Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"فيكتور فافيتش" للروسي جيتكوف... مأساة القاتل الثوري

حكاية بلا بطولة أو أبطال عدّها باسترناك أفضل ما كتب عن ثورة 1905

بوريس جيتكوف (1882 – 1938) (موسوعة الأدباء الروس)

ملخص

تدور أحداث رواية الكاتب الروسي بوريس جيتكوف "فيكتور فافيتش" في روسيا القيصرية، حيث تتقاطع المؤامرات السرية، والاغتيالات السياسية، والانقسامات الأيديولوجية داخل الحركة الثورية نفسها. غير أن الكاتب لا يهتم كثيراً بتفاصيل التخطيط والتنفيذ بقدر اهتمامه بما يسبق الفعل العنيف وما يليه: التردد، الشك، الشعور بالذنب، والتفكك الداخلي

إذا كان التاريخ الأكثر إنصافا للأدب الروائي الروسي (ولعل من الأفضل هنا أن نصفه بالسوفياتي) ينظر إلى رواية بوريس باسترناك "دكتور جيفاغو" بوصفها، وعلى الإطلاق، أفضل وأقوى رواية كتبت عن الثورة الروسية البلشفية الكبرى، ثورة عام 1917، بوصفها العمل المركزي الذي يخلد تلك الثورة ولو من موقع مليء بالتناقضات، فإن باسترناك نفسه كان ينظر إلى رواية "فيكتور فافيتش" لسلفه ومواطنه الكاتب الروسي الكبير الآخر، بوريس جيتكوف بكونها أكبر عمل أدبي روائي أنجزه قلم واع عن الثورة السابقة والممهدة للثورة البلشفية، وبالتحديد ثورة عام 1905 التي، على رغم هزيمتها، كانت حاسمة وضرورية في تمهيدها لتلك البولشفية الكبرى.

ومن هنا، ودائماً بالاستناد إلى باسترناك الذي كان يعرف حقاً عماذا يتكلم، لا سيما حين كان يردف قائلاً إن "هذه الرواية لا يمكن اعتبارها مجرد نص تاريخي" مهما بلغت عبقرية كاتبها في هذا المجال، "بل هي أكثر من ذلك، رواية مصائر وحيوات فردية مذهلة" من المدهش أن جيتكوف (1882 – 1938) انتظر حتى بلوغه الـ40 من عمره قبل أن يخط حرفاً فيها، ثم ما لبث من بعدها أن انصرف من جديد إلى كتابة القصص المسلية للفتيان والصغار وهو ما برع فيه وجنبه منزلقات الصراعات مع السلطة والرقابة والحزب خلال الأعوام الأخيرة من حياته، تلك الأعوام التي شهدت استشراس الستالينية بشكل كان من شأنه أن يسمح بظهور روايات من طينة "فيكتور فافيتش" وليس من طينة "دكتور جيفاغو" التي تأخرت عنها بأكثر من ثلث قرن على أية حال وربما لتستكملها في عمل ثنائي يتناول الثورتين.

من العدالة إلى العنف

ومهما يكن من الأمر، لا سيما من أمر ذلك البحار والمهندس الكيماوي الذي كانه جيتكوف قبل أن ينصرف إلى كتابة إبداعية كان قد تخلى عنها منذ تناسى موهبته الأدبية ليخوض الحياة العملية، يمكن النظر إلى رواية "فيكتور فافيتش" لبوريس جيتكوف (1882 – 1938) باعتبارها واحدة من أكثر النصوص الروسية قسوة وتشريحاً للمرحلة الثورية في مطلع القرن الـ20، لا لأنها تؤرخ للأحداث المتعلقة بالثورة الأولى، ثورة 1905 فحسب، بل لأنها تنفذ إلى البنية النفسية والأخلاقية للثوري حين يتحول من حامل لفكرة العدالة إلى أداة عنف لا ترى العالم إلا عبر منطق الضرورة القصوى.

بطل الرواية، فيكتور فافيتش، ليس شخصية بطولية بالمعنى الكلاسيكي، بل هو نموذج إشكالي لإنسان يعيش على حافة التناقض: يؤمن بالثورة، لكنه يشك في جدواها، يمارس العنف باسم المستقبل، لكنه يعاني وعياً أخلاقياً يطارده بلا رحمة. هنا تكمن قوة الرواية: في تحويل العمل الثوري من ملحمة جماعية إلى مأساة فردية.

وتدور أحداث هذه الرواية في روسيا القيصرية، حيث تتقاطع المؤامرات السرية، والاغتيالات السياسية، والانقسامات الأيديولوجية داخل الحركة الثورية نفسها. غير أن الكاتب لا يهتم كثيراً بتفاصيل التخطيط والتنفيذ بقدر اهتمامه بما يسبق الفعل العنيف وما يليه: التردد، الشك، الشعور بالذنب، والتفكك الداخلي. الثورة في هذا النص ليست خلاصاً، بل اختباراً أخلاقياً قاسياً. ويتسم أسلوب الرواية بجفاف متعمد، يكاد يكون توثيقياً، لكنه يخفي توتراً نفسياً عالياً. الجمل قصيرة، الإيقاع متوتر، والحوار غالباً ما يأتي مقتضباً، كأن اللغة نفسها تخضع لضغط المرحلة. هذا الأسلوب يعكس عالم الشخصيات: عالم مغلق، خانق، لا مكان فيه للتأمل الطويل أو العاطفة الصافية.

سؤال العنف المشروع

ولعل أحد أهم محاور الرواية، كما سنرى بعد سطور، هو سؤال العنف المشروع. هل يمكن للقتل أن يكون وسيلة أخلاقية إذا كان الهدف سامياً؟

الرواية لا تقدم جواباً مباشراً، لكنها تترك القارئ أمام سلسلة من الانهيارات الداخلية التي تصيب الشخصيات، وكأنها تقول إن العنف، مهما كانت مبرراته، يترك ندبة لا تمحى في روح فاعله. وفي هذا المعنى، تسبق "فيكتور فافيتش" كثيراً من الأدب السياسي اللاحق، وتقترب من أعمال دوستويفسكي المتأخرة، لا سيما "الشياطين"، حيث يتحول الفكر حين ينفصل عن الإنسان إلى قوة تدمير ذاتي.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن "فيكتور فافيتش" ليست رواية عن الثورة بقدر ما هي رواية عن ثمن الثورة داخل النفس البشرية، وعن اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن التاريخ لا يصنع بالأفكار وحدها، بل بالجراح التي تتركها هذه الأفكار في من يحملها. ومع ذلك لم يبتعد مؤرخو الأدب والنقاد كثيراً حين آثروا التوقف عند مجموعة من أفكار رئيسة رأوا أن الرواية لا تتوقف عن الدوران من حولها. ولعل في إمكاننا وضع لائحة بتلك الأفكار على النحو التالي.

أفكار محورية

فهناك أولاً الرواية بوصفها اعترافاً لا بياناً ثورياً: تخطئ القراءة السطحية حين تتعامل مع "فيكتور فافيتش" كنص دعائي أو وثيقة سياسية عن النضال الثوري في روسيا القيصرية.

الرواية، في جوهرها، نص اعترافي مقنع، أقرب إلى اليوميات النفسية منه إلى الرواية ذات الحبكة المتماسكة. الكاتب لا يكتب ليقنع القارئ بعدالة الثورة، بل ليكشف تآكل الذات الثورية من الداخل.

منذ الصفحات الأولى، يبدو فيكتور فافيتش إنساناً يعيش في حالة انشطار دائم: انشطار بين الفكرة والفعل، بين الإيمان والشك، بين الواجب الثوري والضمير الفردي. وهذا الانشطار ليس عارضاً، بل هو المحرك الأساس للسرد.

وبعد ذلك ثمة ثانياً تفكيك صورة "البطل الثوري": فالرواية تنقض صورة البطل الثوري الرومانسي التي شاعت في الأدب الروسي في أواخر القرن الـ19. فيكتور ليس قائداً كاريزماتياً، ولا مفكراً عظيماً، ولا حتى شهيداً محتملاً، إنه موظف للعنف، ينفذ ما تمليه عليه التنظيمات السرية، ويكتشف تدريجاً أن الطاعة الأيديولوجية قد تكون أكثر قسوة من الطغيان السياسي نفسه. وهنا تبرز جرأة الرواية: فالثورة لا تقدم فيها كحركة تحرر، بل كنظام انضباطي بديل، يفرض منطقه الخاص، ويطالب الفرد بأن يلغي ذاته باسم القضية. وهكذا يصبح الثوري، وبصورة مفارقة، ضحية الفكرة التي يدافع عنها.

حالة ذهنية متواصلة

وفي المقام الثالث لدينا العنف بوصفه أزمة أخلاقية لا وسيلة. بمعنى أن العنف في "فيكتور فافيتش" ليس مشهداً درامياً، بل حالة ذهنية مستمرة. الاغتيالات، المؤامرات، والاستعداد الدائم للموت لا تروى بوصفها أحداثاً، بل بوصفها آثاراً جانبية لقرار أخلاقي لم يحسم أبداً. الرواية لا تسأل: هل يجب قتل الطغاة؟ بل تسأل السؤال الأصعب: ماذا يحدث للإنسان الذي يقتل وهو مقتنع أنه على حق؟ النتيجة ليست التحرر، بل التصحر الداخلي. كل فعل عنيف يترك الشخصية أكثر عزلة، أقل يقيناً، وأكثر ارتهاناً لفكرة لم تعد تمنحها معنى. وهنا تتقاطع الرواية مع الإرث الدوستويفسكي، لا سيما في طرحها لمسألة الجريمة غير الفردية: الجريمة التي ترتكب باسم الجماعة.

أما السمة الفكرية الرابعة في الرواية، فتتعلق بالزمن المغلق وبنية الاختناق، فمن الناحية البنيوية، تعيش الرواية في زمن خانق. لا مستقبل واضحاً، ولا ماض يستعاد بحنين. الزمن هنا دائري، أو بالأحرى راكد. الشخصيات لا تتطور، بل تتآكل. وهذا الإحساس بالاختناق يتجلى في عدة عناصر تميز الرواية: قصر الجمل، غياب الوصف الجمالي، الحوار الوظيفي البارد والاقتصار على الأمكنة المغلقة (غرف، ممرات، شقق سرية) وكأن اللغة نفسها خاضعة لحالة الطوارئ. لا فسحة للتأمل، ولا متسع للشعرية. وهو خيار جمالي واع يعكس عالم الرواية حيث لا مكان للإنسان الكامل، بل للفاعل الموقت.

ما يقودنا إلى الفكرة الخامسة المتعلقة بالقطيعة مع وهم الخلاص. إذ إن أهم ما تفعله "فيكتور فافيتش" هو تفكيك وهم الخلاص التاريخي. الثورة لا تنقذ أحداً داخل النص. حتى الإيمان بالمستقبل يبدو فكرة مؤجلة، تستعمل لتبرير الحاضر لا أكثر. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الرواية كنص استباقي لما سيحدث لاحقاً في القرن الـ20: حيث تتحول الأيديولوجيات الكبرى إلى أنظمة تبرر القسوة باسم الضرورة التاريخية، وتفرغ الإنسان من فرديته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الإنسان ليس وسيلة

ويبقى لدينا هنا سؤال الخاتمة: لماذا لا تزال هذه الرواية راهنة؟ والجواب هو بالتأكيد أن راهنية "فيكتور فافيتش" تكمن في أنها لا تنتمي إلى سياقها التاريخي فحسب، بل إلى كل لحظة يعتقد فيها الإنسان أن الفكرة أهم من الإنسان نفسه. إنها رواية عن الخطر الكامن في اليقين المطلق، وعن الثمن النفسي والأخلاقي الذي يدفعه من يختزل ذاته في دور واحد. أي في قدر ما من الاختصار، ليست "فيكتور فافيتش" رواية ضد الثورة، ولا معها، بل رواية ضد تحويل الإنسان إلى وسيلة، أياً كانت الغاية.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة