ملخص
يبقى ممر الجولان – السويداء أقرب إلى ورقة ضغط إعلامية منه إلى مشروع قابل للتنفيذ، فجغرافياً مساره محفوف بالأخطار ويمر في بيئة رافضة، وقانونياً يصطدم بسيادة دمشق، وسياسياً تفضل باريس وواشنطن اليوم تثبيت وقف النار وترتيب مسارات داخلية وآليات مراقبة جنوبية أو إحياء خطوط 1974، بدلاً من مغامرة حدودية عالية الكلفة.
تتسارع الأحداث في المنطقة بوتيرة تكشف عن هشاشة التوازنات القديمة وصعوبة ولادة نظام إقليمي جديد. ويتأرجح الإقليم بين محاولات تهدئة عبر وساطات واتفاقات موضعية واندفاعات عسكرية تعيد شبح الحروب الكبرى وتؤكد أن الصراع لم يغادر جذوره بعد.
وفي الخلفية، يتردد همس متزايد عن خرائط جديدة للمنطقة، بعضها يطرح في غرف مغلقة كحلول واقعية لأزمات ممتدة منذ عقود، وبعضها الآخر يتسرب عبر مراكز أبحاث وإعلام كجس نبض للرأي العام، لكن المشترك في كل هذه السيناريوهات هو الخوف من أن تتحول مشاريع التهدئة إلى بوابات تقسيم، ترسم بغطاء إنساني أو أمني، بينما تحمل في جوهرها إعادة هندسة الجغرافيا السياسية والاجتماعية.
وتتضاعف المخاوف مع عودة الحديث عن "الشرق الأوسط الجديد" على أنه مشروع لم يمت، بل يعاد تدويره بصور مختلفة، مرة عبر التطبيع، ومرة عبر ممرات إنسانية أو اقتصادية، ومرة عبر كيانات محلية تبحث عن حماية وجودية. وبين كل هذه العناوين، تبرز معادلة دقيقة، كل تسوية جزئية في المنطقة قد تكون بذرة استقرار، لكنها أيضاً قد تكون شرارة لتفكك أوسع، إذا لم تُبن على عقد إقليمي شامل يضمن وحدة الكيانات وسيادة الشعوب.
ممر إنساني بين إسرائيل والسويداء
في هذا الإطار برز ما نشره موقع "أكسيوس" الأميركي في مقال مطول أشار من خلاله إلى أن الولايات المتحدة تناقش إنشاء ممر إنساني بين إسرائيل ومدينة السويداء السورية، وأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحاول الوساطة لفتح هذا الممر البري لدوافع إنسانية لإيصال مساعدات إلى السويداء من جهة إسرائيل عبر الجولان السوري. وتزامن هذا التسريب مع لقاءات مباشرة بين وفدين سوري وإسرائيلي في باريس الثلاثاء الماضي، وهو اجتماع وصف بالنادر بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمير، بحضور مسؤولين أمنيين من الجانبين وبرعاية أميركية مباشرة.
وفي الوقت نفسه حصل لقاء في باريس جمع الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في إسرائيل الشيخ موفق طريف، والمبعوث الأميركي الخاص إلى المنطقة توم براك.
الموقف السوري الرسمي
كانت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) ذكرت أن الشيباني اجتمع مع وفد إسرائيلي، في باريس. وأفادت الوكالة السورية أن النقاشات تركزت على "خفض التصعيد وعدم التدخل بالشأن السوري الداخلي، والتوصل إلى تفاهمات تدعم الاستقرار في المنطقة، ومراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء"، وأن الاجتماع في العاصمة الفرنسية، بحث في سبل إعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك بين إسرائيل وسوريا الموقعة عام 1974، التي أنشئت بموجبها منطقة عازلة تحت إشراف الأمم المتحدة في هضبة الجولان.
الرئيس السوري أحمد الشرع أكد بدوره أن معركة توحيد بلاده بعد أعوام من الحرب "يجب ألا تكون بالدماء والقوة العسكرية"، رافضاً أي تقسيم، ومتهماً إسرائيل بالتدخل في الجنوب. وقال خلال جلسة حوارية مع عدد من وجهاء محافظة إدلب في حضور وزراء وسياسيين بثها التلفزيون الرسمي، "أسقطنا النظام في معركة تحرير سوريا ولا يزال أمامنا معركة أخرى لتوحيد سوريا، ويجب ألا تكون بالدماء والقوة عسكرية". وتابع "بعض الأطراف تحاول أن تستقوي بقوة إقليمية، إسرائيل أو غيرها، هذا أمر صعب للغاية ولا يمكن تطبيقه" في إشارة إلى مطالب بعض الدروز في السويداء بالتدخل الإسرائيلي.
أيضاً كانت الحكومة السورية أعلنت رفضها الصريح، لأي ممر عابر للحدود، وشددت على أن كل المساعدات يجب أن تمر حصراً عبر مؤسسات الدولة في دمشق، معربة عن قلقها من "إمكان استخدام الميليشيات الدرزية للممر الإنساني لتهريب الأسلحة".
في المقابل أشار مصدر عسكري سوري إلى أن الحديث عن ممر إنساني ليس مجرد شائعة، بل يجري تداوله بجدية، مستدركاً أن الجغرافيا تفرض تحديات كبرى. فالسويداء تحدها من الجنوب الأردن، ومن الجنوب الغربي محافظة درعا، بينما تقع إسرائيل خلف هضبة الجولان المحتلة. أي إنه لا حدود مباشرة تجمع السويداء بإسرائيل، بالتالي فإن أي ممر إنساني محتمل يجب أن يمر عبر أراضي درعا أو القنيطرة.
خلفيات لقاء باريس بين الشيخ طريف وتوم براك
وفقاً لمصادر خاصة من مكتب الشيخ موفق طريف، تحدثت إلى "اندبندنت عربية"، عن خلفية اللقاء الباريسي، وما أهم البنود التي تم التداول في شأنها.
يقول المصدر إن طريف كان قد فتح خطوط التواصل لإسماع صوت أهل السويداء عبر قنوات عديدة، منها التواصل الرسمي مع الحكومة الإسرائيلية، وتواصل مباشر مع أميركا. وجرت لقاءات عديدة مع أعضاء من الكونغرس الأميركي ومنهم إبراهيم حمادة، والسفير لدى إسرائيل مايك هاكابي، ومن ثم حصل تواصل غير مباشر عبر القنوات الدبلوماسية مع الرئيس ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو، وبصورة مباشرة مع المبعوث توم براك.
وكان الشيخ طريف وخلال اجتماعاته مع الوفود الأميركية، عرض فيديوهات وأحداث موثقة جرى العمل عليها طوال الفترة الماضية ومنذ اندلاع أحداث السويداء، من قبل خلية إعلامية تابعة لغرفة العمليات، ومقرها منطقة جولس مسقط رأس الشيخ طريف في الجليل، والتي أنشئت لتنظيم المساعدات للدروز في السويداء.
ويضيف المصدر عينه أنه قبل توجه طريف إلى باريس كان هناك لقاء تحضيري مع الوزير ديرمير، ولكن خلال اللقاء مع براك لم يكن هناك أي مسؤول إسرائيلي. وعرض خلال اللقاء التوثيقات والفيديوهات، عما حصل في السويداء، ووفقاً للمصدر علق براك بالقول "يجب أن يتغير الوضع ميدانياً وبصورة فورية، ويجب اتخاد إجراءات عملية قريباً". وكان براك اقترح على الشيخ طريف لقاءً مع الوزير الشيباني، ولكن طريف رفض.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يعتبر المصدر المقرب من طريف أنه يجب أن تكون هناك خطوات عملية واضحة، كي تثبت حسن نية الحكومة السورية تجاه السويداء، منها ما نوقش خلال اجتماع باريس، وهو ما طلبه طريف من الإدارة الأميركية، أي العمل على تثبيت وقف إطلاق النار بصورة شاملة ومستدامة في المحافظة، وفتح ممر بري آمن بضمانات أميركية لتمرير المساعدات الإنسانية، وفتح كل الممرات المؤدية إلى السويداء، والعمل على عودة المختطفين والسكان النازحين إلى قراهم في المحافظة، والحديث عن التعويضات للقرى المنكوبة، فيما لا يزال هناك 200 ألف نازح خارج السويداء.
وتسجل أوساط متابعة لهذا الملف أنه وخلال الساعات والأيام القليلة الماضية ارتفعت وتيرة إدخال المساعدات إلى السويداء بصورة أكبر من العادة، كما سمح بدخول مساعدات من لبنان، وحصلت انسحابات من بعض البلدات، وربما هذا مؤشر إلى تجاوب أولي من قبل الحكومة السورية.
وتقول هذه الأوساط إن اللقاء الباريسي كانت عناوينه إنسانية بحتة، أما ما يطرح في السويداء من انفصال أو أي صورة من صور التعامل مع الحكومة السورية، فينظر إلى هذا الأمر على أنه شأن داخلي يقرره السوريون والدروز أنفسهم.
العوائق الجغرافية واللوجيستية أمام الممر
بالعودة إلى الحدود والجغرافيا، تؤكد الخرائط أن حدود الجولان لا تلامس حدود السويداء، وتفصل بينهما محافظة درعا، مما يجعل أي ممر بري سيمر حكماً عبر مناطق معقدة أمنياً.
وحالياً يجري تمرير المساعدات الإنسانية عبر ممرات داخل سورية منفصلة عن فكرة الممر العابر للحدود إلى إسرائيل، منها عبر درعا - السويداء، لكنها تتعرض لهجمات وقطوعات، مما دفع المنظمات لفتح مسار بديل شمال السويداء أخيراً.
كما أثيرت أخيراً إشاعات عن ممر من جبل الكرمل (شمال إسرائيل) إلى السويداء تحت إشراف قوات "يونيفيل"، ولكن لا يوجد أي أساس موثوق لهذا الادعاء، بخاصة أن هذه القوات الأممية تعمل حصراً في جنوب لبنان ولا وجود لها في سوريا.
في المقابل، رفض الأردن أن يكون معبراً بديلاً، فيما خرجت تقارير، ومن ضمنها مقال نشر في موقع "أكسيوس"، تتحدث عن نية إسرائيل خيار إسقاط مساعدات جواً إذا تعذر المسار البري، من دون نفي أو تأكيد رسمي لهذه المعلومات.
شهادة ميلاد جديدة لسوريا الجديدة
في حديث مع الدبلوماسي السوري السابق المقيم في واشنطن بسام بربندي يقول "إن خطاب الرئيس أحمد الشرع المتوقع في الأمم المتحدة ضمن مشاركته باجتماعات الجمعية العامة، في الـ24 من سبتمبر (أيلول) المقبل، شهادة ميلاد جديدة لسوريا الجديدة. والاتفاق المرحلي بانتظار التسوية النهائية، وملامحه المتوقعة، إنهاء عملي ونهائي لخطاب العداوة، وتعطيل كافة القوانين المتعلقة بذلك، وتنسيق مباشر، وتبادل معلومات أمنية واستخباراتية".
ويتابع "أما بخصوص الجنوب، فسيجري تثبيت الوضع القائم، مع مراقبة أمنية، ومنع أي ميليشيات أو مظاهر عسكرية، وصلاحيات أمنية إسرائيلية، وانتشار أمني سوري محدود ومنسق. وبخصوص السويداء، هناك ضمانات أمنية، وإدارة محلية انتقالية، وحدود داخلية إدارية جديدة، وأجهزة أمنية متفق عليها، وممر آمن للتواصل، ومشاريع اقتصادية بدعم أميركي - إسرائيلي، وتواصل مباشر مع إسرائيل والمكون الدرزي"، بالتالي "بدء مفاوضات للحل الشامل، ترسيم حدود (الجولان)، وتطبيع سياسي اقتصادي أمني، ومشاريع مشتركة".
ويشير الدبلوماسي بربندي أن أي اتفاق ممكن أن يحصل بين سوريا وإسرائيل، وبخاصة من الناحية الأمنية، سيترافق مع طلب من نواب في مجلس النواب الأميركي، إضافة فقرة في موازنة وزارة الدفاع للعام المقبل تنص على تقديم إحاطة للمجلس حول إمكان عقد شراكة دفاعية بين أميركا وسوريا مع إضافة مصطلح (حكومة سورية) ليعكس الاعتراف الأميركي بشرعية حكومة دمشق بعد سقوط الأسد ونظامه".
ممرات سورية - سورية
وبالعودة إلى المصدر من مكتب الشيخ طريف، فيشرح أن الحديث عن ممر آمن وبعد استبعاد ممر الأردن يبقى هناك ممران على أرض الواقع، وهما داخل الأراضي السورية حصراً، مقترح المسار الأول يمر من منطقة حضر قرب جبل الشيخ، إلى الغوطة فدمشق، ليصل إلى السويداء، والمقترح الثاني مسار ينطلق من جنوب محافظة القنيطرة ويمر جنوب درعا ومن هناك إلى السويداء.
ولكن يبقى الخطر موجود من عمليات أمنية قد تحصل على الطرقات، لذا يبقى ضرورياً الاعتماد على الضمانات الأميركية، كجهة دولية ضامنة، والتزام حكومة دمشق تأمين هذا الممر، فيما تقول تقارير إن واشنطن بدأت فعلياً، بدراسة كيفية فتح الممر، بانتظار موافقة الحكومة السورية.
البعد السياسي... السيادة والاعتراف الضمني
في الخلاصة، وحتى إشعار آخر، يبقى ممر الجولان – السويداء، أقرب إلى ورقة ضغط إعلامية منه إلى مشروع قابل للتنفيذ، فجغرافياً مساره محفوف بالأخطار ويمر في بيئة رافضة، وقانونياً يصطدم بسيادة دمشق، وسياسياً تفضل باريس وواشنطن اليوم تثبيت وقف النار وترتيب مسارات داخلية وآليات مراقبة جنوبية أو إحياء خطوط 1974، بدلاً من مغامرة حدودية عالية الكلفة.
وتضيف زيارة الشيخ طريف إلى باريس وزناً رمزياً ودعائياً لقضية السويداء وتبقي الملف على الطاولة، لكنها لم تحول الممر إلى واقع متفق عليه.
ومن المنطقي، في هذه اللحظة، أن يكون التركيز على ما يحدث محلياً في السويداء، وأثر ذلك في بناء الدولة السورية الجديدة، أكثر أهمية من متابعة سيناريو سياسي لم يعلن عنه أو يعتمد بعد. كما أن فتح ممر من إسرائيل نحو السويداء يعطي انطباعاً بأن السويداء مرتبطة مباشرة بتل أبيب أكثر من ارتباطها بدمشق. وهذا يشكل اعترافاً ضمنياً بشرعية إسرائيل، وهو أمر لا تستطيع دمشق القبول به حتى اللحظة، كما أن فتح ممر كهذا سيفسر داخلياً وخارجياً كـهزيمة سياسية تضرب كل خطاب السيادة.
سابقة دولية قد تجر حالات أخرى
أضف إلى ذلك حصول مثل هذا الأمر هو سابقة دولية، وإذا فتح ممر إنساني واحد من دولة معادية نحو منطقة سورية، فهذا قد يفتح الباب لممرات أخرى، تركيا نحو الشمال الكردي، أو الأردن نحو الجنوب.
وتعتبر دمشق أن كل المساعدات يجب أن تمر عبرها حصراً، لتبقى هي المرجعية الوحيدة أمام المجتمع الدولي. والسماح باستثناء درزي – درزي سيعني اعترافاً بحقوق خاصة للأقليات بتجاوز الدولة المركزية.
أضف إلى أن النظام يخشى أن يتحول الممر إلى خط إمداد عسكري وليس فقط إغاثياً، وإدخال سلاح، واتصالات، وأموال، وربما كوادر تنظيمية. كذلك هناك قلق من أن يصبح الممر حبلاً سرياً يربط السويداء بالداخل الإسرائيلي – الدروز هناك، مما يعزز خطاب الحكم الذاتي أو الانفصال. وفي نظر دمشق، أي دعم مباشر من إسرائيل للدروز في السويداء سيخلق "كانتوناً" خارج السيطرة.
الممر الإنساني الدرزي – الدرزي يبدو إنسانياً في العنوان، لكنه مستحيل سياسياً وأمنياً في الظرف الحالي، فجغرافياً لا يمكن تأمينه، وسياسياً يعني اعترافاً ضمنياً بشرعية إسرائيل، واستراتيجياً يهدد دمشق بمزيد من الكانتونات المنفصلة، وربما يقلق وروسيا من إضعاف نفوذها في الجنوب السوري.