ملخص
كتب ألكسندر دوما الأب هذه الرواية خلال عام 1844 وكان في ذروة عطائه ومجده، وهو الذي كان خلال ذلك الحين في الـ43 من عمره. وكان ذلك عند بداية اتجاهه إلى كتابة الرواية، بعدما أنفق القسم الأول من مساره المهني وهو يكتب للمسرح وينجح في ذلك. وهو كتبها خلال وقت كتب فيه بعض أفضل رواياته، مثل "الفرسان الثلاثة" (1844-1845) و"بعد 20 عاماً" (1845) و"الملكة مارغو" (1845)، مما يعني أنها تمثل لحظة الذروة في إبداع هذا الكاتب الخصب.
مع كاتب من طراز ألكسندر دوما الأب -و"الأب" تمييزاً له عن ابنه حامل الاسم نفسه وصاحب "غادة الكاميليا"- يكون السؤال المنطقي الأول الذي يمكن طرحه هو كيف تمكن هذا الرجل من كتابة كل ما كتب. وما كتب دوما الأب هذا يشغل ما لا يقل عن 300 مجلد، بين رواية ومسرحية ومذكرات وكتب رحلات وأشعار وبحوث وما إلى ذلك.
وتأتي شرعية هذا السؤال من واقع أن دوما عاش حياة متقلبة، حياة تجوال وتشرد دائمين، مليئة بالمغامرات وبالإفلاس وبالهرب من الدائنين من مكان إلى آخر، تقطعها فترات ثراء كان خلالها لا يتورع عن تحقيق المشاريع الضخمة وإغواء العشيقات، وبناء القصور والمسارح. كل هذا وهو لم يعش سوى 68 سنة.
وحسبنا لإعطاء السؤال وزنه أن نذكر أن دوما كتب للمسرح فقط 100 مسرحية، مثلت جميعاً في زمنه وتحت إشرافه، وغالباً من بطولة ممثلات كانت الواحدة منهن سرعان ما تصبح عشيقته. ومن المعروف في فرنسا أن ما من كاتب يضاهي ألكسندر دوما الأب، في خصوبة إنتاجه وتنوعه وشعبيته سوى فكتور هوغو معاصره، والذي -مثله- انطبعت أعماله الروائية والمسرحية بمقدار كبير من الرومانسية، بل إذا كان يقال إن هوغو كان مؤسس المسرح الشعري الرومانسي في فرنسا بداية من مسرحيته "هرناني"، فإن دوما كان مؤسس المسرح النثري الرومانسي لا سيما مسرحيته "هنري الثالث وبلاطه" التي كتبها وكان لا يزال نكرة في الـ26، محققاً بها حضوراً مباغتاً في الحياة المسرحية والأدبية الفرنسية.
روايات لعموم القراء
غير أن المسرح، مع هذا، لم يكن النوع الذي بنى فيه دوما مجده الكبير. مجاله الأهم كان الرواية، وهو كتب عشرات الروايات التي لقيت على الدوام شعبية كبيرة، لما امتلأت به من مغامرات وتصوير فذ للشخصيات وتطوير متميز للعلاقات، مما يضع هذه الروايات في مكانة متقدمة بين الأدب الشعبي في العالم أجمع، إذ إن معظم أعماله ترجم إلى عشرات اللغات.
ومن هنا لا يبدو غريباً أن رواياته لا تزال تقرأ بشغف حتى أيامنا هذه وتقتبس إلى السينما والتلفزة، بعدما اقتبست إلى المسرح والأوبرا طوال قرن ونصف القرن. لكن، على كثرة ما كتب ألكسندر دوما الأب من روايات تبقى "الكونت دي مونت كريستو" الأشهر والأكثر شعبية واقتباساً بين أعماله كافة، مع استثناء أساس هو رواية "الفرسان الثلاثة". فما الذي يجعل لرواية "الكونت دي مونت كريستو" كل هذه الشعبية على الصعيد العالمي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إنه سؤال شغل الباحثين طويلاً، إذ حيرهم هذا الإقبال الكبير على عمل يتسم أول ما يتسم ببساطة سردية تقترب من حدود السذاجة، وبحس ميلودرامي لأحداث بالكاد يمكن تصديقها وبنفحة رومانسية تبدو مغرقة في القدم، وبشخصيات ليس من السهل دائماً تفسير دوافعها ونوازعها، وإضفاء بعد تحليلي "جواني" على ما تقوم به من تصرفات... فهل يتعين علينا، هنا، أن نقول إن هذا كله ربما كان هو ما أضفى على "الكونت دي مونت كريستو" سحرها؟ أم إن علينا أن نقول، بالأحرى، إن "الخبطات المسرحية" في هذه الرواية، و"القلبة" التي تعرفها حياة بطلها منقذة إياه من سجنه، رامية به على طريق الثأر من الذين غدروا به، تأتي لتشبع في داخل القارئ ذلك النهم إلى الثأر من أوضاع وأقدار مكبلة وظالمة؟
كحكايات الصغار
من الواضح أن هذا التوجه الأخير يبدو أكثر منطقية انطلاقاً من واقع تاريخي يقول لنا إن الكونت دي مونت كريستو/ أدمون دانتيس، كان من أولى الشخصيات الروائية في تاريخ الأدب، التي شعر القراء بتماه تام معها، وهو تماه كان مريحاً تماماً، ما دامت هذه الشخصية بانتقالها من حالة البحار المظلوم، إلى حالة الكونت الثري المنتقم، تبدو هنا كواحدة من شخصيات حكايات الجن المكتوبة أصلاً للصغار، والتي تصور عملية الانتقال السيكولوجي برسم الصغار، معزية إياهم على حالات الظلم والتخلي التي يستشعرونها وهم صغار يخشون ترك الأهل لهم.
وفي هذا الإطار تبدو حالة دانتيس أشبه بحالة سندريلا، وتبدو الثروة التي يمكنه الأب فاريا من العثور عليها، أشبه بالحذاء السحري الذي يعثر عليه الأمير، في حكاية سندريلا، مما يرفع من شأن الفتاة المظلومة ويمكنها من الثأر لظلمها. والحال أن دوما في تعامله مع البعد السيكولوجي "الجواني" للنقلة "المسرحية" في روايته بهذه الصورة، اكتشف خير وسيلة للتعامل مع الجمهور العريض بوصف هذا طفلاً برسم النمو دائماً، تتملكه مخاوفه ويفرحه تحقيق الشخصية التي هي محط تماهيه، لثأرها وثروتها، كبديل من تحقيقه هو لذلك. ويقيناً أن دوما في اختراعه هذا، إنما اخترع البطولة الجديدة هي بطولة التماهي كبديل من بطولة المثل الأعلى.
حكاية ثري غامض
تدور أحداث "الكونت دي مونت كريستو"، بداية في مارسيليا، من حول أدمون دانتيس، البحار الجوال الذي يكون مستعداً لعرسه خلال عام 1815، حين تعتقله الشرطة، واتهم -زوراً وبهتاناً- بمناصرة نابليون الذي كان هزم وأسقط عن عرشه لتوه. وهكذا بعد اعتقاله وتدمير حياته على ذلك النحو، يسجن دانتيس في حصن إيف الرهيب طوال 14 عاماً. وهو خلال فترة سجنه كان يعرف تماماً أنه بريء مما نسب إليه، وأن سبب سجنه إنما هو مؤامرة حاكها ثلاثة أشخاص كان لكل منهم مأرب في التخلص منه.
أول هؤلاء كان فرنان غريمه في حب الحسناء مرسيدس، خطيبته، والثاني كان منافسه في أعماله المدعو وانغلار، أما الثالث فكان رجل قضاء هو فيلفور الذي اكتشف ما إن وضعت قضية دانتيس بين يديه، مما سيعود عليه من فوائد سياسية إن هو دانه وحكم عليه. وهكذا، في سجنه، لا يكون للبحار المظلوم من هم سوى رسم الخطط للهرب والانتقام من هؤلاء الثلاثة. وهو يتمكن أخيراً من الهرب بفضل العون الذي يقدمه له صديقه الأب فاريا، الذي يفضي إليه قبل موته، بمكان وجود كنز يمثل ثروة هائلة، في جزيرة مونت - كريستو.
وهكذا إذ يهرب أدمون ويحصل على الثروة، يعود إلى الحياة العامة ثرياً غامضاً لا يعرف أحد عن ماضيه شيئاً. يطلق على نفسه اسم الكونت دي مونت كريستو، ويبدأ في استخدام ثروته الهائلة لتحقيق انتقامه من الذين رموا به في السجن غير عابئ بالقوانين الوضعية ولا بالقوانين الإلهية. لقد جعل من نفسه قدراً يهبط من علٍ على ضحاياه مدفعاً إياهم ثمن ما فعلوا، وما عجز القضاء على معاقبتهم عليه. ونعرف طبعاً أن حكاية هذا الانتقام، وعودة أدمون للالتقاء مع حبيبته مرسيدس، تشكلان القسم الثاني والأساس من هذا الكتاب. وهو القسم الذي يتخذ فيه أدمون لنفسه أسماء عدة وينظم مؤامرات وأحداثاً وما شابه، بحيث يبدو وكأنه أول ملاك منتقم في تاريخ الرواية الحديثة.
حفيد عبدة من هايتي
كتب ألكسندر دوما الأب هذه الرواية خلال عام 1844 وكان في ذروة عطائه ومجده، هو الذي كان خلال ذلك الحين في الـ43 من عمره. وكان ذلك عند بداية اتجاهه إلى كتابة الرواية، بعدما أنفق القسم الأول من مساره المهني وهو يكتب للمسرح وينجح في ذلك. وهو كتبها خلال وقت كتب فيه بعض أفضل رواياته، مثل "الفرسان الثلاثة" (1844-1845) و"بعد 20 عاماً" (1845) و"الملكة مارغو" (1845)، مما يعني أن "الكونت دي مونت كريستو" تمثل لحظة الذروة في إبداع هذا الكاتب الخصب، المتحدر من جد كان جنرالاً في جيش نابليون وجدة كانت عبدة سوداء في هايتي. ودوما نفسه كان عند بداية حياته العملية انخرط في الحرس الوطني برتبة ضابط، وخاض أحداث ثورة 1830 مما جعل منه بطلاً وطنياً، إضافة إلى كونه كاتباً يشق طريقه إلى المجد.
غير أن مبالغته في الانخراط في السياسة وضمن المغامرات النسائية والمالية دفعته في ذلك الحين إلى الهرب من فرنسا، في رحلة أولى سبقتها رحلات تتضمن فترات إقامة طويلة في الخارج إيطاليا، روسيا... إلخ. وأخيراً، وبعدما أمضى حياة تقلبات، حافلة بكتابته روايات المغامرات ومسرحياتها، قضى ألكسندر دوما الأب بالسكتة القلبية خلال عام 1870، بعدما كتب ما كتب، وبعد أعوام من كتابته مذكراته، وأخيراً "قاموس الطبخ" الذي لم ينشر إلا بعد موته.