ملخص
تتصاعد دعوات ومطالبات مصرية بالعودة إلى الهوية المصرية، والتي تبدأ بمعرفة الحضارية المصرية القديمة بحقبها المختلفة، التي لا تقتصر على الغزوات الإسلامية فقط. ويذهب بعضها إلى درجة المبالغة أو الإفراط في فصل مصر عن هوياتها الأخرى مثل الإسلامية والعربية.
انتشر مقطع فيديو على منصات الـ"سوشيال ميديا" لعدد ضخم من الشباب والشابات يجلسون في مكان مفتوح ويتعلمون مبادئ "اللغة الهيروغليفية". التعليق المصاحب للفيديو من قبل الصفحة الأصلية التي نشرته مفاده أن للمرة الأولى، تشهد دورة تدريبية لتعلم اللغة المصرية القديمة هذا الاهتمام والحضور، وأن هذا يعني أن المصريين، لا سيما الشباب أدركوا أهمية الهوية المصرية، والتعرف إلى تاريخهم، وجزء لا يتجزأ من هذه المعرفة تعلم اللغة.
آخرون شاركوا الفيديو مضيفين تعليقات مختلفة معظمها يعكس فرحة وفخراً بهذه "الصحوة المصرية الشبابية"، مع إشارات إلى أن النصف قرن الماضي ويزيد شهد تراجعاً في تمسك البعض بالهوية المصرية لمصلحة ثقافات وهويات أخرى، وأنه حان وقت "الصحوة المصرية".
"روعة الأجواء وكارثيتها"
سادت أجواء عدها البعض رائعة، إذ حماسة بالغة ومطالبات بأن يتم تعميم هذه الدورات الدراسية في محافظات مصر، وعمل برنامج تلفزيوني أسبوعي على غرار البرامج التعليمية لتعلم "الهيروغليفية". وذهب البعض إلى المطالبة بأن تكون الهيروغليفية مادة تدرس في المرحلتين الإعدادية والثانوية لاستعادة روح مصر وحضارتها وهويتها.
وعلى رغم أن الهيروغليفية ليست لغة، بل أربعة خطوط كتبت بها اللغة المصرية القديمة التي كانت تكتب بخطوط مختلفة مثل النسخ والرقعة والديواني والفارسي وغيرها من الخطوط المستخدمة في كتابة اللغة العربية، فإن هاشتاغات انتشرت على طرفي نقيض هما: روعة الهيروغليفية، القرآن لا الهيروغليفية.
ما هي إلا دقائق معدودة، حتى انتشر الفيديو، ليلقى رواجاً كبيراً واهتماماً بالغين، وطوفاناً من التعليقات التي تحول بعضها إلى مشاحنات تلونت بألوان الشد الديني والجذب الثقافي. وتحول الجدل إلى ما يشبه الكارثة.
وبدلاً من معرفة مزيد عن هذه الدورات، وطريقة الاشتراك، وأماكنها، وهل هي متاحة "أون لاين" وغيرها، تحولت المسألة إلى صراع بين فريقي: الهوية المصرية والعودة إلى الجذور والتعرف إلى التاريخ وإزالة الأتربة من على الحضارة، والهوية الدينية المعذبة والمعرضة لخطر إفساح الطريق أمام "لغات ميتة"، و"عبدة أصنام"، و"علم لا ينفع".
"حرب التعليقات"
حرب التعليقات المتراشقة فتحت صفحة جديدة من صفحات "الصراع على الهوية"، وهو صراع قديم قدم المد الديني الذي بدأ في سبعينيات القرن الماضي، وترك ليأتي على أخضر الثقافة ويابس الهوية، وقدم نفسه وكأنه هوية جديدة تلغي كل الهويات، فإما المصري مسلم متدين، أو غير مسلم أو جاحد أو كافر.
هذه الصفحة تنثر محتوياتها بين الوقت والآخر، متغذية حيناً على نمو تيار الإسلام السياسي وجماعاته المختلفة وأبرزها "الإخوان المسلمون"، ومستثمرة حيناً في الدق على أوتار الانتماء للدين ولا شيء إلا الدين، وتأنيب ضمير راغبي الانتماء إلى أكثر من أصل باعتبارهم يقللون من شأن الدين، ومزدهرة ومنتعشة على طول الخط بفعل اتفاق ضمني غير معلن بين الدولة وجماعات دينية على مدار عقود بأن السياسة للأولى والشارع للأخيرة، وأضيف إليها في العقد الماضي فشل أو تعثر أو تعقد أو تأجيل أو انتصار "محور المقاومة" في مطالبات تحديث الخطاب الديني.
تعارض اللغة والدين
لسبب ما يرى قطاع من المصريين أن تعلم اللغة المصرية القديمة يتعارض والدين والتدين. بين فقه الأولويات، حيث الأولوية الأولى والثانية والأخيرة يجب أن تكون للدين، ولا شيء غير الدين. وإن تبقى وقت أو جهد أو مال لدى الشخص، فيوجهها لمزيد من تعلم الدين.
"عودة إلى الجاهلية الأولى" "جهود الماسونية تنجح في هز ثقة المصريين في دينهم" "أتتركون لغة القرآن وتتجهون إلى لغة الأصنام؟" "وما الذي يفيدنا من تعلم لغة ميتة؟ اللغة الوحيدة الحية وستبقى كذلك إلى أبد الآبدين هي لغة القرآن الكريم" "هذا مخطط لنسف ديننا وبيع نسائنا وكشف عوراتنا".
وتمضي التعليقات المصدومة والغاضبة والرافضة لمجرد وجود دورات تدريبية "اختيارية" لمن يرغب في تعلم اللغة المصرية القديمة، فهرع البعض لتعضيد غضبه، وإضفاء هالة من المرجعية الدينية عليه. ونشر أحدهم نص "فتوى" منسوبة لموقع "إسلامي" شهير، لا علاقة له بدار الإفتاء. يقول نص الفتوى رداً على سؤال حول تدريس مادة التاريخ وبها تاريخ "الفراعنة الكفار" وغيرهم من مظاهر تحريف التاريخ، "تحريف التاريخ كذب وزور، وقد حرم الله الكذب وجعله منافياً لصفات المؤمن. وأما تدريس مادة التاريخ فلا حرج فيه ولو أدى ذلك إلى تدريس تاريخ الفراعنة الكفار، فتاريخ الأمم السابقة، وأخبار الفراعنة وقصص الجبابرة والطغاة، فقد امتلأت بها سور القرآن الكريم وأحاديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسير صحابته، رضي الله عنهم، وليس يلزم من تدريس تاريخ الفراعنة أن يدرس محرفاً، ولكن يجب على المدرس أن يبين أن هؤلاء القوم إنما أهلكوا بسبب ذنوبهم وبعدهم عن منهج الله، كما يجب عليه ألا يمجدهم وألا يعلي من شأنهم فهم كالأنعام بل هم أضل".
"رفض" الحضارة
مثل هذه الآراء التي يعتنقها رافضو كل مظاهر الحضارة المصرية القديمة، وناكرو دورها، والناقمون على مكانتها في التاريخ الإنساني تعبر عن فئة نشأت على كراهية هذا الجزء من التاريخ، ضمن منابع أخرى للكراهية، مثل الأديان والحضارات الأخرى، واعتبارها في علاقة متضاربة مع الدين والتدين.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما قاله الناطق باسم الدعوة السلفية في مصر عبدالمنعم الشحات عام 2012، عام صعود جماعة الإخوان المسلمين إلى حكم مصر، وبسط سطوة التيارات والجماعات الإسلامية في الحياة السياسية والعامة بصورة واضحة وصريحة وصارخة، من إن الحضارة المصرية القديمة "عفنة"، وذلك "لصعوبة تطبيق الشريعة الإسلامية آنذاك"! وأشار إلى أن صور "المصريين القدماء العراة ليست مدعاة للفخر لأنها كفر".
ومنذ صعود تيار الإسلام السياسي إلى الحكم، وسطوته على الشارع في أعقاب أحداث يناير (كانون الأول) عام 2011، وقع عدد من حوادث تحطيم أو تشويه أو تغطية تماثيل، بحجة إنها "أصنام" أو استناداً إلى "حرمانيتها". وأشهر هذه الحوادث كان اعتداء على تمثالي سيدة الغناء العربي أم كلثوم، إذ تم وضع نقاب على وجهها، وعميد الأدب العربي طه حسين، وكلاهما، إضافة إلى شخصيات أدبية وفكرية مثل نجيب محفوظ وفرج فودة ويوسف زيدان ونصر حامد أبوزيد، يشكلون بؤرة قلق وسبباً للعداء وصل بعضه إلى درجة رفع دعاوى الحسبة والاغتيال.
أقصى درجات "البحبوحة"
أقصى درجات التسامح والبحبوحة والقبول التي صدرت من التيارات السلفية في أعقاب أحداث عام 2011 كان التعبير عن احترام الحضارة المصرية القديمة، باعتبارها حقبة من تاريخ مصر فيها ثراء، لكن مع رفض تام لدعوات العودة إليها كهوية للبلاد، حيث الهوية الوحيدة هي الإسلامية.
في المقابل، تتصاعد دعوات ومطالبات مصرية بالعودة إلى الهوية المصرية، والتي تبدأ بمعرفة الحضارية المصرية القديمة بحقبها المختلفة، التي لا تقتصر على الغزوات الإسلامية فقط. ويذهب بعضها إلى درجة المبالغة أو الإفراط في فصل مصر عن هوياتها الأخرى مثل الإسلامية والعربية. وغالب الظن أن بزوغ هذه التوجهات والمطالبات هو رد فعل لما يصفه البعض بتديين الدولة وسطوة الإسلاميين وهيمنة الفكر الديني على المدني وتوغل دور رجال الدين في الحياة العامة من تعليم وثقافة وسياسة وغيرها.
على سبيل المثال، ظهر قبل سنوات قليلة ما يعرف بـ"تيار كيميت"، ويعرفه القائمون عليه بأنه يستمد أفكاره من الحضارة المصرية القديمة، ويهدف إلى ترسيخ قواعد القومية المصرية بدلاً من العربية أو الإسلامية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حضور التيار يكاد يكون مقتصراً على الأثير الافتراضي، حيث لا وجود لأسماء أشخاص بأعينهم، فقط تدوينات وأفكار يحمل جميعها عداء للتيارات الإسلامية واليسارية وبقايا القومية العربية، لا سيما اليسارية.
يشار أن "كيميت" هو الاسم الذي أطلقه المصريون القدماء على وطنهم، ويشير إلى التربة الخصبة الداكنة المتكونة على ضفتي نهر النيل.
اللافت إن أية دعوة تطالب برفع راية الهوية المصرية، سواء على حساب العربية والإسلامية، أو إضافة لهما، تقابل بموجة عاتية من الرفض والتنديد، وأحياناً السب والاتهام بالعمالة والخيانة وما هو أكثر.
طرفا نقيض
والطريف أن هذا الرفض العاتي يجتمع عليه طرفا نقيض هما: أنصار الإسلام السياسي ومعهم من يعدون أن التدين الحق يناقض التاريخ والحضارة. صراع الهويات، أو الادعاء أو التظاهر بأن هناك صراعاً على الهويات في مصر حلله المتخصص في مجال العلوم السياسية محمد كمال في مقال عنوانه "الحرب على الهوية المصرية" (2014). كتب "الهجوم على الهوية المصرية مستمر منذ سنوات، وظهرت ملامحه في الجهود التي بذلت لتغيير السلوكيات المعتدلة للمصريين المرتبطة بحضارة وادي النيل، واستبدالها بسلوكيات متطرفة ومتشددة نابعة من بيئات ذات طبيعة مختلفة. مصر أقدم دولة قومية في المنطقة، بمعنى أنها كيان عاش سكانه في النطاق الجغرافي نفسه وتحت سيادة دولة مركزية لأكثر من 5 آلاف عام. ونشأت في إطارها حضارة وهوية مصرية على قدر كبير من التجانس، واستطاعت أن تستوعب في وعائها العميق ثقافات وأدياناً كثيرة، كان آخرها العروبة والإسلام، ومن دون أن تتخلى عن هويتها الذاتية".
وأشار كمال إلى أنه على رغم اندماج هذه الهويات المختلفة وتناغمها على مر العقود، فإن هناك من يسعى إلى الترويج لصراع الهوية في مصر. وأشار إلى أن هؤلاء هم المنتمون لتيار الإسلام السياسي، والمستندون إلى أفكار حسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين، وسيد قطب منظر الجماعة. وقال إنه هذه الأفكار قائمة على تبنى الهوية الدينية كبديل للهوية الوطنية، ورفض فكرة الدولة القومية القائمة على مفهوم السيادة والمصلحة الوطنية، أو تنظر إليها على أنها مجرد مرحلة انتقالية للوصول إلى النظام الإسلامي العالمي العابر للحدود، الذي ينظر للولاء الوطني على أنه مخالف للعقيدة.
وقت كتابة تلك السطور عام 2014، الذي شهد تقارب وتلاصق الإخوان والسلفيين في مصر في محاولة مريرة لاستعادة حكم الدول الدينية في أعقاب أحداث عام 2013، أشار كمال إلى التوافق بين الإخوان والسلفيين في محاربتهم للهوية المصرية، محذراً من أن الصراع معهما ليس مجرد اختلاف حول شرعية الحاكم أو التوجهات الاقتصادية والسياسية للنظام، ولكنه صراع على استمرارية الوطن والدولة المصرية، صراع على ثقافة وهوية المصريين.
يشار إلى أنه انتشرت في مصر في الأعوام القليلة الماضية، ولكن من دون إشهار لافت أو إعلان واضح ظاهرة الدورات والندوات والمحاضرات حول الحضارة المصرية القديمة. وتشهد إقبالاً لافتاً من قبل مصريين ومصريات من مختلف الفئات العمرية، ولكن يلاحظ غلبة الشباب.
مثلاً، مكتبة الإسكندرية خصصت جانباً من موقعها لتعلم قواعد اللغة المصرية القديمة للمبتدئين، والكتابة الهيروغليفية. كما تنظم كليات السياحة والفنادق والآثار دورات لتعلم اللغة القديمة للراغبين.
والغريب أن حتى التنويه عن هذه الدورات على منصات الـ"سوشيال ميديا" لا ينجو من اتهامات المعلقين "المتدينين" حيث "الأفضل تعلم القرآن وتدريس السنة"، وكذلك البعض من أصحاب الفكر القومي العربي الذي يعد صحوة الحضارة المصرية انتكاسة للقومية العربية.
ويستمر فيديو الحضور الهائل لشباب وشابات في دورة تعلك اللغة المصرية القديمة يحصد ملايين المشاهدات ويستنفر آلاف التعليقات المدافعة عن الدين من خطر الاندثار والقومية العربية من مخطط الانتحار، والمتسائلة عن موعد التدريب وقيمة الاشتراك.
الطريف أن سيدة مصرية كتبت تعليقاً على فيديو تعلم اللغة المصرية القديمة مفاده أنها وزوجها يعشقان الحضارة المصرية القديمة، لدرجة أنهما أطلقا أسماء "إيزيس" و"ميريت" و"آمون" على أبنائهما. فما كان إلا أن هرعت "أم حور وأبرار وفرقان" (اسم المستخدمة) لترد عليها محذرة إياها مما تفعله وزوجها من انصراف عن الدين وتدمير للهوية. ودعتها إلى مراجعة أسماء أبنائها لأنها "حرام شرعاً"، وأرفقت تعليقها برد من شيخ أزهري على سؤال حول رأي الدين في إطلاق أسماء فرعونية على الأبناء. ملخص ما قاله الشيخ هو أن إطلاق أسماء ملوك الفراعنة على الأطفال ليس حرام شرعاً، لأنه لا وجود لنص شرعي يحرم هذه الأسماء، إلا أنه حذر الأهل من إطلاق أسماء "شاذة" على الصغار، من شأنها أن تعصف بهويتهم العربية والإسلامية.