ملخص
لعب رئيس الوزراء البريطاني دوراً محورياً في توحيد أوروبا خلف أوكرانيا ومنع ترمب من التخلي عنها، وحقق إنجازات ملموسة في التفاهمات مع واشنطن وباريس، لكن الناخبين البريطانيين لم يمنحوه أي تقدير. فمن دون معالجة أزمات الداخل، من الهجرة إلى الخدمات العامة، ستظل دبلوماسيته الناجحة بلا رصيد سياسي.
في نهاية المطاف، غالباً ما يجد جميع رؤساء الوزراء أنفسهم يقومون بدور وزير الخارجية في حكومتهم. وكير ستارمر لم يكن استثناءً لهذه القاعدة. لكن على رغم نجاحه المتواضع في الشؤون الخارجية، فإنه لم ينل أي تقدير عليه من الناخبين البريطانيين.
فقد أسهم في دفع أوروبا إلى الوقوف خلف أوكرانيا ومساندتها، وهو جهد انعكس في القمة غير المكتملة التي جمعت الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا. وفي حين أن هذا اللقاء لم يتوصل إلى وضع حد للحرب في أوكرانيا، إلا أنه حال دون أن يتخلى ترمب عن الشعب الأوكراني كما كان لوح بذلك خلال وقت سابق.
وفيما يبدو صعباً قياس مدى أهمية الإسهامات الأوروبية - بما فيها البريطانية - في الحفاظ على هذا الموقف، إلا أن المكالمة الهاتفية الجماعية التي أجراها دونالد ترمب مع القادة الأوروبيين الأربعاء الماضي، بدت نقطة تحول بالغة الأهمية. فقد طغى على الإحاطات الأوروبية اللاحقة شعور بالبهجة، إذ تبين أن الرئيس الأميركي أقر بأن السلام بشروط فلاديمير بوتين هو غير مقبول، وأن بوتين نفسه هو العقبة أمام التوصل إلى تسوية عادلة.
اضطلع كير ستارمر في الواقع بدور مفاجئ في تنسيق هذه الوحدة الأوروبية. والمفارقة اللافتة أن كثراً من الذين طالبوا ببقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، كانوا يعتقدون أن الخروج سيضعف مكانة بلادهم على الساحة العالمية. مع ذلك، أثبتت دبلوماسية ستارمر أن بريطانيا يمكن أن تكون أكثر مرونة وإبداعاً وحزماً خارج الاتحاد الأوروبي، بما يبرر رؤية مؤيدي مغادرة المملكة للكتلة.
وبالتحديد لأن بريطانيا لم تعد عضواً في الاتحاد الأوروبي، استطاع كير ستارمر تجاوز الانقسامات الأوروبية عبر تشكيل "ائتلاف الراغبين" Coalition of the Willing الخاص به، للتعبير عن التضامن مع أوكرانيا، مدعوماً بخطط لزيادة (بعض) مستويات الإنفاق الدفاعي الأوروبي.
تمكن كير ستارمر من ذلك بفضل الدعم القوي الذي يقدمه الشعب البريطاني للقضية الأوكرانية، مما أتاح له تجاوز العقبتين المحتملتين أمام تحويل هذا الدعم إلى خطوات عملية وملموسة.
حافظ البريطانيون - كما أظهرت نتائج كثير من استطلاعات الرأي - على دعمهم الثابت لأوكرانيا، حتى بدأت الكلفة المالية تثقل كاهلهم بمبالغ طائلة. فاستقبال نحو 200 ألف لاجئ كان أمراً مقبولاً، أما فرض ضرائب أعلى لتمويل المجهود الحربي في أوكرانيا، فكان الرد عليه ببساطة "لا، شكراً (ni, dyakuyu بالأوكرانية)".
لحسن الحظ، وجدت وزيرة الخزانة البريطانية رايتشل ريفز طريقة بلا كلفة انتخابية تذكر لزيادة الإنفاق الدفاعي، وذلك ببساطة من طريق تحويل الأموال من أكثر بنود الموازنة كراهية لدى الناخب البريطاني، وهو بند المساعدات الخارجية. ويكشف الصمت شبه التام منذ الإعلان عن هذه الخطوة خلال شهر مارس (آذار) الماضي، عن أن الإنجاز التقدمي الكبير الذي حققه رئيسا الوزراء السابقان توني بلير وديفيد كاميرون لجهة الوفاء بهدف الأمم المتحدة للإنفاق على المساعدات الخارجية، لم يكن محط اهتمام عام، ولم يكترث به أحد تقريباً.
من المسائل الأخرى التي تعوق دعم المملكة المتحدة لأوكرانيا، فكرة إرسال قوات بريطانية للمساعدة في صد عدوان فلاديمير بوتين. هذا الخيار كان خارج الحسابات بالنسبة إلى جميع حلفاء أوكرانيا: ففي حين نحن على استعداد لتقديم الأسلحة والمال للأوكرانيين، إلا أن عليهم أن يتولوا هم بأنفسهم زمام القتال. ومع ذلك، يوفر الدعم الكبير من جانب الرأي العام البريطاني لستارمر مساحة لمناقشة احتمال نشر قوات بريطانية لردع أي عدوان روسي مستقبلي في حال التوصل إلى اتفاق سلام. وعلى رغم عدم وضوح طريقة تنفيذ ذلك أو نجاحه، فقد أسهم هذا النقاش في تسليط الضوء على السؤال الأكثر تعقيداً: من سيضمن أية تسوية، وكيف ستطبق؟
كان الأمر الأكثر إثارة للدهشة في تصريحات ترمب عقب قمة ألاسكا - ناهيك بوصفه مارك روته بـ"الأمين العام المحترم لـ’حلف شمال الأطلسي‘" - هو إعلانه أن الولايات المتحدة ستقدم "ضمانات أمنية قوية" لدعم أوكرانيا.
وبالنظر إلى كل ما كان يمكن أن تؤول إليه القمة من نتائج سلبية، في ظل اقتناع الرئيس الأميركي بأن الأوكرانيين هم الذين جلبوا المأساة إلى أنفسهم، وازدرائه "حلف الأطلسي"، وسعيه المحموم إلى نيل "جائزة نوبل للسلام" بأي ثمن، يمكن القول إن القمة خرجت بنتائج مقبولة. وفي هذا السياق، يحسب لكير ستارمر جزء من الفضل بصفته زعيماً لدولة تعد حليفاً رئيساً لأوكرانيا وخصماً مباشراً للعدوان.
لكن هذا يكشف أيضاً عن حد آخر لتعاطف الشعب البريطاني مع القضية الأوكرانية: فهم لا يميلون إلى مكافأة زعيمهم لمجرد ترجمة مشاعرهم إلى مواقف عملية على الساحة الدولية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الأمر نفسه ينطبق على المفاوضات التي أجراها ستارمر مع الرئيس الأميركي في ما يتعلق بالرسوم الجمركية، التي أثمرت اتفاقاً للمملكة المتحدة يفوق في مزاياه ما حصلت عليه أية دولة أخرى في العالم، من دون أن يحظى رئيس الوزراء مقابل ذلك بأية إشادة.
بالمثل، لم يُحتسب له الفضل في الاتفاق الذي توصل إليه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والذي سمحت فرنسا بموجبه بإعادة بعض المهاجرين الذين يعبرون "القنال الإنجليزي" في قوارب صغيرة. فإعجابي بمهارة ستارمر في انتزاع هذا التنازل، تبدد أمام واقع أن معظم البريطانيين ينظرون بامتعاض إلى استمرار تدفق القوارب. فالرأي العام ضاق ذرعاً بهذه القضية، ولا يبدو مستعداً لانتظار عام أو أكثر لمعرفة ما إذا كان بالإمكان رفع أعداد الأفراد الذين يُعادون، إلى مستوى يشكل رادعاً فعلياً لهم.
أتذكر هنا انتخابات البرلمان الأوروبي التي أجريت عام 1999، عندما أنقذ توني بلير مسلمي كوسوفو من التهجير على يد الديكتاتور الصربي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش. فقد كانت لحظة بارزة من القيادة الأخلاقية التي أقنع خلالها بلير "حلف شمال الأطلسي" المنقسم، والرئيس الأميركي آنذاك بيل كلينتون - على رغم تردده - بالتصدي للاضطهاد العرقي. وتوج ذلك بنجاح باهر. لكن ذلك النجاح لم يمنحه سوى 15 دقيقة من المديح في الصحف الشعبية، سرعان ما عقبتها شكاوى يومية عن ازدحام الطرقات وتأخر مواعيد القطارات. وفي الانتخابات الأوروبية التي حصلت يوم انسحاب القوات الصربية من الإقليم، كان أداء حزب "العمال" كارثياً للغاية.
تذكرت تلك المرحلة عندما قرأت في صحيفة "تايمز" تصريحاً منسوباً إلى "مصدر حكومي"، جاء فيه أن "الحرب العالمية الثالثة تندلع دولياً، ومن غير المعقول أن يتوقع الناس من كير ستارمر أن يهتم بالحفر في الطرقات".
إن ذلك خطأ فادح. فالقيادة الدولية أمر مهم، لكن ما لم يتمكن ستارمر من إصلاح الأزمات في الداخل - سواء كانت الحفر في الطرقات، أو القوارب في مياه القنال - فلن يكون لها أية قيمة في نظر الناخبين.
© The Independent