Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف عرفت أقمار ماسك طريقها إلى سماء إيران؟

من المحرج لطهران أن برنامجها الفضائي وقف عاجزاً تماماً عن مواجهة "ستارلينك"

توفر الأقمار الاصطناعية الضخمة مثل شبكة "ستارلينك" بديلاً قوياً في الحروب والأزمات الكبيرة (مواقع التواصل)

ملخص

من خلال سيطرته على شبكة أقمار "ستارلينك" يمارس إيلون ماسك نفوذاً جيوسياسياً كبيراً في دول كثيرة، وتعي الإدارة الأميركية تماماً أن الاتصالات الأرضية في هذا الزمن عُرضة للتخريب والهجمات المباشرة لذلك توّفر الأقمار الاصطناعية الضخمة بديلاً قوياً في الحروب والأزمات الكبيرة.

ليست المرة الأولى التي تخوض فيها "ستارلينك"، المملوكة لرجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك، غمار الجغرافيا السياسية في سماء إيران تحديداً. إذ يعود جزء كبير من الأهمية الجيوسياسية لشبكة الأقمار الاصطناعية الضخمة إلى مرحلة الحروب الحديثة، وذلك لأن الاتصالات الآمنة أصبحت حاسمة وضرورية في ساحات المعارك كما حدث في أوكرانيا تماماً.

وفي هذا السياق نشر موقع الحوار البريطاني تقريراً أشار فيه إلى تهريب آلاف أجهزة "ستارلينك" إلى إيران من الدول المجاورة. وهذه الأجهزة هي عبارة عن وحدات مستطيلة مُسطّحة، صغيرة الحجم ولا يتجاوز حجمها "صينية الخبز" الشهيرة في بلاد فارس. ويُقدّر أن حوالى 20 ألف جهاز منها وصلت إلى إيران، مما يجعل خطوة ماسك الأخيرة أكثر تأثيراً وقوة من ذي قبل.


إحراج

تعي الإدارة الأميركية تماماً أن الاتصالات الأرضية في هذا الزمن عُرضة للتخريب والهجمات المباشرة. لذلك توفر الأقمار الاصطناعية الضخمة مثل شبكة "ستارلينك" بديلاً قوياً في الحروب والأزمات الكبيرة. فهذه الشبكات تتألف من آلاف الوحدات، التي ترتفع مئات الكيلومترات فوق سطح الأرض، مما يجعل تعطيل خدماتها من قبل الأنظمة الدكتاتورية أو حتى المنظمات الإرهابية والعصابات الإجرامية والتخريبية أمراً صعباً أو حتى مستحيلاً.

في حال الاحتجاجات الراهنة بإيران، كان من المحرج لهذه الدولة تحديداً، أن برنامجها الفضائي، وقف عاجزاً تماماً أمام نوع جديد من الحروب تتعرض له، وهو الحروب الفضائية السيبرانية، التي تسبق عادة الضربات العسكرية. ويذكر أن برنامج إيران الفضائي وُصف من قبل خبراء في مواقع علمية أميركية بارزة أخيراً بأنه برنامج "ضخم ومتسارع" مع ذلك عجز عن التدخل في حروب مثل هذه الحرب التي تدار عن بعد ومن خلال "عبث" شركات الفضاء الأميركية الخاصة مثل "ستارلينك" بالسماء الإيرانية.

وعلى رغم ذلك، لا تزال إعادة توفير تغطية الإنترنت عبر "ستارلينك" في إيران أمراً صعباً. إذ تُباع أجهزة "ستارلينك" القليلة المتوفرة في السوق السوداء بأسعار باهظة، ولا تزال خدماتها في إيران تتطلب دفع رسوم اشتراك شهرية. ووجّهت الحكومة الإيرانية، وفق وسائل إعلام عالمية، تهديدات للمواطنين الذين يستخدمون هذا النظام.

 

يؤكد تقرير موقع الحوار البريطاني أن على الدول التي تتعرض لهجمات من هذا النوع في الوقت الحالي أخذ العبرة مما حدث في ساحة القتال الأوكرانية الطاحنة. إذ لم تتجلَّ أهمية الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية في الجغرافيا السياسية المعاصرة في أي مكان في العالم كما تجلّت في الساحة الأوكرانية، "ففي خضم الهجوم الروسي، وفرت شبكة الاتصالات الأميركية الفضائية الخاصة هذه ’ستارلينك‘ للجيش الأوكراني اتصالات آمنة لصد الغزو، وسرعان ما أصبحت ’ستارلينك‘ لا غنى عنها لاستمرار جهود أوكرانيا، ليست الدفاعية وحسب، بل الهجومية المضادة أيضاً".

ماذا يجني إيلون ماسك؟

من المهم هنا أن نسأل ما الذي يجنيه ماسك شخصياً من هذه الهجمات؟ فماسك رجل أعمال كما يزعم في النهاية، بل إن تجربته السياسية فشلت تماماً. والإجابة هي أنه بالنسبة إلى شركة "سبيس إكس" وهي الشركة الأم لـ"ستارلينك"، لم يقتصر الأمر على دعاية إيجابية واسعة النطاق وحسب، بل أسفر أيضاً عن ضخ استثمارات مالية كبيرة من المستثمرين.

لكن وبعد أشهر قليلة من تفعيل "ستارلينك" في الحرب الأوكرانية، بدأت "سبيس إكس" تحولاً استراتيجياً. فقد أبلَغَت القوات الأوكرانية عن انقطاعات في الخدمة على طول خطوط الجبهة، لا سيما عند التوغل في الأراضي التي تحتلها روسيا. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2022، طرح ماسك فكرة احتمال سحب "سبيس إكس" دعمها بالكامل لأوكرانيا، مشيراً إلى ارتفاع كلف التشغيل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحلول شباط (فبراير) 2023، بدأت الشركة بتقييد استخدام "ستارلينك" لتشغيل الطائرات المسيّرة الأوكرانية. وصرحت غوين شوتويل، الرئيسة التنفيذية للعمليات في "سبيس إكس"، بأن النظام "لم يكن مُصمماً أبداً للاستخدام كسلاح".

السلطة في أيدي من؟

على ضوء ذلك يرى محللون سياسيون وخبراء فضاء أن الدور الذي قدمته "ستارلينك" في أوكرانيا يعد مثالاً صارخاً على كيفية تغيير الاتصالات الحديثة لمسار الصراعات. وأوضحت مقالة نُشرت أخيراً في المجلة الأوروبية للعلاقات الدولية أنه وفي الوقت نفسه "يعد هذا مثالاً تحذيرياً حول موثوقية الأنظمة الحيوية في أيدي الشركات الخاصة والأفراد النافذين مثل ماسك". ففي أوكرانيا، "كان ماسك يمتلك سلطة نقض العمليات العسكرية فعلياً". ولم تكن هناك جهة ديمقراطية تُشرف على العملية، "إذ كان بالإمكان إيقاف الإشارة بتغريدة". ولذلك يُثير دور "ستارلينك" في إيران تساؤلات مُقلقة مماثلة، إذ تسأل المجلة الأوروبية للعلاقات الدولية وبكل تجرد، "من يُقرر متى أو حتى ما إذا كان يحق للمواطنين في إيران وغيرها التواصل؟".

وتضيف المجلة الأوروبية "في ضوء أنه من غير المرجح أن تهدأ الاضطرابات السياسية في إيران قريباً. تبقى الحقيقة الأعمق، وهي أن التواصل داخل المجتمع المدني الإيراني يعتمد حالياً على كبسة زر من يد أغنى شخص في العالم، ولا توجد بدائل لذلك الواقع في الأفق".

حروب المسيرات

يعود جزء كبير من أهمية "ستارلينك" الجيوسياسية التي تجلت في الحروب الحديثة إلى أن الاتصالات الآمنة ضرورية في ساحات المعارك التي تعتمد اليوم على البيانات والمعلومات الدقيقة. إذ أدى الانتشار الواسع لاستخدام الطائرات المسيرة إلى تغيير جذري في أساليب خوض الحروب. وأظهرت التجربة المريرة في أوكرانيا أن هذه الطائرات تحتاج إلى اتصالات عالية السرعة لنقل الفيديو المباشر واستقبال بيانات الاستهداف.

في السياق نفسه يقول "يوشا أبيلز" وهو باحث ما بعد الدكتوراه من معهد العلوم السياسية في جامعة توبنغن الألمانية العريقة، "نشر إيلون ماسك تغريدةً من أربع كلمات في الـ14 من يونيو (حزيران) قال فيها (الأشعة مُشغّلة). وهو يعني بذلك أنه استجاب بالفعل لطلب تشغيل أسطوله من الأقمار الاصطناعية، وأنه أعاد عمل شبكة الإنترنت فائقة السرعة في إيران".

ويُعلق الباحث على رسالة ماسك هذه بقوله "كانت رسالةً وجيزةً للغاية، لكن عواقبها المحتملة كانت وخيمة". إذ "بشّرت" هذه الرسالة بتدخلٍ مهم، ليس فقط في الشؤون الداخلية الإيرانية، بل ربما في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط كاملة. فالملياردير الأميركي كان يستجيب لطلبٍ جماهيري على منصته الإلكترونية "إكس"، لتفعيل نظام "ستارلينك" للأقمار الاصطناعية فوق سماء إيران دعماً للاحتجاجات المناهضة للحكومة.

جمهورية ماسك

يُعدّ نظام "ستارلينك" أحدث أنظمة الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية في العالم. وتدور أقماره حول الأرض على ارتفاع 550 كيلومتراً تقريباً، موفرةً خدمة إنترنت فائقة السرعة للمستخدمين في جميع أنحاء العالم. ومن بين أكثر من 12000 قمر اصطناعي نشط في مدار الأرض قاطبة، تعود ملكية أكثر من 7600 قمر إلى "ستارلينك". وتتولى شركة "سبيس إكس"، وهي شركة تقنية فضائية مقرّها تكساس ويملكها ماسك أيضاً، تشغيل هذا النظام.

ولذلك أصبحت "سبيس إكس" أخيراً أغلى شركة خاصة في العالم وذلك وفقاً لـ"بلومبيرغ"، متجاوزةً حتى "تيك توك" و"أوبن إيه آي".

 

ويستمر إيلون ماسك في العمل كأكبر مساهم في الشركة، ورئيس تنفيذي لها. وعلى رغم تراجع نفوذه السياسي الكبير (بعد خلافه الأخير مع الرئيس الأميركي) تشير الدلائل إلى أنه لا يزال يتمتع بنفوذ سياسي كبير في الولايات المتحدة.

بعد الضربات الإسرائيلية

من المعلوم أنه في أعقاب الضربات الإسرائيلية الأخيرة على مواقع نووية حيوية في إيران، فرضت طهران قطعاً واسع النطاق للإنترنت، مما أدى إلى انخفاض حاد في الاتصال في جميع أنحاء البلاد. إذ فُرضت قيود على مستوى الدولة على الوصول إلى المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي وشبكات الهاتف المحمول. وقد حدّ هذا فعلياً من تدفق التقارير الإعلامية إلى الجمهور الإيراني. وزاد من صعوبة تنظيم الإيرانيين وسط حملات القمع العنيفة التي تشنها قوات الأمن التابعة للنظام. ولذلك كان من شأن تفعيل "ستارلينك" أن يسمح لهم بتجاوز الرقابة الحكومية واستعادة التواصل مع العالم الخارجي، ومع بعضهم البعض.

من أجل مهسا أميني

يضيف يوشا "ليست المرة الأولى التي تقيّد فيها الحكومة الإيرانية الوصول إلى الإنترنت لقمع الاضطرابات، وليست المرة الأولى التي يتدخل فيها إيلون ماسك من خلال شبكة "ستارلينك". ففي عام 2022، وسط احتجاجات عارمة في جميع أنحاء البلاد، عقِب مقتل الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني على يد قوات الأمن، بدعوى ارتدائها الحجاب بصورة غير صحيحة، قام ماسك بتفعيل خدمة ’ستارلينك‘ في إيران للمرة الأولى".

المزيد من تقارير