه في سوريا والعراق واليمن، بثنائية دينية متجذرة، ككربلاء وما تمثله من رمزية الصراع بين الحق والباطل، المظلوم والظالم. بهذه المعادلة يتحول كل مقاتل إلى "حسيني" يواجه الظالمين، وكل معركة إلى امتداد لـ "واقعة الطف" عام 680، بمعنى أي حرب أو مواجهة يخوضها الشيعة، تقدم على أنها إعادة إنتاج لكربلاء.

إيران، بدورها، عمقت هذا الإطار عبر تصدير نموذج "الثورة الإيرانية" كحركة دينية - سياسية عابرة للحدود، مستندة إلى طقوس "عاشوراء" وشعائرها. فالهتاف المركزي "هيهات منا الذلة"، واللطميات والمواكب، لم تعد مجرد مظاهر وجدانية، بل أدوات تعبئة سياسية تستحضر البعد الديني لتبرير القتال في لبنان، ثم في سوريا والعراق واليمن. فالمقاتل يصور على أنه مدافع عن مقام السيدة زينب، أو حام للعتبات المقدسة، ليكتسب قتاله معنى يفوق الوطني أو القومي ويصبح واجباً شرعياً مقدساً. ويمنح هذا التوظيف للشعائر، الحرب، شرعية مضاعفة.

أولاً: شرعية عقائدية، إذ تتحول الطاعة للقيادة السياسية إلى طاعة لله عبر ولاية الفقيه.

ثانياً: شرعية وجدانية وجماهيرية، فالمجتمع يجد في طقوس العزاء واللطميات منصة لإعادة إنتاج الذاكرة الجماعية وربطها بدماء المقاتلين.

ثالثاً: شرعية استراتيجية، إذ يعاد تعريف الصراع الإقليمي بوصفه ليس فقط دفاعاً عن مصالح إيران، بل دفاع عن المستضعفين ومقدسات الإسلام الشيعي.

فيما لا يقف استغلال الشعائر الدينية عند البعد الرمزي في خطاب "حزب الله" وإيران، بل يتجسد عملياً في آليات ميدانية للتعبئة والتجنيد، بحيث تتحول الطقوس إلى أدوات سياسية مباشرة.

مواكب التشييع

تقام جنازات القتلى بصيغة أقرب إلى مسرحة عاشوراء، والأعلام السوداء، والرايات الحسينية، واللطميات، والأناشيد التي تعلن أن دم (الشهيد) امتداد لدم الحسين. يحول هذا الإطار الفقد الفردي إلى عزاء جماعي مقدس، ويخفف من وطأة الخسائر عبر إدخالها في سياق "التضحية الحسينية".

كما تستحضر الأناشيد العسكرية غير المحايدة شعارات دينية صريحة، كـ"لن تسبى زينب مرتين"، و"هيهات منا الذلة"، وبدورهم يربط الخطباء والقيادات الدينية كل مواجهة بمشهد كربلاء، إذ يقنع الجمهور أن الصراع ليس حول سياسة أو نفوذ، بل معركة بين الحق والباطل. وتُرفع الراية الصفراء للحزب جنباً إلى جنب مع رايات "يا حسين" و"يا زهراء"، في مشهد يذيب الفاصل بين الهوية السياسية والعقيدة الدينية. في سوريا مثلاً، وضعت سابقاً لافتات ضخمة عند مداخل أحياء كاملة تحمل صور الحسين والمهدي إلى جانب صور مقاتلي الحزب، لإظهار وحدة "المقدس والميداني".

تتحول هذه المناسبات إلى مهرجانات سياسية، وسابقاً لم يكن خطاب الأمين العام الراحل للحزب حسن نصرالله في عاشوراء مجرد وعظ ديني، بل إعلاناً سياسياً عن المرحلة المقبلة من الصراع. وكانت الحشود الضخمة تعطي صورة للعالم أن الحزب متجذر في بيئة شعبية ترى في طقوسها رافعة شرعية لـ"المقاومة".

حماية المقامات

خلال الحرب في سوريا رفع الحزب شعار "لبيك يا زينب"، وجسد استخدام الطقوس لحشد مقاتلين من لبنان والعراق وإيران وأفغانستان. ولم يكن الدفاع عن المقامات تفصيلاً عقائدياً فحسب، بل عنواناً استراتيجياً للتدخل الإيراني و"حزب الله" في المنطقة، ما أضفى بعداً مقدساً على حرب جيوسياسية. وكثيراً ما نجحت إيران و"حزب الله" في جعل الشعائر الحسينية أداة عملية لهندسة الحرب، إذ يتحول العزاء إلى تعبئة، وتتحول الرموز إلى رايات معركة، والأناشيد إلى أيديولوجيا قتالية. وبذلك يصبح القتال ليس خياراً سياسياً أو عسكرياً فحسب، بل طقساً دينياً متواصلاً، تعاد فيه صياغة الدم والذاكرة والهوية لخدمة مشروع سياسي إقليمي أوسع.

في المحصلة يتضح أن الخطاب الديني والأيديولوجي لم يكن يوماً مجرد غطاء، بل محرك تعبئة شعبية، يمد الحروب بطاقة نفسية - رمزية هائلة، ويحولها من نزاع سياسي قابل للتسوية إلى صراع وجودي لا يقبل المساومة. فالآيات والشعارات والخطب، حين تُستحضر في سياق تعبوي، تتحول من نصوص إيمانية إلى أدوات استراتيجية تضاعف الحماسة، وتغطي على الحسابات السياسية أو الاقتصادية خلف الحرب.

الأيديولوجيا، بدورها، لم تعمل بمعزل عن الدين، بل تماهت معه. فقد أضفت على النصوص الدينية طابعاً معاصراً، في الغرب المسيحي، صارت الحرب على العراق "معركة أخلاقية" ضد الشر، وفي الشرق الإسلامي، أصبح القتال ضد إسرائيل أو الاحتلال الأميركي "جهاداً مقدساً"، وبينهما تتكرر القاعدة نفسها، الدين يمنح الحرب معنى مطلقاً، والأيديولوجيا تمنحها خطة عمل في عملية لتعبئة الشعوب وتوجيهها نحو القتال.

إن هذا التزاوج بين الدين والأيديولوجيا هو ما منح الحروب عبر التاريخ طاقة تتجاوز الحسابات المادية البحتة، إذ يصبح القتال مسألة وجودية لا يمكن التنازل عنها أو تسويتها. ومن هنا نفهم كيف استطاع الدين أن يكون عبر القرون أداة مركزية في حشد الشعوب للانطلاق في الحروب، سواء كانت صليبية، أو جهادية، أو حتى قومية مغلفة بلغة مقدسة.

المزيد من تحقيقات ومطولات