Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السعودية حافظت على دعم فلسطين رغم موقفها من غزو الكويت

سياسة الرياض أتت متطابقة مع المواقف الغربية التي لم تكن راغبة في عزلها تماماً

من خلال هذه الوثائق البريطانية يمكن استخلاص مجموعة من الملاحظات الجوهرية، أولاً أن الغرب كان حريصاً على إبقاء منظمة التحرير الفلسطينية ضمن المعادلة السياسية (اندبندنت عربية)

ملخص

الوثائق البريطانية تعكس بوضوح تركيز الرياض على التوازن بين الانخراط في تحالفها الاستراتيجي مع الغرب من جهة والتمسك بمسؤوليتها التاريخية تجاه القضية الفلسطينية من جهة أخرى، إذ كانت السعودية تدرك أن مكانتها الإقليمية والدينية تفرض عليها الاستمرار في لعب دور محوري حتى في أكثر اللحظات حساسية.

مع نهاية حرب الخليج الثانية في فبراير (شباط) 1991 دخلت المنطقة العربية مرحلة جديدة شديدة التعقيد، إذ لم يعد المشهد السياسي كما كان قبل أغسطس (آب) 1990، إذ إن غزو العراق للكويت قلب موازين التحالفات وأعاد خلط الأوراق على الساحة العربية والدولية.

في هذا السياق وجدت منظمة التحرير الفلسطينية نفسها في موقع بالغ الصعوبة، بعدما اتهمت ضمنياً بالانحياز إلى موقف بغداد، مما دفع بعض الدول الخليجية، وعلى رأسها الكويت، إلى تعليق أو تجميد دعمها للمنظمة، وبموازاة ذلك كانت القوى الغربية، لا سيما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تحاول إعادة إطلاق عملية السلام في الشرق الأوسط عبر ما عرف لاحقاً بـمؤتمر مدريد في أكتوبر (تشرين الأول) 1991.

هنا برز دور السعودية، التي سعت على رغم التحفظات الدولية والإقليمية، إلى الحفاظ على خيط من الدعم السياسي والمادي والمعنوي للشعب الفلسطيني، والوثائق البريطانية التي بين أيدينا تعكس بوضوح هذا الموقف، إذ يظهر فيها تركيز الرياض على التوازن بين الانخراط في تحالفها الاستراتيجي مع الغرب من جهة، والتمسك بموقفها التاريخي تجاه القضية الفلسطينية من جهة أخرى، إذ كانت السعودية تدرك أن مكانتها الإقليمية والدينية تفرض عليها الاستمرار في لعب دور محوري حتى في أكثر اللحظات حساسية.

تحذيرات غربية ورسائل سرية لمنظمة التحرير الفلسطينية

إحدى الوثائق البريطانية المؤرخة في الثالث من مارس (آذار) 1991 تكشف عن لقاء جرى في نيويورك بين ممثل وزارة الخارجية البريطانية ومراقب منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة ناصر القدوة.

 

في ذلك اللقاء شدد المسؤول البريطاني على أن أي عمل إرهابي منسوب إلى المنظمة في تلك المرحلة قد يؤدي إلى "عواقب وخيمة" على مكانتها السياسية في الغرب، وهذه اللهجة تكشف عن إدراك بريطاني لمأزق المنظمة، فهي تسعى إلى الحفاظ على شرعيتها الدولية، لكنها تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في إعادة كسب ثقة الدول الخليجية الغاضبة من موقفها في الأزمة الكويتية، ومنع الفصائل الراديكالية من تنفيذ هجمات تسيء إلى صورتها.

وأظهرت الوثيقة قلقاً بريطانياً من وضع الفلسطينيين في الكويت، إذ أشار المسؤول البريطاني إلى أن لندن وواشنطن حثتا السلطات الكويتية على تفادي أي انتقام جماعي ضد الفلسطينيين هناك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رد القدوة كان لافتاً، إذ قال إن الحكومة الكويتية مسؤولة عن حماية جميع المقيمين، معترفاً في الوقت ذاته بأن بعض الفلسطينيين أخطأوا خلال الغزو العراقي، ومع ذلك رفض فكرة أن يدفع مجتمع كامل ثمن أخطاء أفراد.

هذه المراسلات تظهر أن الغرب، على رغم خلافاته مع منظمة التحرير الفلسطينية، لم يكن راغباً في عزلها تماماً، بل أراد احتواءها وضمان بقائها شريكاً في أي عملية سياسية مقبلة، لكنها تكشف أيضاً عن الضغط الهائل الذي مورس على المنظمة لضبط سلوكها وإثبات التزامها بنبذ الإرهاب، وهو الالتزام الذي أعلنته رسمياً عام 1988.

السعودية بين التحالف مع الغرب والوفاء للقضية الفلسطينية

وثيقة أخرى في الـ27 من أكتوبر 1991 صادرة من الرياض إلى وزارة الخارجية البريطانية، تكشف عن جانب مهم من الموقف السعودي في تلك المرحلة، فقد كانت السعودية، وفق ما جاء في الوثيقة، متحفظة إزاء المشاركة في الاجتماعات متعددة الأطراف ضمن عملية مدريد، لكنها في النهاية أكدت حضورها عبر وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل.

 

ويظهر من تفاصيل الوثيقة أن التردد السعودي لم يكن نابعاً من رفض لعملية السلام، بل من حسابات دقيقة مرتبطة بموقف سوريا والدول العربية الأخرى، إذ لم تكن الرياض راغبة في الظهور وكأنها تنفصل عن الإجماع العربي.

لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو ما ورد في ختام التقرير البريطاني، إذ ذكرت الصحافة السعودية أن الأمير سلمان بن عبدالعزيز آل سعود (الملك السعودي حالياً، والذي كان آنذاك أمير منطقة الرياض) أصدر أمراً بتحويل 11.1 مليون ريال سعودي (2.96 مليون دولار) من أموال اللجنة الشعبية لمساعدة الفلسطينيين، إلى منظمة التحرير الفلسطينية.

هذا القرار بدا أنه لم يكن مجرد مبادرة خيرية عابرة، بل إشارة سياسية في وقت كانت فيه المساعدات الخليجية الرسمية للمنظمة قد تراجعت بشدة بسبب موقفها من الغزو العراقي للكويت، لكن مشاركة الأمير سلمان أعطت هذه الخطوة وزناً مضاعفاً، لتأكيد استمرار الرياض على موقفها التاريخي تجاه الفلسطينيين، حتى وإن كان ذلك عبر قنوات شعبية وخيرية.

ومن المهم التذكير هنا بأن السعودية، حتى سبتمبر (أيلول) 1990، كانت تقدم للمنظمة ما بين 6 و9 ملايين دولار شهرياً بصورة رسمية، إضافة إلى فرض ضريبة بنسبة خمسة في المئة على دخل الفلسطينيين العاملين في السعودية لمصلحة دعم القضية.

توقفت هذه المساعدات بعد أزمة الكويت، لكنها عادت بصورة تدريجية عبر قنوات مختلفة، من أجل الموازنة بين التزاماتها الدولية وتحالفاتها الجديدة وبين ثوابتها تجاه فلسطين.

رسائل مباشرة إلى عرفات وتحذيرات صارمة

وثيقة ثالثة بتاريخ الـ28 من فبراير 1991، أي قبل الوثيقة السابقة بأشهر قليلة، تكشف عن تعليمات صادرة من لندن إلى سفارتها لدى تونس (مقر قيادة منظمة التحرير آنذاك) للقاء عاجل مع ياسر عرفات، وكان الهدف واضحاً، وهو إبلاغ عرفات بضرورة التزام المنظمة الصارم بنبذ الإرهاب، بخاصة في ظل المناخ الحساس بعد وقف إطلاق النار في حرب الخليج، والرسالة تضمنت تحذيراً مباشراً بأن أي هجوم على أهداف غربية سينعكس بصورة كارثية على صدقية المنظمة.

 

وتضمنت الوثيقة إشارات إلى جهود بريطانية – أميركية لحماية الفلسطينيين المقيمين في الكويت من الانتقام، مع تأكيد أن لندن ستواصل متابعة حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة.

هذه المواقف تكشف عن إدراك غربي لأهمية منظمة التحرير كفاعل سياسي لا يمكن تجاوزه، وفي الوقت نفسه رغبة في ضبط سلوكها وإخضاعها لشروط اللعبة السياسية الدولية.

الوثيقة لفتت أيضاً إلى حادثة اغتيال دبلوماسي هولندي في تونس في الـ27 من فبراير 1991، مؤكدة أنه لا توجد أدلة تربط منظمة التحرير بالحادثة، وإدراج هذه الملاحظة يعكس حساسية بالغة، إذ كانت لندن حريصة على حماية المنظمة من اتهامات قد تطيح صدقيتها في لحظة فارقة.

 

 

خلاصة وتقييم

من خلال هذه الوثائق البريطانية يمكن استخلاص مجموعة من الملاحظات الجوهرية، أولاً أن الغرب كان حريصاً على إبقاء منظمة التحرير الفلسطينية ضمن المعادلة السياسية، لكنه اشترط عليها التخلي عن أي صلة بالإرهاب وإعادة تموضعها بعيداً من صدام حسين.

ثانياً، أن الفلسطينيين، بقيادة ياسر عرفات وناصر القدوة، أدركوا أن المرحلة تفرض إعادة صياغة خطابهم السياسي والانفتاح مجدداً على العواصم الغربية.

وثالثاً، أن السعودية، على رغم التحديات والتحالفات الجديدة، بقيت وفية لدورها التاريخي كأحد أهم الداعمين للشعب الفلسطيني، سواء عبر الدعم الرسمي أو من خلال المبادرات الشعبية التي جسدها الأمير سلمان آنذاك (الملك السعودي حالياً).

اقرأ المزيد

المزيد من وثائق