ملخص
بين حرب خارجية كشفت عن هشاشته، وشارع يغلي بالغضب، وحلفاء يتراجعون، يجد النظام الإيراني نفسه في أخطر لحظة وجودية منذ قيامه، وهو يواجه انتفاضة داخلية متصاعدة وسط رهانات خارجية قد تعجل بسقوطه أو تعمق أزمته.
في مقطع فيديو غير واضح تماماً مصور بالهاتف المحمول يزعم أنه التقط في إيران، يظهر بعض الأشخاص وهم ينتحبون فيما يتحركون بين أكثر من 10 جثث مسجاة داخل أكياس جثث على الأرض.
وذكرت التقارير أن المقطع صور داخل مشرحة موقتة في جنوب طهران، على رغم أنه لا يمكن التحقق من ذلك بصورة مستقلة. وقد نشر المقطع على حسابات "تيليغرام" إيرانية تنشر مقاطع الفيديو القليلة التي تصل من إيران حيث قام النظام، في محاولة لسحق انتفاضة استمرت أسبوعين، بقطع الإنترنت وحتى خطوط الهاتف الأرضية.
ويأتي المقطع بعد تسجيلات أخرى لاحتجاجات تسمع في خلفيتها أصوات إطلاق نار متواصل، بينما تتحدث روايات شهود العيان عن شوارع ملطخة بالدماء ومتظاهرين أصيبوا بالعمى عمداً.
وحتى التلفزيون الإيراني الرسمي بث لقطات لعشرات أكياس الجثث في مشرحة طهران، مع أنه ادعى أن القتلى وقعوا ضحايا "إرهابيين مسلحين".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشن الجمهورية الإسلامية، التي تزداد هشاشة، هجوماً عنيفاً، في وقت تواجه فيه أخطر تهديد وجودي عليها حتى الآن.
ويعتقد بعض المحللين الإيرانيين المرموقين الذين أعرفهم أن احتمال سقوط النظام أصبح حقيقياً للمرة الأولى،
لكن الخسائر البشرية هائلة بالفعل.
فمن أسبوع تقريباً، قالت منظمة حقوق الإنسان الإيرانية "إيران هيومن رايتس"، التي تتخذ من النرويج مقراً لها، إنها تأكدت من مقتل 192 شخصاً في المظاهرات، لكنها أضافت أن الحصيلة الحقيقية للقتلى قد تصل إلى ألفي شخص.
ويطالب المتظاهرون في الشوارع علناً بإسقاط حكم رجال الدين القمعي في البلاد، ويهتفون بشعار "الموت للديكتاتور"، كما يطالبون في بعض الأحياء بعودة حكم أسرة بهلوي الملكية، التي أطاحت بها ثورة العام 1979 لينشأ مكانها النظام الحالي.
وتفيد وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (Hrana)، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها بأن الاحتجاجات امتدت الآن لتشمل 185 مدينة في جميع محافظات البلاد البالغ عددها 31 محافظة.
هذه ليست أول حركة احتجاج جماهيرية تهز البلاد، فقبل أقل من أربع سنوات اندلعت انتفاضة "نساء، حياة، حرية"، بعد وفاة شابة كردية إيرانية مهسا أميني، على إثر اعتقالها على يد شرطة الأخلاق القمعية في البلاد لعدم ارتدائها الحجاب.
لكن الوضع يبدو مختلفاً هذه المرة، بسبب مواطن الضعف الفريدة التي يواجهها حكام إيران.
بداية، اندلعت الاحتجاجات رداً على ارتفاع الأسعار مع انهيار العملة المحلية، الريال، مما زاد الضغط على جميع قطاعات المجتمع.
والأهم من ذلك، أن الاحتجاجات جاءت عقب حرب كارثية دامت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران العام الماضي. وقد قصفت القوات الإسرائيلية، ثم الأميركية، المنشآت النووية الرئيسة والبنية التحتية العسكرية وحتى العلماء النوويين في إيران.
في فترة معينة، كانت إيران بالكاد قادرة على تعويض الخسائر التي منيت بها في صفوف قياداتها العسكرية، إذ اغتيل قائدها العسكري الجديد بعد أيام قليلة من مقتل سلفه.
وردت إيران بشن هجمات على إسرائيل وعلى قاعدة جوية أميركية في قطر.
لكن كل هذه الأحداث كشفت عن نقاط ضعف متأصلة داخل النظام، فنجاح إسرائيل والولايات المتحدة في تحقيق هذه النتائج يعني وجود تسريبات استخبارية ضخمة واحتمال وجود تنسيق داخل الدوائر المقربة من الحرس الثوري الإيراني، وربما حتى من المرشد الأعلى.
كما يأتي ذلك في وقت لا تستطيع فيه إيران الاعتماد على حلفائها الإقليميين في لبنان وسوريا والعراق، فقد قضت الضربات الإسرائيلية خلال السنوات القليلة الماضية على مقاتلي "حزب الله" المدعوم من إيران في لبنان.
وقد أسهم ذلك بدوره في إسقاط حليف إيران، الرئيس السوري بشار الأسد، على يد متمردين إسلاميين تقاربوا الآن مع الولايات المتحدة.
وعلى رغم التصعيد الإقليمي، التزمت الفصائل العراقية الموالية لإيران الهدوء بصورة مفاجئة، لكن هذا الوضع قد يتغير.
أخبرتني مصادر قريبة من الحدود الإيرانية - العراقية بوجود تقارير تفيد بعبور مئات المقاتلين من قوات "الحشد الشعبي" العراقية إلى إيران من أجل دعم النظام.
وبغض النظر عن صحة هذه المعلومات من عدمها، ومهما كان عدد هذه القوات كبيراً، لا تزال القيادة الإيرانية تواجه احتجاجات جماهيرية في جميع أنحاء البلاد، علاوة على ضعف البنية التحتية العسكرية ووجود مخاوف في شأن التسريبات الداخلية للمعلومات الاستخبارية والتمرد وتراجع الدعم الإقليمي واحتمال شن مزيد من الضربات الأميركية والإسرائيلية.
وفي المقابل، أفادت تقارير أن دونالد ترمب قد أطلع على الخيارات المتاحة لشن ضربة عسكرية، فيما تقول مصادر إسرائيلية إن كبار القادة العسكريين عقدوا مشاورات أمنية داخلية خلال عطلة نهاية الأسبوع ووضعوا البلاد في حالة تأهب قصوى وسط احتمال تدخل الولايات المتحدة.
ومن جهتها، توعدت إيران بالرد على القواعد الأميركية وإسرائيل في حالة تعرضها لهجوم، ولكن ما مدى فعالية مثل هذا الرد؟
تتسارع كل هذه الأحداث في وقت يتولى فيه رئاسة الولايات المتحدة شخص يستمتع بالتدخل.
ففي الأسبوع الأول من هذا الشهر، شنت واشنطن عملية عسكرية صادمة وغير مسبوقة في فنزويلا، قامت خلالها القوات الخاصة الأميركية بالقبض على زعيم البلاد المستبد، نيكولاس مادورو. ومنذ ذلك الحين، تعهد ترمب بـ"إدارة" فنزويلا والاستيلاء على غرينلاند، الإقليم التابع لحليف في حلف "الناتو".
ليس من المستبعد أن تلجأ الولايات المتحدة إلى قصف عدوها اللدود إيران، سعياً إلى تغيير النظام.
وهذا في الواقع ما يشجع المتظاهرين، بحسب ما قالت جيسو نيا، وهي محامية حقوق الإنسان الأميركية من أصل إيراني تعمل في مركز الأبحاث "المجلس الأطلسي"، مضيفة أن بعض المتظاهرين رفعوا لافتات تحمل صورة ترمب.
وتابعت قائلة "إنهم يعتقدون أن الأمر سيثمر في النهاية، وأنهم لن يكونوا وحدهم في محنتهم وأنهم سيتمكنون من الإطاحة بالنظام"، مضيفة أن الإيرانيين "مستعدون للمخاطرة بحياتهم من أجل إسقاط النظام".
وتابعت قائلة "على المجتمع الدولي أن يستجيب حقاً لهذا النداء".
لكن الغموض لا يزال يلف المرحلة التالية.
لم يكتف رضا بهلوي، نجل الشاه الأخير لإيران المقيم في المنفى، بتشجيع الناس على الاستمرار في النزول إلى الشوارع اليوم، بل صرح أيضاً في مقطع فيديو نشر على الإنترنت من أسبوع أنه يستعد للعودة لوطنه.
وهذا إما تصرف ساذج سابق لأوانه أو استعراض متعمد، لكن من المؤكد أن النظام يصارع من أجل البقاء.
© The Independent