Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

منذ 10 سنوات صدمت العالم صورة الطفل الغريق لكن الكراهية اليوم تعمينا

منذ 10 سنوات، انفطرت قلوبنا لرؤية جثة إيلان كردي الذي لم يتجاوز السنتين من عمره بعدما قذفت بها الأمواج إلى أحد شواطئ تركيا. وفتحت الصورة الأبواب أمام دفق من التعاطف الذي يجدر بنا تذكره اليوم

نحت رملي على شاطئ غزة تخليداً لذكرى الطفل السوري إيلان الكردي الذي غرق قبالة سواحل تركيا (أ ف ب)

ملخص

منذ 10 سنوات أثارت صورة الطفل إيلان كردي موجة تعاطف عالمي، لكن اليوم تغلب الكراهية على التضامن، ويُستخدم خطاب مُعادٍ للاجئين لتبرير الانقسام، على رغم أن الحل يكمن في استعادة إنسانيتنا وبناء مجتمعات أكثر أماناً ورحمة للجميع.

عندما كتبت صديقتي روس إيريرا منشوراً على "فيسبوك" تطلب فيه انضمام آخرين إليها في رفع لافتات دعم للاجئين السوريين، توقعت أن يستجيب نحو 100 شخص لمناشدتها، لكن الآلاف حضروا للمشاركة. وهكذا، وجدت نفسي بعد 11 يوماً من انتشار صورة إيلان كردي المفجعة حول العالم، أسير مع 100 ألف شخص آخرين في لندن لمطالبة حكومتنا باستقبال اللاجئين. كانت المشاركة في هذا التعبير عن التضامن العارم أمراً مذهلاً. وقد خلف أثراً بالفعل، إذ وافقت الحكومة على إعادة توطين 20 ألف لاجئ سوري.

أتذكر شعوري بالتفاؤل في ذلك الوقت بسبب استجابة الشعب البريطاني لأشخاص يلتمسون الأمان. جمعت حملة التبرعات التي نظمتها صحيفة "صن" من أجل الأيتام في الدول التي تمزقها الحروب أكثر من مليون ونصف المليون جنيه. في حينه، قال ناطق باسم منظمة "إنقاذ الأطفال" Save the Children "تلقينا ردوداً مذهلة على حملة دعم الأطفال اللاجئين. في أول يوم نشرت فيها ’صن‘ خبر حملة التبرعات على صفحتها الأولى، جمعنا أكثر من 500 ألف جنيه. تضاعف حجم الاتصالات الهاتفية التي تردنا وتضاعف النشاط على موقعنا الإلكتروني 50 مرة". في المقابل، جمعت حملة أطلقتها منظمة الإغاثة الإسلامية في بريطانيا ما يزيد على 50 ألف جنيه خلال أول 24 ساعة من الإعلان عنها، فيما قال الصليب الأحمر البريطاني إن الجمهور "يدرك أنها أزمة إنسانية ضخمة" وإنه تبرع بـ"مئات آلاف" الجنيهات.

بدءاً من الدعم الذي تلقته مجموعة محلية في فوكستون جمعت أكثر من 3 آلاف جنيه لشراء بطانيات للاجئين والمهاجرين في كاليه (فرنسا)، إلى المتقاعدين في دورسيت الذين عرضوا إيواء اللاجئين في غرف إضافية في منازلهم، ساد انطباع بأن صور إيلان التي تفطر القلب تحدث تغييراً عميقاً في موقف الرأي العام من أزمة اللاجئين.

خلال تلك السنوات كنت أدير منظمة خيرية للاجئات وشهدت لحظات مدهشة من التواصل والرفق من الشعب البريطاني كل أسبوع. في مركزنا المفتوح أمام عابري السبيل، اجتمعت سيدات من المنطقة ونساء لاجئات لتناول الطعام معاً والضحك معاً والتعلم معاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عندما نظمنا تظاهرة أمام مركز احتجاز المهاجرات في 2015، قصدت مئات النساء البريطانيات - منهن أمهات وطالبات وجدات وسياسيات - الريف البريطاني دعماً لحقوق اللاجئات من النساء. ومن جهتهن، ردت اللاجئات الجميل إلى مجتمعاتهن الجديدة. أذكر كيف وزعت كثيرات في شبكتنا خلال جائحة "كوفيد" الطعام على الجيران رغم التحديات التي واجهنها أنفسهن.

أما اليوم، فهذا التواصل اليومي اللطيف بين الأشخاص العاديين يغرق في بحر من الأصوات التي تفوقه صخباً وغضباً، وهي عازمة على زرع بذور الانقسام بين الناس. بدل الاعتراف بأن اللاجئ قد يكون أي كان - سواء طفلاً أم امرأة أم رجلاً أم شخصاً طيباً أو لئيماً أو صعب المراس أو ذكياً- تظهر سردية مظلمة تحول جميع اللاجئين إلى شياطين. فها هو نايجل فاراج يسمي الأشخاص الذين يعبرون القنال الإنجليزي على متن قوارب صغيرة "اجتياح صادم"، فيما يزعم ضياء يوسف أن كافة ملتمسي اللجوء "رجال بعمر القتال قادمين من دول في الشرق الأوسط".

هذا خطاب يصور كافة اللاجئين على أنهم رجال عنيفين، لكن الواقع يبين أن 28 في المئة من طالبي اللجوء العام الماضي كن من النساء. ومقابل كل رجلين في تلك الفنادق، تجد امرأة - امرأة فرت من العنف لتجد أنها تخشى ألا تجد بر أمان هنا أبداً. حتى إن سياسيي حزب "ريفورم" أخذوا يهددون بترحيل اللاجئات إلى دول منها أفغانستان حين تعرضت حريات النساء للتدمير.

إن كنت أذكر الناس بأن اللاجئين هم أيضاً نساء وأطفال، فهذا لا يعني أنني أبرر الشيطنة التي يتعرض إليها الرجال من بينهم. يزداد تأكيد المعلقين على رغبتهم بترحيل اللاجئين "لحماية نسائنا وبناتنا" زاعمين بأن الرجال المهاجرين يتحملون مسؤولية أفعال العنف الجنسي بنسبة مرتفعة جداً.

أعتقد أن أي رجل يقدم على عمل عنيف أو على أي سلوك مُعادٍ للمجتمع يجب أن يمثل أمام العدالة. من حق المرأة أن تشعر بالأمان داخل منزلها وفي المدرسة والشارع، لكن العنف ضد المرأة لا يقتصر على مجموعة من الرجال دون غيرها، بل العكس تماماً. ومن دواعي السخرية المريرة أن عدداً لا يستهان به من الذين ينددون بوجود المهاجرين هم أنفسهم رجال يحفل تاريخهم بممارسات عنيفة ضد النساء. وإن ضاعفنا نسبة الاعتقال والترحيل، فلن يؤدي ذلك أبداً إلى حل مشكلات عميقة تتمثل بالعنف وانعدام المساواة في بلادنا.

وفي هذه الأثناء، يلام المهاجرون على كل المشكلات الموجودة في مجتمعنا ويتم استغلال هواجس حقيقية. كثيرات جداً هن النساء البريطانيات اللاتي لا يشعرن بالأمان، ولا سيما نساء الطبقة العاملة والمناطق المحرومة. للأسف، لم يترجم الخطاب الحكومي حول مكافحة العنف ضد المرأة إلى موارد ملموسة تصب في أكثر المواضع حاجة إليها- فتتحول إلى خدمات تحتاج إليها الناجيات وتحقيق سريع للعدالة في المحاكم وتثقيف ووقاية. وفي غياب الاستثمار في كنف مجتمعاتهن المحلية، سيستمر شعور النساء بالغضب، وسيكون كثر على أهبة الاستعداد لرفع أصواتهم بهدف توجيه ذلك الغضب ضد اللاجئين.

ومع زيادة ذلك الغضب، ستصبح حدودنا أكثر خطراً بعد. في عام 2024 فحسب، لقي أكثر من 80 شخصاً مصرعهم في القنال، من بينهم 15 طفلاً. كل واحد من هؤلاء الأطفال ثمين ومحبوب، تماماً كإيلان كردي. وكان يمكن تفادي كل واحدة من هذه الخسائر البشرية المأسوية.

لو أردنا بناء عالم أكثر أماناً من أجل هؤلاء الأطفال لا يمكننا أن نسمح للكراهية بأن تغشي أبصارنا. علينا إدراك إنسانيتنا المشتركة مرة أخرى، ليس فقط من أجل إنشاء طرق أكثر أماناً للاجئين، بل أيضاً من أجل إعادة بناء مجتمعات أكثر ترابطاً وعطفاً هنا في ديارنا. فنحن مهددون بخسارتها.

أسست ناتاشا والتر منظمة "نساء من أجل لاجئات" Women for Refugee Women، وهي مؤلفة كتاب "قبل أن يتلاشى الضوء" Before the Light Fades (صدر عن منشورات "فيراغو")

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من آراء