ملخص
كانت للمعرض المشترك الذي أقيم في باريس لأعمال لأعمال الرسامة المكسيكية فريدا كاهلو وزوجها دييغو ريفييرا، أو لمعظمها على أية حال، وتحديداً في باريس التي أحبها الفنانان المكسيكيان على قدم المساواة، تلك الأهمية الكبرى التي دفعت المعنيين وهواة فني كاهلو وريفيرا، إلى استعادة حياتهما المشتركة بقدر ما استعادوا فنهما.
حتى وإن كانت فريدا كاهلو قد بنت آمالاً كثيرة على الحياة العاطفية والزوجية التي جمعتها بدييغو ريفيرا طوال عديد من السنوات، فإننا نعرف أن زوجها الفنان العملاق، "الفيل" بحسب توصيف الكاتب الفرنسي لو كليزيو في كتابه عنهما المعنون "زواج النملة والفيل"، على اعتبار أنها هي "النملة"، دييغو ريفيرا لم يكن في نهاية المطاف على استعداد للوفاء الزوجي فكانت مغامراته النسائية أكثر مما يمكن للعدادات أن تحصي، ما دفعها هي بدورها إلى الإمعان في الخيانات الزوجية التي ستكون أشهرها العلاقة التي أقامتها مع... تروتسكي حين كان هذا الأخير هارباً إلى المكسيك من بطش ستالين.
إذاً، على رغم آمال فريدا كاهلو الغامرة في هذا المجال، لم يحدث لعقود طويلة بعد رحيلهما تباعاً أواسط سنوات الخمسينيات من القرن الـ20، أن جمعت أعمالهما معاً في معرض واحد.
ومن هنا كانت للمعرض المشترك الذي أقيم لتلك الأعمال، أو لمعظمها على أية حال، وتحديداً في باريس التي أحبها الفنانان المكسيكيان على قدم المساواة، تلك الأهمية الكبرى التي دفعت المعنيين وهواة فني كاهلو وريفيرا، إلى استعادة حياتهما المشتركة بقدر ما استعادوا فنهما.
وكانت ثمة مناسبة حاضرة ومواتية في ذلك الحين، أي في عام 2013، فحواها ذلك الفيلم البديع عن حياة فريدا من إنتاج وتمثيل سلمى حايك، فكانت مناسبة الفيلم، ذريعة لاستعادة أعمالها عبر معارض وكتب وحكايات لا تنتهي.
ويقيناً أن المعرض الذي نستذكره هنا، الذي أقيم في متحف "الأورانجيري" الباريسي العريق، أتى تتويجاً لاهتمام كبير كان قد انطلق مع بدء عروض الفيلم قبل ذلك بأعوام.
مواجهة فنية عائلية
من ناحية مبدئية وإذا استثنينا كون فريدا ودييغو فنانين تشكيليين، ولدت هي من رحم تعاليمه واهتمامه بها منذ البداية كطفلة في أحضان عملاق، وبالمعنى الحرفي للكلمة، وكونهما معاً مكسيكيين ناهيك بتشاركهما أفكار اليسار السياسي المكسيكي الناتجة من انتصار ثورة 1910 الاشتراكية في ذلك البلد، لم تكن الأمور التي تجمع بينهما كثيرة.
فهو منذ البداية كان ستاليني النزعة بينما كانت هي أكثر تحرراً ضمن إطار الفكر الاشتراكي، مما سيقودها لاحقاً إلى نوع شديد الخصوصية من التروتسكية. وكان هو واقعياً من دعاة الرسم الجدراني الثوري المناضل، فيما كانت هي من رسامي اللوحات الصغيرة ذاتية المواضيع ورومانسية الهوى وأسطورية الأبعاد.
وهكذا، مثلاً، في وقت كان دييغو يملأ جدران المؤسسات والمدارس والمصانع وحتى الساحات العامة، بجداريات قد تصل مساحة واحدة منها إلى 70 متراً مربعاً، كانت فريدا منكبة على رسم مقاطع من يومياتها الحميمية على مسطحات مغالية في الصغر أحياناً تروي فيها حياتها البائسة منذ الحادثة المرورية التي أقعدها وملأ يومياتها آلاماً وحزناً، لكنه زاد من تعلقها بمن كانت تدعوه "رجل حياتي" غافرة له خطاياه وخياناته، إلى حد أنها غالباً ما كانت ترسمه في لوحات (بورتريه مزدوجة) بوصفه هو "النملة" وهي "الفيل" وكأنها أمه تحنو عليه مع أن وزنه يصل إلى أربعة أضعاف وزنها وطوله يبلغ ضعفي طولها!
الفن أداة للدمج
كل هذا، وأشياء أكثر حرص المعرض الباريسي على إبرازه من خلال عنوان كان شديد الفصاحة وهو "الفن أداة للدمج" ليحاول أن يشرح كيف أن الفن وحده، وتحديداً كيف أن الإيمان بالفن كان في حال ذينك الفنانين المتناقضين على الصعد كافة، وسيلة لاندماج حياتي وفكري بينهما، اندماج عجزت الحياة الزوجية، والتشارك العاطفي وتقاسم النضال السياسي، عن تحقيقه.
والحقيقة أن هذا المشروع المشترك قد يبدو للوهلة الأولى مستحيلاً بالنظر إلى التفاوت الهائل بين أحجام لوحات كل واحد منهما وجداريات الآخر. ومع ذلك أنجز المعرض المشترك ما يمكن له أن ينجز بالنظر إلى أن الأساس في الأمر كان تقديم نظرة شاملة لفني هذين المبدعين، نظرة تكشف وجوه التكامل الفني والحياتي وحتى السياسي، بينهما، إن لم يكن وجوه التطابق المفترض سلفاً!
ومن المؤكد أن النجاح في تحقيق هذه الغاية أتى مقنعاً، وبالتحديد ليخبرنا بأكثر مما كنا نعتقد من قبل، بأن ثمة من القواسم المشتركة بين فريدا ودييغو، أكثر مما كنا تعتقد بكثير. بالتالي أن ثمة في خلفية ذلك كله ما يمكننا أن نسميه "معجزة الإبداع الفني". وكان القوام العملي لهذه المعجزة، المجابهة التي أقامها منظمو المعرض على جدران المتحف بين نحو 50 لوحة (هي لوحات فريدا كاهلو الحقيقية التي جيء بها من شتى الآفاق)، ومنسوخات عن جدرانيات ريفيرا الضخمة (حققت بتقنيات متميزة، إلى جانب عديد من لوحات له جيء بها بدورها من متاحف ومجموعات خاصة).
وهكذا، لمرة نادرة في تاريخ هذين الفنانين اللذين ما اجتمعا حقاً إلا في الحكايات التي كتبت عنهما، وإلا في الكاتالوغات المشتركة ولكن خصوصاً في أحلام فريدا وحتى في بعض كوابيسها!
جمع خلاق للتناقضات
لقد كان من الخصائص الخلاقة لتلك التجربة، أن منظمي المعرض عرفوا كيف يوزعون اللوحات والمنسوخات وغيرها من الأشياء المعروضة، وصولاً حتى إلى الصور الفوتوغرافية واجتماعات الرفاق وصولاً إلى اللقاءات مع تروتسكي كما مع أندريه بريتون في لقاءات مكسيكية مشتركة، عرفوا كيف يوزعونها ليس كمصنفات تاريخية أو موضوعية، بل كنوع من المجابهات بحيث أن ثمة مقابل لوحة معينة لفريدا، ما يبدو من إنتاج دييغو وكأنه يرسم خلفية ما لها، أو يحدد الإطار التاريخي الذي أنجزت الفنانة لوحة أو أكثر من لوحة في استلهام، على سبيل المثال، ليس من الحدث أو الظرف التاريخي الذي أملى الموضوع أسلبته عليه، بل من العمل الإبداعي الذي حققه الزوج المبدع مستنداً إلى ذلك الظرف.
وهكذا، انطلاقاً من ذلك التقابل الذي عرف منظمو المعرض كيف يعيدونه إلى الحياة بعد عقود من ولادة نتاجات الثنائي الفنية المرتبطة به، بات من المنطقي التعامل مع كينونات فنية مختلفة عن تلك التي وسمت اللوحات نفسها في الماضي.
صحيح أن الأمر يبدو هنا مجازفة انتقائية ليس من الحتمي أن في إمكانها أن توصل المعرض إلى إحداث قلبة جذرية في التعاطي مع فنى الزوجين المبدعين، لكن الرسالة عرفت في نهاية الأمر كيف تصل، وبقوة... مما أحدث لدى كثر من الذين ارتادوا تلك العروض المفاجئة، تبديلاً كبيراً في تفهم فن كانت بعض ظروفه مغلقة عليهم أول الأمر. بل إن بعضهم كان يرى فيها شيئاً من أبعاد غامضة توصل في بعض اللحظات إلى مفاهيم ما ورائية بل ميتافيزيقية أساءت، وبصورة خاصة، إلى تلقي فن فريدا كاهلو (1907 – 1954)، بالنظر إلى أن أبعاده الذاتية كانت غالبة، مقابل وضوح هيمن دائماً على فن دييغو ريفيرا (1886 – 1957)، نظراً إلى أن فنه كان سياسياً موضوعياً جماهيري الهوى والهوية، يمكنه حتى أن يفهم كوسيلة تحريض ثورية لا لبس فيها ولا غموض.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بدايات فن كبير
بيد أن الأمر، ومن خلال هذا المعرض المشترك بالذات، لم يخل من "مفاجأة" إضافية لم تكن متوقعة. فمن جراء الطبيعة الخاصة لهذا المعرض كان لا بد للعارضين، وانطلاقاً من صعوبة نقل الجداريات المكسيكية الضخمة إلى باريس مستبدلينها بمنسوخاتها، كان لا بد لهم من الاستعانة بعدد لا بأس به من لوحات أولى لريفيرا تعكس مرحلته التكعيبية وحتى السوريالية المبكرة، مرحلته الباريسية بصورة خاصة، حين كان يرتاد الحلقات الفنية المتحلقة سواء من حول بيكاسو، أو من حول أندريه بريتون، وفي نشاط فني أنتج لديه أعمالاً فنية كانت تبدو منسية وبالكاد يذكر مدى تأثيرها، وبأكثر كثيراً من الجداريات اللاحقة، على بدايات فريدا كاهلو يوم كانت لا تزال تعتبر نفسها تلميذته وحبيبته في آن معاً.
ومن ناحية أخرى كشفت تلك اللوحات أن ما كان يعد في نتاجات فريدا الأولى مرحلة تأثر، من بعيد، بالمدارس الباريسية في الفن (بأعمال ليجيه وزادكين وموديلياني وبيكاسو نفسه... إلخ)، لم يكن في الحقيقة سوى تأثر بهؤلاء بالواسطة، أي من خلال تأثرها بريفيرا الذي كان هو من نقل إليها هذا التأثر ولو حتى من قبل أن يتعرف إليها. وهكذا تمكن ذلك المعرض الانعطافي من تأدية عديد من الخدمات وإيصال الرسائل من حول عالم فني يبدو لنا، اليوم فحسب، متكاملاً.