ملخص
"ملحمة غوستا برلنغ"، أول رواية كتبتها سلمى لاغرلوف، ونشرتها عام 1891 لتنقل إلى الملأ مناخ الأساطير والحكايات الشعبية كما كان سائداً في مسقط رأسها، منطقة "فورملاند" السويدية، ومن ثم لتصبح فيلما من بطولة غريتا غاربو
يبقى اسم "غوستا برلنغ"، بالنسبة إلى هُواة السينما، مرتبطاً باسم "الآنسة غوستافسون" التي سيخلدها تاريخ السينما باسم غريتا غاربو. صحيح أن "ملحمة غوستا برلنغ" لم يكن فيلمها الأول، لكنه كان الفيلم الأول الذي يحمل في ملصقاته اسمها الجديد الذي اختاره لها مكتشفها المخرج موريتس ستيلر الذي ما لبث أن رافقها إلى هوليوود، بعد بدايتيهما السويديتين، وسرعان ما انطفأ هو لتحقق هي، في عاصمة السينما الأميركية والعالمية، مجدها الكبير. ومع ذلك فإنها ليست في ذلك الفيلم من يحمل العنوان اسمه. فصاحب الاسم رجل هو صاحب الدور الرئيس، وهو إلى ذلك كائن عرفت الكاتبة سلمى لاغرلوف كيف ترسم شخصيته بقوة واقتدار سيكونان بعد صدور الرواية، التي سيقتبس الفيلم منها، سبباً في منحها جائزة نوبل لتكون أول امرأة تنالها في تاريخ الأدب. وكذلك كانت على الأرجح أول امرأة يقتبس الإسكندنافيون فيلماً كبيراً عن قصة من تأليفها. أما ما الذي أتت الآنسة غوستافسون لتفعله في كل هذه الخلطة فأمر لا يعدو كونه خبطة إعلانية.
مصالحة مبكرة
لقد حقق موريتس ستيلر هذا الفيلم في عام 1923، يوم كانت السينما لا تزال صامتة، وكان واحداً من أوائل الأفلام السويدية التي حققت نجاحاً عالمياً. طبعاً، يمكن أن يعزى هذا النجاح إلى حضور غريتا غاربو باسمها الجديد هذا، في الفيلم، لكن هذا لا يكفي، إذ إن العنصر الرئيس هنا هو حكاية الفيلم نفسها.
فالحكاية مقتبسة من رواية شهيرة للكاتبة سلمى لاغرلوف التي كانت اشتهرت بحصولها على جائزة نوبل للآداب. وكانت "ملحمة غوستا برلنغ"، أول رواية كتبتها لاغرلوف، وهي نشرتها عام 1891 لتنقل إلى الملأ مناخ الأساطير والحكايات الشعبية كما كان سائداً في مسقط رأسها، منطقة "فورملاند" السويدية.
من هنا، حين عرض ستيلر فيلمه، كان الناس جميعاً ينتظرونه، إذ إن معظم السويديين، وعدداً كبيراً من الأوروبيين، كانوا قرأوا الرواية، وباتوا على تماس تام مع أحداثها، ومناخاتها. ولا بد من أن نبادر هنا للفت النظر إلى أن رواية سلمى لاغرلوف طويلة، وتقع في جزءين، وتشمل أحداثاً تمتد على مدى طويل من السنوات، كما أنها مليئة بالشخصيات والحبكات الجانبية.
وحين حقق ستيلر فيلمه، كان عليه - في الطبع - أن يختصر ويكثف، غير أن الكاتبة نفسها لم يفتها، حين شاهدت الفيلم، أن تشير إلى أنه أتى أميناً لروح روايتها، مكثفاً أحداثها. من هنا، اعتبر الفيلم، في ذلك الحين، نوعاً من المصالحة بين الأدب وفن السينما.
كاهن غريب الأطوار
مهما يكن من أمر، فإن ما استعاره موريتس ستيلر من رواية سلمى لاغرلوف وركز عليه، إنما كان الشخصيات الأساسية والأحداث الرئيسة. وفي مقدم ذلك بالطبع شخصية غوستا برلنغ نفسه، ذلك القسيس الشاب الذي بدا للرعية، منذ بداية تسلمه الأبرشية، في "الفورملاند"، غريب الأطوار، ميالاً إلى ممارسة نوع من السحر على النساء اللواتي، إذ يفتنهن جماله وبساطته، يغضضن الطرف عن ميله إلى الشراب وضروب الفسق.
وكان يمكن للأمور أن تبقى على تلك الحال لولا أن أعيان الرعية يتأففون من الوضع لينتهي بهم الأمر إلى إبلاغ المطران رغبتهم في التخلص من القسيس الشاب. وإذ يستجيب المطران لذلك الطلب لا يكون منه إلا أن يطرد غوستا برلنغ من الرعية، بل حتى من البلدة كلها، فيهيم المطرود وقد أضحى منبوذاً بأمر من السلطة الكنسية، على وجهه في البراري شريداً مطارداً، حتى اللحظة التي ينضم فيها إلى عصبة من "الفرسان" تطلق على نفسها اسم "فرسان أكباي". ومنذ لحظة اللقاء تختلط حياة غوستا برلنغ بحياة "الفرسان" الذين هم في مجموعهم جنود سابقون يعيشون حياة مغامرات وبوهيمية، وكل واحد منهم يعتقد نفسه فناناً خطراً. وتتزعم هؤلاء جميعاً سيدة يطلقون عليها اسم "المعلمة".
الحياة الجديدة مستحيلة
وإذ ينضم غوستا برلنغ إلى المجموعة يخيل إليه أنه بدأ هذه المرة حياة هادئة ممتعة مليئة بالمغامرات الآمنة وبالرفاق والشراب وما شابه ذلك، ولكن حتى هنا يبدو أن سوء الحظ يصر على مطاردة القسيس السابق، حيث تتدخل الأقدار لتسوء العلاقات بين الفرسان، ويصل بعضهم إلى حد اتهام "المعلمة" بالزنى، ما يدفع بزوجها إلى طردها فتنطلق هي الأخرى هذه المرة لتعيش حياة تشرد وتسول، بينما يسيطر الفرسان على المكان في صورة كاملة، مطلقين العنان لفسادهم ولا مبالاتهم، فيتوقفون عن استغلال المناجم التي كانت تؤمن لهم رخاء العيش، ويبذرون ما كان تراكم قبلاً من خيرات. أما بالنسبة إلى غوستا برلنغ، فيبدو واضحاً أن لعنة ما حلت عليه هو نفسه الآن بعدما كان اعتاد أن يحمل سوء الطالع إلى الآخرين. وهكذا، يسوء وضعه كما يسوء وضع الفرسان، ويبدأ القوم معاملتهم بغلظة مجبرين إياهم على العودة إلى العمل إن هم أرادوا مواصلة عيشهم. ويتبين أن ما حل بهم، إنما كان بسبب سوء معاملتهم تلك المرأة التي كانت طيبة على الدوام معهم. ويحدث أن تعود "المعلمة" إلى المكان، في اللحظة التي تكون أوضاع الفرسان وصلت إلى الحضيض. تعود لتموت هناك، لكنها قبل موتها تعلن أمامهم أنها سامحتهم على إساءتهم تجاهها. سامحتهم نعم، لكن ذلك لن يعيد الأمور إلى ما كانت عليه من قبل.
مختارات على شكل فيلم
طبعاً، لم يكن هذا تماماً ما صوره موريتس ستيلر في فيلمه. بل إنه ركز على سرد فصول محدودة من حياة غوستا برلنغ، قبل طرده وبعده، جاعلاً من حياة الفرسان الآخرين ومغامراتهم مجرد إطار لها. من هنا، يركز الفيلم على حكاية هيام "المعلمة" مرغريتا بالقسيس الشاب. وهي إذ تجد صداً منه، وإذ تفيق لديها فجأة ذكريات غرام قاتل مضى في حياتها، تجد نفسها تواقة إلى "التطهر" من كل ذلك، وتحرق البيت فتسجن. وفي النهاية تجد نفسها مضطرة إلى التخلي عن حبها لغوستا برلنغ أمام حب آخر يعيشه هو مع الحسناء إليزابيث المتزوجة أيضاً بشخص بليد لا معنى له. وإليزابيث هذه كانت أغرمت سابقاً بغوستا برلنغ، لكنها لم تعترف لنفسها بذلك الحب. عند ذلك الحد من الحكاية تنضم إليزابيث إلى غوستا برلنغ الذي نجا من الحريق، وتهرب معه إلى الغابات المغطاة بالثلوج، وهناك تبدأ الذئاب الضارية مطاردتهما، لكنهما يتمكنان من الإفلات، ويقرر غوستا برلنغ أن يعيد إليزابيث إلى ديارها وإلى زوجها، ولكن، إذ يصلان إلى المدينة، تكتشف إليزابيث أن ليس في وسعها البقاء مع هنريك، زوجها، أكثر من ذلك. تكتشف أنها لم تعد قادرة على أن تحيا من دون غوستا برلنغ. ويقرر الاثنان البقاء معاً، على رغم كل شيء، أما غوستا فيبدأ بإعادة بناء ما دمره الحريق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هرباً من ضجر التدريس
إن الفارق في الأحداث بين الفيلم والرواية كبير، غير أن هذا لم يمنع الفيلم من أن يعكس ما تتضمنه الرواية من تركيز على عالم الفولكلور الإسكندنافي ذي الخصوصية: الحب المحرم الذي يقع فيه القسيس، الجولات الصاخبة في الليل الثلجي، حكاية "الفرسان" وما فيها من عناصر مغامرة وبوهيمية... إلى آخره.
صحيح أن الفيلم ضيق إطار المكان الذي تدور فيه الأحداث، إذ يحول الحيز المكاني من آفاق الطبيعة الواسعة، إلى أماكن خاصة مغلقة في معظم الأحيان، غير أن روح الانعتاق والعلاقة مع الطبيعة ظلت ماثلة، مما جعل الفيلم يعتبر مثالياً في هذا المجال، وواحداً من أوائل الأفلام الأدبية في تاريخ السينما.
أما بالنسبة إلى سلمى لاغرلوف فهي ولدت عام 1858 في مدينة مارباكا في منطقة الفورملاند السويدية التي جعلتها مسرح معظم رواياتها. أما "ملحمة غوستا برلنغ" فكانت رواية أولى، كتبتها ذات لحظة سأم في حياتها، حين كانت بدأ تخوض مهنة التدريس "المضجرة"، وفق ما تقول. وحققت الرواية نجاحاً كبيراً منذ نشرها، وجعلت القراء يقبلون أكثر فأكثر على قراءة هذا النوع من الأدب الذي يمجد العواطف في الوقت نفسه الذي يمجد الطبيعة والعلاقة معها.
وعاشت سلمى لاغرلوف حتى عام 1940، وكتبت عشرات النصوص، منها نص عن "القدس" كتبته إثر عام أمضته بين مصر وفلسطين أوائل القرن الـ20. وهي نالت جائزة نوبل للآداب عام 1909 عن كتابها "مثالية شامخة، خيال حي، وتلف روحي"، ومع هذا تظل "ملحمة غوستا برلنغ" أهم أعمالها وأجملها، هي التي عرفت كذلك بمناصرتها حقوق المرأة، ووقوفها إلى جانب السلم وضد الحروب كافة.