ملخص
هناك من يرى أن القروض الصينية آلية جوهرية لتصدير رأس المال وفتح أسواق جديدة وضمان تدفق المواد الخام وفرض علاقات تبعية جديدة ضمن التقسيم العالمي الجديد.
حققت الصين تحولاً اقتصادياً هائلاً خلال أربعة عقود، فانتقلت من دولة زراعية فقيرة إلى قوة صناعية وتكنولوجية عظمى، تضم شركات رائدة في السيارات الكهربائية والتقنيات الرقمية، وأكبر شبكة سكك حديد عالية السرعة في العالم.
ولم يكُن هذا التحول وليد الانفتاح وحده، بل بني على أسس أرسيت منذ عهد الزعيم الصيني ماو تسي تونغ مثل إصلاح الأراضي والاستثمار في الصناعات الثقيلة والتعليم والصحة والبنية التحتية، وعلى رغم تجاوزات تلك المرحلة، فإنها مهدت الطريق لنهضة الإصلاح والانفتاح التي قادها دينغ شياو بينغ.
وبحسب دراسة للمنتدى الاقتصادي العالمي، تميزت الصين ببراغماتية سياسية واقتصادية، إذ تبنت نهج الإصلاح التدريجي وتجنبت "العلاج بالصدمة" الذي أضعف اقتصادات أوروبا الشرقية.
كيف جذبت الصين رأس المال والتكنولوجيا والخبرة؟
وجرى تحرير قطاعات خفيفة وأسواق تصدير، مع إبقاء الصناعات الاستراتيجية تحت إدارة الدولة، وكان نظام المسؤولية الأسرية في الزراعة مثالاً مبكراً عزز الإنتاج الغذائي ورفع ثقة المجتمع بالإصلاحات.
ووفق الدراسة، قامت المناطق الاقتصادية الخاصة مثل شنتشن بدور "مختبر" للتحول، إذ جذبت استثمارات أجنبية، ولا سيما من هونغ كونغ والشتات الصيني، وجلبت معها رأس المال والتكنولوجيا والخبرة، وساهمت الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية، المدعومة أحياناً بصفقات "موارد مقابل بناء"، في خفض الكلفة وتعزيز التكامل المحلي والدولي.
ولم يقتصر النجاح على القطاع الخاص، بل شمل إعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة وخصخصتها تدريجاً، مع الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وتوليد أسواق جديدة مثل العقارات، ومع التحضر السريع نشأت طبقة وسطى كبيرة ساعدت في توسيع السوق المحلية.
ومنذ منتصف التسعينيات ومع الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، اندمجت الصين بعمق في الاقتصاد العالمي، ودعمتها عوامل ثقافية مثل أخلاقيات العمل والتركيز على التعليم، إذ تضاعف عدد الجامعيين أكثر من ستة أضعاف بين عام 1995 وعام 2015، مما عزز القدرة التنافسية في التصنيع والخدمات.
الصين إلى صدارة الاقتصاد الرقمي
وخلال العقدين الأخيرين، قفزت الصين إلى صدارة الاقتصاد الرقمي بفضل شركات التكنولوجيا الكبرى والتوسع في التجارة الإلكترونية والمدفوعات عبر الهاتف المحمول، ووضعت الدولة أولويات واضحة للابتكار في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة المتجددة، مما عزز مكانتها التكنولوجية.
اليوم، تسعى الصين بقيادة شي جينبينغ إلى التركيز على "قوى إنتاجية نوعية جديدة" تجعل من الابتكار والنمو المستدام محركاً رئيساً، لكن التحديات قائمة، من التدهور البيئي وارتفاع كلفة العمالة إلى شيخوخة السكان.
ويبقى نجاح الصين في موازنة الاستقرار مع التجريب والابتكار العامل الحاسم في رسم مسارها المستقبلي، في وقت يراقب العالم تطورها عن كثب.
خلال حديث إلى "اندبندنت عربية"، قال متخصصون إن الصعود الصيني لا يمثل بديلاً اشتراكياً، بل هو نموذج لـ"رأسمالية الدولة"، إذ توجه بكين التراكم الرأسمالي لمصلحتها مستخدمة جيشاً هائلاً من العمالة واستراتيجيات تصدير فائض رأس المال.
وأضافوا أن توسع تكتل "بريكس" بقيادة الصين يمثل لحظة فارقة في مسار الاقتصاد العالمي، إذ يسعى التكتل إلى تقليص الاعتماد على الدولار عبر تعزيز التجارة بالعملات المحلية وإنشاء مؤسسات مالية بديلة عن صندوق النقد والبنك الدوليين، مؤكدين أن "مبادرة الحزام والطريق" منحت الصين نفوذاً متزايداً في أفريقيا وآسيا، لكنها في الوقت ذاته أثارت جدلاً واسعاً حول ما يوصف بـ"فخ الديون" الذي قد يجعل كثيراً من الدول النامية رهينة للنفوذ الصيني.
إعادة تشكيل ميزان القوى الاقتصادية العالمية
في البداية، يقول المتخصص في الشؤون الدولية وأستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية الدكتور حبيب البدوي إن صعود الصين وتوسع تكتل "بريكس" يمثلان محطة مفصلية في إعادة تشكيل ميزان القوى الاقتصادية العالمية، بما يعكس تحولات جيوسياسية عميقة بعد عقود من الهيمنة الغربية والأميركية على النظام الدولي.
وأوضح أن انضمام بكين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 شكّل نقطة انطلاق لمسيرة غير مسبوقة من النمو جعلتها ثاني أكبر اقتصاد عالمي وقوة محورية في قيادة تحالف اقتصادي ينافس الغرب مباشرة.
ويرى البدوي أن الصين تجاوزت دور "مصنع العالم" عبر استراتيجيات طموحة مثل خطة "صنع في الصين 2025" التي تهدف إلى الانتقال من الصناعات الكثيفة العمالة إلى قيادة التكنولوجيا الفائقة، مما وضعها في مواجهة حتمية مع الولايات المتحدة.
وفي السياق ذاته، برز تكتل "بريكس" كإطار يجمع القوى الصاعدة لتحدي المؤسسات المالية الدولية التقليدية، من خلال التوجه نحو استخدام العملات المحلية في التبادلات التجارية وإنشاء مؤسسات بديلة مثل "بنك التنمية الجديد"، على رغم ما يواجهه من تحديات داخلية.
صعود الصين عبر "دبلوماسية الديون"
ويلفت البدوي إلى أن أفريقيا وآسيا أصبحتا مسرحاً رئيساً للتنافس بين القوى الكبرى، بحيث تقوم الصين بدور متنامٍ عبر "مبادرة الحزام والطريق" وما يعرف بـ"دبلوماسية الديون"، وبينما ينظر بعضهم إلى القروض الصينية كفرصة تنموية، يحذر بعضهم الآخر من أنها قد تتحول إلى أداة هيمنة تمنح بكين نفوذاً واسعاً على الأصول السيادية للدول المقترضة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وانطلاقاً من قراءة نقدية، يشدد البدوي على أن النموذج الصيني ليس بديلاً اشتراكياً بقدر ما هو صيغة فاعلة من "رأسمالية الدولة"، تعتمد على تدخل حكومي مباشر لتوجيه التراكم الرأسمالي واستغلال فائض القيمة الناتج من قوة العمل.
وأكد أن التنافس بين واشنطن وبكين لا يعكس صراعاً أيديولوجياً، بل هو أشبه بـ"تنافس إمبريالي" بين قوة متراجعة وأخرى صاعدة، يسعى كل منهما إلى السيطرة على الأسواق والموارد وخطوط التجارة.
وختم البدوي بالقول إن القروض الصينية تمثل آلية جوهرية لتصدير رأس المال، وتهدف إلى فتح أسواق جديدة للشركات الصينية وضمان تدفق المواد الخام وفرض علاقات تبعية جديدة ضمن التقسيم العالمي للعمل.
قفزة الاقتصاد الصيني 9 أضعاف
من جانبه يرى الأكاديمي المصري وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع السياسي محمد أنيس أن الاقتصاد الصيني منذ مطلع الألفية الجديدة، تحديداً بعد انضمام بكين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، شهد نمواً استثنائياً خلال 25 عاماً.
وأثناء حديثه إلينا، يوضح أن الناتج المحلي الإجمالي للصين كان بحدود تريليوني دولار تقريباً عام 2000، بينما وصل اليوم إلى نحو 18 تريليون دولار، أي ما يقارب تسعة أضعاف. ويقارن أنيس باقتصادات الدول الغربية الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا التي لم يتضاعف ناتجها سوى مرتين تقريباً خلال الفترة نفسها، ويعتقد بأن هذا الفارق الضخم يفسر لماذا أصبح صعود الصين حالاً استثنائية في التاريخ الاقتصادي الحديث.
والعامل الحاسم وراء هذا التحول، كما يراه أنيس، هو الاستثمار الأجنبي المباشر الموجه نحو التصدير، مما يمكن وصفه بـ"الكلمات الخمس السحرية"، إذ بنت الصين نهضتها بالأساس على استثمارات غربية وأميركية ضخمة، مما يجعل من الممكن القول إن الولايات المتحدة نفسها أسهمت في صناعة النهضة الصينية.
كيف أسهمت أميركا في صناعة الصين؟
لكن جذور القصة تعود أبعد من ذلك، كما يشير، تحديداً إلى سبعينيات القرن الماضي، حينما اتخذت واشنطن قراراً استراتيجياً بفصل الصين عن الاتحاد السوفياتي، وآنذاك أسست زيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى بكين عام 1972 برفقة هنري كيسنجر لمرحلة جديدة أدخلت الصين تدريجاً إلى الاقتصاد العالمي عبر الإصلاحات الاقتصادية التي قادها دينغ شياو بينغ، مما أثمر لاحقاً خلال العقود التالية.
ويضيف أنيس أنه مع تحول الصين إلى ثاني أكبر اقتصاد عالمي، بدأت تنظر إلى نفسها على أنها قوة عظمى منافسة للولايات المتحدة، وهنا برز تحالف "بريكس" كإطار للتعاون الاقتصادي والتمويلي يجمع الصين مع روسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، ثم لاحقاً مع دول أخرى من بينها مصر والإمارات.
ويعتقد أنيس بأنه إذا ظلت المنظمة إطاراً للتعاون الاقتصادي والتنمية، فإنها ستنجح وتكتسب وزناً متزايداً في النظام المالي العالم، أما إذا حاولت الصين وروسيا تحويلها إلى أداة سياسية لمواجهة الغرب، فالمصير قد يكون مختلفاً، وربما يصل إلى حد الفشل أو التفكك.
ويلفت أنيس إلى أن النفوذ الصيني في أفريقيا وآسيا يمثل جانباً آخر من معادلة الصعود، فلكي تتحول أية دولة إلى قوة عظمى، يجب أن تمتلك ميزتين أساسيتين السيطرة العسكرية على الممرات البحرية التجارية الدولية وعملة تستخدم كعملة احتياط وتداول تجاري عالمي.
أميركا وأوروبا وإعادة التموضع الاستراتيجي
ويتابع أن "الولايات المتحدة تحتكر هذين الشرطين اليوم، ولذلك تسعى الصين إلى تقليص هذه الهيمنة عبر ’مبادرة الحزام والطريق‘ التي استثمرت فيها نحو تريليون دولار حتى الآن. وجزء كبير من هذا الإنفاق عبر قروض موجهة لدول أفريقية وآسيوية، مما يرتبط مباشرة بمسألة فخ الديون".
لكن القروض الصينية ليست قروضاً سيادية عادية، بل هي قروض مرتبطة بأصول استراتيجية مثل الموانئ أو البنية التحتية، فإذا عجزت الدولة المقترضة عن السداد، تنتقل السيطرة الفعلية على هذه الأصول إلى الصين، والنموذج الأوضح لأنيس هو سريلانكا التي اضطرت إلى التخلي عن أحد موانئها الاستراتيجية بعد عجزها عن السداد، مما أدى إلى أزمة اقتصادية خانقة وانهيار النظام السياسي.
ويشير عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع السياسي إلى أن هذا النموذج أصبح جرس إنذار لدول أخرى في أفريقيا وآسيا، وبدأ يثير حذر الغرب الذي يسعى بدوره إلى إعادة تعزيز وجوده ضمن هذه المناطق لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي.
الصين إذاً صنعت نهضتها عبر استثمارات أجنبية موجهة للتصدير، لكنها اليوم تسعى إلى تثبيت موقعها كقوة عظمى من خلال أدوات أكثر تعقيداً، تشمل تحالف "بريكس" و"مبادرة الحزام والطريق" وسياسة القروض المضمونة، وفي المقابل تجد الولايات المتحدة وحلفاؤها أنفسهم مضطرين إلى إعادة التموضع الاستراتيجي لموازنة هذا الصعود، بما يجعل المرحلة المقبلة ساحة مفتوحة لمنافسة كبرى بين القوتين.