ملخص
تحيي اليابان اليوم الذكرى الـ80 لمأساة مدينة هيروشيما الرهيبة، ذكرى إلقاء القنبلة النووية التي أسقطتها الطائرة الأميركية عليها في صباح السادس من أغسطس (آب) 1945. ويشارك هذا العام عدد كبير وغير مسبوق من الدول، وسط ارتفاع دعوات للتخلي عن السلاح النووي الذي بات يهدد البشر تهديداً حقيقياً.
تبدو هذه الذكرى الأليمة لإلقاء القنبلة على هيروشيما في اليابان أشبه باحتفال شعبي وديني ملؤه السلام والأمل. وكالعادة في كل ذكرى، تقرع الأجراس وتطلق أسراب الحمام وتضاء القناديل في الليل... ولا يرفع خلال الاحتفال شعار ولو واحد، يستنكر هذه الجريمة الوحشية التي ارتكبتها الدولة الأميركية، ويدين أبطالها الذين سجلوا أول قصف نووي في التاريخ.
لعل السؤال المطروح في كل ذكرى، هو كيف يمكن لشعب هو الشعب الياباني أن يتناسى هذه المأساة الرهيبة ويتخطاها فيسترجعها في ذكراها وكأنها صفحة، مجرد صفحة من الماضي، طُويت إلى الأبد. أما قبة "جينباكو" التي سقطت عليها القنبلة، فجعلتها الدولة اليابانية '"مزاراً" يقصده المواطنون والسياح، لا ليتذكروا فقط الجريمة الشنعاء وإنما ليضيئوا شموع السلام الذي ما برح فكرة لن تتحقق بسهولة، في هذه الحقبة التي تشهد حروباً وحشية مثل الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والحرب التي تشنها إسرائيل على غزة وفلسطين وعمدت خلالها إلى سلاح تجويع الأطفال وكل أهل القطاع. ولا ننسى خصوصاً الحرب الرهيبة، الأهلية وغير الأهلية، التي تدور في السودان وشهدت أقصى أحوال العنف والتدمير والتجويع.
اللافت في هيروشيما أن كل ما في المدينة بات يدعو إلى السلام وإلى رفض الحروب والمحارق والمجازر... وكم أحسنت منظمة اليونيسكو في إدراج قبة "جينباكو" ضمن لائحة مواقع التراث العالمي عام 1996، بُغية صون ذاكرة المقتلة النووية الأولى وجعلها رمزاً من رموز العالم الجديد.
كم يصعب اليوم أن نتصور أن جريمة هيروشيما أمست من الماضي، مهما سعت اليابان نفسها إلى دفنها في مقبرة التاريخ، بل مهما حاولت الدولة الأميركية أن تتخلص من عقدة الذنب وعاقبة هذه اللعنة، تاريخياً وإنسانياً وأخلاقياً. مأساة هيروشيما هي مأساة البشرية كلها، إنها أحد الآثام التي شغلت القرن الـ20، قرن الحروب والثورات العلمية والتحولات الكبيرة. إنها شبيهة المحرقة النازية وجريمة الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين وسواهما. ولئن غدا الضمير الأوروبي يعيش دوماً هاجس محرقة أوشفيتزالتي، عرف اللوبي اليهودي والإسرائيلي كيف يستغلها ليحقق مآربه التاريخية، فالضمير الأميركي يبدو غير عابئ بجريمة هيروشيما، بل لعله تخلص من عواقبها، جاعلاً إياها من أخطاء التاريخ وليس من معاصيه الرهيبة. هذه جريمة حصلت في التاريخ، وهي لم ترتكب إلا لإنهاء الحرب العالمية الثانية، كما تعترف كتب التاريخ الأميركي. لكنهم يعترفون أيضاً أنهم بعد إسقاط القنبلة (سموها بوقاحة "الصبي الصغير"، ليتل بوي) أنجزوا التجربة النووية الأولى خير إنجاز، وأنهم نجحوا في مهمتهم العلمية. كانت قنبلة هيروشيما مادة اختبار، وضحاياها الذين تخطوا الـ150 ألف قتيل لم يكونوا سوى فئران مختبر، كما يُقال.
ماذا رأيتم من هيروشميا؟
يردد المهندس الياباني في نص الكاتبة الفرنسية مارغريت دوراس "هيروشيما، حبي" جملته الشهيرة موجهاً إياها إلى الممرضة "أنت لم تريْ شيئاً في هيروشيما". هذا النص البديع الذي أنجز المخرج الفرنسي الطليعي ألان رينيه انطلاقاً منه فيلماً سينمائياً رائعاً عام 1959، هو من أجمل النصوص الإبداعية التي تشهد على هول جريمة هيروشيما. وهو ما زال يقرأ بشغف نظراً إلى قوته وبعده التعبيري المشبع بجماليات العنف النووي. هذا النص ما برح أيضاً يجذب المخرجين المسرحيين على رغم مضي أعوام طويلة على كتابته، فهو يفضح بشدة الجرائم الرهيبة التي ارتكبت في الماضي وترتكب اليوم. والجملة التي يرددها فيه البطل الياباني "أنتم لم تروا شيئاً في هيروشيما". ويمكننا أن نعدلها لتصبح "أنتم لم تروا شيئاً في غزة".
كتاب آخر قد يكون أشد رهبة من نص مارغريت دوراس هو "يوميات هيروشيما" للطبيب الياباني ميشيهيكو هاشيا، ونُقل بعد صدوره عام 1955 إلى لغات كثيرة وعرف رواجاً هائلاً وطبع مراراً في سلاسل "كتب الجيب". ويروي الطبيب الذي عاش التجربة من كثب لحظة الانفجار النووي وما أعقبها من مآس وآلام وأمراض ومفاجآت سوداوية. مدينة تضم 250 ألف شخص، كما يقول لم تبق القنبلة منهم سوى 100 ألف. ويضيف إليهم ضحايا قنبلة ناغازاكي التي ألقيت بعد ثلاثة أيام وحصدت 74 ألف شخص.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في ذلك الصباح المشؤوم كان الطبيب يتمدد على الأرض، كما يروي، مرتدياً سروال الصيف، ثم أبصر "بريقاً هائلاً من نور" انبثق في لحظة ثم "لم يبق شيء". وكانت هناك مدينة، وكانت هناك بيوت وسقوف وحدائق و"لم يبق شيء". ويضيف "غريزياً، نهضت هارباً، لكن الأنقاض والحجارة المتناثرة على الأرض أعاقت طريقي". أما أغرب ما واجهه فهو سقوط سرواله عنه "لوهلة أولى اكتشفت أنني كنت عارياً تماماً. أمر غريب. كيف سقط عني سروالي الصيفي؟". ويصف الطبيب ما حدث وكأنه مشهد "أبوكاليبسي"، خرائب وحرائق وهواء حار، عطش وتقيؤ وإسهال، روائح لحم مشوي... و"الزمن لم يبق له معنى" في وسط الخواء الذي لا حدود له.
تحل الذكرى الـ80 لإلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما بينما يعيش العالم هاجس السلاح النووي بخوف وريبة، لا سيما أن هذا السلاح بات في متناول القوى الأولى والثانية، وفي قبضة "زعماء" متناحرين، لا يخشون عواقب الخراب الكبير.
أما هيروشيما المدينة التي كانت أول مختبر نووي فستظل محفورة في ذاكرة التاريخ وفي وجدان البشرية، والأهم في مخيلة الأجيال المقبلة.