ملخص
صدر حديثاً ديوانان شعريان، هما "مدائن الغواية" للسعودية عبير العلي، و"وقت إضافي يصل فجأة" للبنانية رنيم ضاهر. تراهن الشاعرتان على انفلات الرؤية والتخييل والتعبير، والاحتفاء بالمراوغة والصدمة وتفجير الهامش، للوصول بالنصوص المتشظية إلى آفاق مشحونة بالتحرر اللغوي والإنساني.
تظل القصيدة الجديدة مضماراً رحباً تهرول فيه التساؤلات الهاربة من إجاباتها، والروح المستغيثة من قلقها، والجسد المتفتت من عطشه وإنهاكه. وفي عالم خرساني متصحر زائف زائل، لا تتخلى القصيدة عن تجاربها في تفعيل حيويتها الكائنة والممكنة والمحتملة، من أجل تخليق تفجيري يواجه الموات، وإرباك يتحدى الاستقرار، وحراك يهز مشاهد السكون والجمود.
تتعاطى الحساسية الشعرية الجديدة لدى أحدث أجيال الشاعرات العربيات بوعي فائق مع كينونة الذات، وطبيعة اللحظة الحالية التي تحاصر تلك الذات باختناقات تكاد تلغي الوجود، ولا تترك سوى منافذ ضئيلة للهامش والاستثناء. تبحر القصيدة، بجموح المرأة ورهافتها وتمردها على سلطة المركز، ضد كل تيار يقيني، منتجة غوايتها ومباغتاتها ومفاجآتها وفوضاها ونثاراتها، ومطلقة طيور الدهشة في الأمكنة البديلة التي تحل محل العالم، وفي الأوقات الإضافية وغير الاعتيادية التي تسطر مفهوماً مغايراً لخط الزمن.
من هذه المجموعات الشعرية الجديدة، التي تؤسس انزياحاتها الخاصة في التصور والمعالجة الفنية وكسر أفق التوقع وإحداث الهزات النفسية والشعورية واللغوية والتخييلية، ديوان "مدائن الغواية" للشاعرة السعودية عبير العلي، الصادر عن دار "أثر" للنشر والتوزيع، وديوان "وقت إضافي يصل فجأة" للشاعرة اللبنانية رنيم ضاهر، الصادر عن "دار النهضة العربية".
مدائن الغواية
في ديوانها "مدائن الغواية"، تحقق الشاعرة السعودية عبير العلي ما يمكن تسميته بعشوائية النص الحيوي، المتداعي تداعياً حراً انسيابياً، في مقابل هندسة الموات التي تتجلى في كل نظام على وجه البسيطة، لا سيما النظام العمراني الذي يحكم مدن الملوحة والأسمنت والأبنية المتراصة ككتل صماء غير مؤهلة لاحتواء الأنفاس البشرية الساخنة. تلك هي مدن للوجع وللرحيل، وليست للاطمئنان ولا للسكنى، فهل يمكنها أن تجود ولو حتى بأرصفة؟ "تحتاج إلى مدينة تتغاضى عن وقع خطاك القديمة، وتقدم لك أرصفة تستوعب توقك".
تعد الشاعرة مائدتها الإنسانية والإبداعية الخاصة، "رافعة طرف ثوب العقل، راكضة باتجاه الحروف، حافية اليقين، صارخة الذهول". تستدعي تولستوي ليشاركها خطورة اللغة وفتنتها، والتقاء جنون الشعر وإغواء الأنثى، وتستعيد طاغور في نشدانه الخلاص فحسب، على رغم خجله مما يتمناه. تتقصى الأضواء الخافتة كأشباح سقطت سهواً من السماء، وتلهث خلف دخان بلا سجائر أصبح كالغيوم. لا فكاك من الترتيب والرتابة وفخاخ المدائن المنصوبة في كل حدب وصوب سوى بالاستقلالية والمبادرة، وربما بزراعة الفوضى المدهشة كأعشاب شيطانية أو كثمرات ملغومة داخل الضمير "أشد فوضى مشاعري إلى سارية في أقصى الروح، لأستمتع ببجرك يا سندبادي وأطرب".
تنتصر عبير العلي للعمق الإنساني الجوهري، لتضع به حداً للخواء والتسطيح في الحضارات المدنية الجوفاء. تتلمس الدفء في وهج شمعة بدائية، عساه أن يبدد شيئاً من الوحشة والضيعة والاغتراب والانتظار العبثي "دهراً على صخرة الشتات، بقيت أجدل ضفائر شغفي، وأنتظر هذا الصمت أن يكسر قانون الهجر وينطق". ولا تغفل الذات الشاعرة / الأنثى، مناداة شريك محتمل، على الحافة أو في المجهول، فلربما بوسعه أن يمنحها بعض إشعاعات سحرية مؤثرة "لن أخشى قسوة الشتاء، وغابات هواك تدثرني".
وقت إضافي
وفي مجموعتها الشعرية "وقت إضافي يصل فجأة"، تنطلق الشاعرة اللبنانية رنيم ضاهر في هامشها الخاص، محدثة مباغتاتها وصدماتها بمنأى عن الصيغ المألوفة. فالجسد ليس كتلة، ولكنه "ممر خلفي إلى حديقة ما"، والعالم كله من حولها ليست فيه ذرة من تماسك، والزمن لم يعد فيه وقت أصلي. فلتكن التجربة من خلال التحلل والتشظي وممارسة اللعب المتهور في الوقت الإضافي الذي يصل فجأة، ويتسرب بلا جرس إنذار، أو في الوقت الذي يلي الموت "أشق بجناحي ملاك، هواء ما بعد الموت / أتنشق صمتاً مهيباً، فيغدو السحاب ساخناً، كمقعد عجوز / أهبط فوق الأنقاض، بريش منسدل، ومنقار مخلع".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تنسج الشاعرة خيالها التصويري المفاجئ دائماً كمفاجآت الوجود الحقيقي من حولها، ومغامرات الوجود الآخر الافتراضي الذي تبتدعه. ويوازي هذا الخيال المتمرد قناعتها بضرورة التغيير الجذري الناسف، والتزحلق بقوة فوق الثوابت، وتحطيم كل ما هو معلب، على مستوى الكلمات ومستوى الفعل في آن، كما في قصيدتها التي تحمل اسم الإيراني صادق هدايت صاحب رواية "البومة العمياء": "هل تذكر تلك العمياء كيف انتحرت، برمي ظلها من أعلى، بعد وهب جناحيها، لحاويات المدينة، المتنكرة بالملاءات السوداء؟".
تستحضر رنيم ضاهر أيضاً مخيلة سيلفيا بلاث الصاخبة، وهي تستحم في الحديقة بعد أن علمها المطر "أكثر من طريقة لائقة للغرق". وتبحر في نص آخر مع نيتشه، لتسأله من دون أن تنتظر إجابة بالتأكيد، إن كان قد واجه الكنيسة في القبر، كما كان يفعل هنا، وتدعوه إلى محاولة أن يموت من جديد كي يواجه المجاعة الفكرية القادمة. تخاطب الشاعرة هؤلاء الغائبين، وغيرهم، أملاً في أن يمنحوها صوتاً إضافياً، فلا صوتها ولا أي صوت عموماً بات يتسع للمشردين خارج الخريطة، والمحذوفين من المتن. وتبقى التساؤلات المعلقة أثمن من إجاباتها التي لا وجود لها أو المشكوك في صحتها وجدواها "كثرت علامات الاستفهام في حياتي / النقاط أسفلها، ورطتني بإجابات متخاذلة".