Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تصريحات أنقرة عن قطع العلاقات مع إسرائيل أبعد من غزة

تحولت سوريا إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي بين تركيا وإسرائيل، وأثار اعتراف نتنياهو بـ"الإبادة الأرمينية" غضب أردوغان

أردوغان ونتنياهو (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ملخص

تصريحات فيدان، التي رحبت بها حركة "حماس"، تأتي في سياق توترات أوسع بين أنقرة وتل أبيب حول النفوذ في سوريا. بينما تبقى العلاقات الدبلوماسية منخفضة المستوى، تتداخل القضايا السورية مع خلافات سياسية، بما فيها تصريحات نتنياهو الأخيرة حول الإبادة الأرمينية.

خلال جلسة استثنائية للبرلمان التركي أمس الجمعة، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إن العلاقات التجارية بين بلاده وإسرائيل مقطوعة بالكامل وإن الموانئ التركية مغلقة أمام السفن الإسرائيلية، مشيراً إلى أن بلاده أوقفت العلاقات التجارية مع إسرائيل منذ بدء حربها في غزة

وأشار الوزير التركي إلى أن بلاده لا تسمح للسفن الإسرائيلية بالذهاب إلى الموانئ الإسرائيلية، قائلاً "لا نسمح لسفن الحاويات التي تنقل الأسلحة والذخائر إلى إسرائيل بدخول موانئنا، ولا للطائرات بعبور مجالنا الجوي".

تصريحات وزير الخارجية التركي التي قوبلت بترحيب وثناء من حركة "حماس" أثارت الجدل عما إذا كانت تتعلق بعقوبات جديدة ضد إسرائيل أم أنه يشير إلى إجراءات سابقة، وهو الجدل الذي امتد إلى الصحافة الإسرائيلية التي ذهبت للاستقصاء عما يعنيه فيدان، إذ أوضحت صحيفة "يديعوت أحرونوت" نقلاً عن مصدر دبلوماسي تركي قوله إن القيود الأخيرة على مجالها الجوي تنطبق فقط على الرحلات التابعة للحكومة الإسرائيلية والطائرات التي تحمل أسلحة أو ذخيرة، ولا تشمل رحلات العبور التجارية. 

وفي حين لم يرد إيضاح رسمي من الحكومة التركية في شأن تصريحات وزير الخارجية أمام البرلمان، لكن هذه ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها مسؤولو حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن قطع العلاقات مع إسرائيل، فالرئيس التركي صرح في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بأن "العلاقات مع إسرائيل قد قُطعت"، ونقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية هذا التصريح على نطاق واسع آنذاك، واعتبرته إعلاناً عن خطوة عدائية جديدة من تركيا ضد إسرائيل. 

ومع ذلك، فإن أردوغان أدلى بهذا التصريح رداً على سؤال يتعلق بالعلاقات التجارية بين البلدين، ولم يكن القصد من كلماته إعلان قرار جديد، بل توصيف لوضع العلاقات التجارية. ووفق معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، فإنه على رغم إعلان أنقرة في مايو (أيار) 2024 أنها قطعت العلاقات التجارية مع إسرائيل، فإن التبادل التجاري بين البلدين ما زال مستمراً بشكل غير مباشر، وأشار الباحث لدى المعهد ريمي دانييل إلى أنه ما زالت تركيا وإسرائيل تحتفظان بعلاقات دبلوماسية على مستوى منخفض. 

ما وراء التصريحات

غير أن تصريحات فيدان لا يمكن فصلها عن التوترات المتصاعدة بين أنقرة وتل أبيب منذ أسابيع في شأن سوريا وليس حرب غزة. فثمة صدام جارٍ بين البلدين منذ سقوط نظام بشار الأسد، حول النفوذ الإقليمي والتوسع داخل سوريا، فالمناطق الشمالية الغربية خاضعة لميليشيات مدعومة من أنقرة وتعمل بالليرة التركية ويعتمد بعضها مناهج تعليمية باللغة التركية، بينما المنطقة الجنوبية المتمركزة في السويداء تتحول تدريجاً إلى حكم ذاتي بدعم ضمني من إسرائيل. 

وقد تصاعد الصراع العلني بين إسرائيل وتركيا منذ يوليو (تموز) الماضي، عندما نشبت أحداث عنف في مدينة السويداء جنوب سوريا، التي خلفت مئات القتلى من الدروز على يد عناصر يُزعم أنهم من الأمن العام لسوريا والعشائر البدوية وأسفرت عن نزوح ما يقدر بنحو 175 ألف شخص. وتصر إسرائيل على إنشاء منطقة منزوعة السلاح تمتد من مرتفعات الجولان إلى جنوب دمشق، إلى جانب ممر إنساني لسكان السويداء التي تعاني الحصار منذ يوليو الماضي. 

وخلال لقاء جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والزعيم الروحي للدروز في إسرائيل، الشيخ موفق طريف، قبل أيام، أكد ثلاثة أهداف لتل أبيب، تشمل حماية الدروز في السويداء وحولها، وإنشاء منطقة أمنية من الجولان إلى جنوب دمشق، بما في ذلك السويداء، وإنشاء ممر إنساني يسمح بإيصال المساعدات الإنسانية بما في ذلك "الغذاء ومواد البناء وكل ما يلزم، إضافة إلى مساعدات طبية واسعة النطاق".

واتهم وزير الخارجية التركي الأربعاء الماضي إسرائيل بإثارة الفوضى في سوريا، وطالب بإنهاء جميع التدخلات الخارجية التي اتهمها بأنها تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد التي مزقتها الحرب. وقال فيدان خلال لقاء مع نظيره السوري أسعد الشيباني في أنقرة، إن "بعض الجهات الفاعلة منزعجة من التطورات الإيجابية في سوريا"، في إشارة إلى إسرائيل ومقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية العاملين في شمال شرقي سوريا.

وقبل يومين نفذ الجيش الإسرائيلي عملية إنزال جوى في ثكنة عسكرية بـ"الكسوة" وهى منطقة إستراتيجية تقع جنوب دمشق، إذ اتهمت إسرائيل أنقرة بزرع أجهزة تجسس ضدها. وقال مسؤول إسرائيلي في تصريحات إعلامية إن المهمة كان هدفها استعادة معدات سرية وخطرة، وأضاف "فككنا في ريف دمشق أجهزة تركية للتجسس علينا... حذرنا إدارة الشرع (الرئيس السوري) من اللعب بالنار والاستماع لأوامر تركيا"، وقال إن "تركيا تحاول الاقتراب إلينا أكثر مما ينبغي".

الإبادة الأرمينية

ولم تقتصر التصريحات عند سوريا، فقبل أيام أثار نتنياهو غضب الرئيس التركي عندما صرح في لقاء مع بودكاست أميركي، معترفاً بالإبادة الجماعية التي ارتكبها الأتراك في حق الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى عام 1915. فرداً على سؤال حول سبب عدم اعتراف إسرائيل بالإبادة التي نفذتها الدولة العثمانية ضد "الأرمن والآشوريين واليونانيين"، قال "في الواقع أعتقد أننا اعترفنا، أعتقد أن الكنيست أقرّ قانوناً في هذا الشأن"، ليرد مقدم البرنامج باتريك بيت-ديفيد سائلاً إن كان هذا الاعتراف يأتي من رئيس وزراء إسرائيل، فقال نتنياهو "نعم، لقد فعلت ذلك للتو، على الرحب والسعة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي حين كانت لجنة برلمانية في الكنيست الإسرائيلي أقرت عام 2016 بأن المجازر في حق الأرمن عام 1915 هي "إبادة"، غير أنه بموجب معارضة من حكومة نتنياهو عام 2018، تم إلغاء تصويت في الكنيست على قرار الاعتراف بالإبادة الأرمينية، غير أن تصريح نتنياهو أخيراً يعد اعترافاً. 

وسرعان ما أعربت أنقرة عن رفضها تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، وجاء في بيان لوزارة الخارجية التركية باللغة التركية "تصريحات نتنياهو في شأن أحداث عام 1915هي محاولة لاستغلال المآسي الماضية لأغراض سياسية. نحن ندين ونرفض هذا التصريح الذي يتعارض مع الحقائق التاريخية والقانونية." وجددت تركيا اتهامها لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة.

ومنذ عام 1965 تقر أوروغواي وفرنسا وألمانيا وكندا وروسيا والولايات المتحدة، بالإبادة الجماعية للأرمن. وفقاً للمؤرخين، قُتل نحو 1.5 مليون أرميني في عامي 1915 و1916، من خلال عمليات قتل ممنهجة في عهد الإمبراطورية العثمانية. وترفض تركيا، بصفتها الدولة الخليفة القانونية، مصطلح الإبادة الجماعية، لكنها تعترف بمجازر راح ضحيتها ما بين 300 ألف و500 ألف شخص.

سوريا ساحة للتنافس

ويقول مراقبون إن انهيار نظام الأسد وصعود الرئيس السوري أحمد الشرع أطلقا مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي في سوريا، حيث دخلت إسرائيل وتركيا في عمليات عسكرية متداخلة تهدف إلى تأمين النفوذ وتحقيق الأهداف الإستراتيجية.

فبالنسبة إلى أنقرة، يحمل المشهد بعد الأسد فرصاً وأخطاراً معاً. فيقول معهد بلومزبري للاستخبارات والأمن في المملكة المتحدة، إنه كثيراً ما بررت تركيا وجودها في شمال سوريا بمكافحة الإرهاب، خصوصاً استهداف وحدات حماية الشعب التي تربطها بحزب العمال الكردستاني في الداخل. غير أن حكومة أردوغان وظفت أيضاً الصراع السوري لتوسيع القوة الناعمة التركية وترسيخ حضور عسكري وسياسي دائم على حدودها الجنوبية.

ومنذ فبراير (شباط) 2025 توسعت القوات التركية مدعومة بفصائل سورية متحالفة، داخل محافظتي إدلب وحلب، وأقامت نقاط تفتيش وهياكل إدارية جديدة في محاولة لتثبيت نفوذها قبل أية تسوية سياسية طويلة الأمد. وقد أثارت هذه التحركات انتقادات من تل أبيب، إذ ترى إسرائيل أن التوغل التركي يمثل تحدياً لأهدافها الإستراتيجية. هذه التدخلات المتوازية والمتعارضة في كثير من الأحيان، وكل منها مبرر باعتبارات الأمن القومي، دفعت أنقرة وتل أبيب إلى لحظة نادرة من الاحتكاك المباشر.

كذلك فإنه بالنسبة إلى إسرائيل تبقى الساحة السورية ركيزة أساسية في إستراتيجيتها الأمنية الإقليمية الأوسع، لذا تصر تل أبيب على تشكيل منطقة عازلة تمتد من الجولان إلى جنوب غربي سوريا، على غرار مواقفها خلال الحرب الأهلية اللبنانية في الثمانينيات. هذه الخطوة لا تعزز العمق الإستراتيجي لإسرائيل وحسب، بل تبعث أيضاً برسالة واضحة إلى طهران: "الخطوط الحمراء الإسرائيلية في سوريا غير قابلة للتفاوض بغض النظر عن التحولات السياسية في دمشق".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير