ملخص
يشير مراقبون إلى أن تأسيس المنشقين عن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي حزباً جديداً يضعهم أمام خيارات عدة وفق الأوضاع السياسية القائمة داخل إثيوبيا، وبخاصة في ظل العلاقة المضطربة بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وحزب الازدهار الحاكم في أديس أبابا.
أعلن الرئيس السابق لإقليم تيغراي جيتاشوا ردا تأسيس حزب جديد تحت اسم "حزب تيغراي الليبرالي الديمقراطي"، في ما يبدو أنه محاولة للرد على الانتقادات الواسعة التي طاولت تعيينه مستشاراً لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لشؤون دول شرق أفريقيا بدرجة وزير، وهو ما عده مراقبون متناقضاً مع متطلبات منصبه الرسمي كوزير في حكومة أديس أبابا.
وكان حزب الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي سحب تفويضه لجيتاشوا كرئيس للحكومة الموقتة في إقليم تيغراي، بعد تصاعد الخلافات بينه وقيادة الحزب حول المؤتمر الـ14 للحزب التاريخي وعلاقته بالحكومة المركزية، وبخاصة في ما يتعلق بملفات التنسيق الأمني، وذلك إثر تسليمه أديس أبابا عشرات الأسرى من الضباط الإثيوبيين المتهمين بممارسة جرائم حرب داخل الإقليم، من دون التنسيق مع الحزب أو قوات الدفاع التيغراوية.
وعلى رغم اتفاق الحكومة المركزية في أديس أبابا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على تنصيب الجنرال تادسي وريدي خليفة لجيتاشوا، فإن الخلافات بين الإقليم والعاصمة تصاعدت، وبخاصة بعد ضم اثنين من الأعضاء المنشقين عن الجبهة إلى مجلس الوزراء الإثيوبي، فضلاً عن تجاهل أديس أبابا الحملات التي شنها جيتاشوا رداً ضد قيادة الجبهة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على رغم منصبه الوزاري.
ويشير مراقبون إلى أن تأسيس المنشقين عن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي حزباً جديداً يضعهم أمام خيارات عدة وفق الأوضاع السياسية القائمة في إثيوبيا، وبخاصة في ظل العلاقة المضطربة بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وحزب الازدهار الحاكم في أديس أبابا، فإما أن يتحالف الحزب الجديد مع حزب الازدهار بقيادة آبي أحمد ويصبح جزءاً من الأحزاب المشاركة في السلطة، أو أن يعمل داخل تيغراي ضمن أحزاب المعارضة التيغراوية الأربعة ("بايتونا" و"سالساي وياني" و"عرينا" و"استقلال تيغراي")، وهي أحزاب تعارض الجبهة الحاكمة في الإقليم، لكنها تفتقد التأثير الفعلي على الأوضاع السياسية في ظل سيطرة الجبهة على مقاليد السلطة خلال العقود الثلاثة الماضية، إلى جانب قاعدتها الشعبية وامتدادها الإداري والبيروقراطي.
أما الخيار الثالث، وفق المراقبين، فيتعلق بمحاولة الاستفادة من شبكة العلاقات التي بناها الرئيس السابق للإقليم داخل الجبهة الشعبية، ومن ثم العمل على سحب البساط منها وتقديم أنفسهم كامتداد إصلاحي للجبهة التاريخية، ولكن هذا الخيار يواجه تحديات عدة بعضها ذو طابع تنظيمي، إذ تتمتع الجبهة بقاعدة قوية وصارمة إلى جانب شرعيتها التاريخية، فضلاً عن تحد آخر أيديولوجي، إذ إن الحزب الجديد تخلى عن العقيدة السياسية المؤسسة للجبهة (التاريخ الثوري وسياسات التنمية الاجتماعية والعدالة والانحياز للفقراء، إلخ) بتبنيه أيديولوجية ليبرالية عوض الشرعية الثورية المستمدة من الماضي النضالي.
خطوة نحو التحالف
من جهته، يرى المتخصص في الشأن التيغراوي محاري سلمون أن إعلان الجناح المنشق عن الجبهة بقيادة جيتاشوا تشكيل حزبي سياسي جديد يهدف إلى نفي الاتهامات المتعلقة بانضمامهم لحزب الازدهار، لا سيما بعد الاتهامات التي وجهها رئيس الجبهة بأن الأعضاء السابقين في حزبه كانوا وكلاء للحزب الحاكم، مشيراً إلى أن استحداث مناصب وزارية لعضوين منهم في الحكومة الفيدرالية يؤكد المزاعم التي ظلت تتردد في أوساط التيغراويين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقدر سلمون أن تشكيل الحزب الليبرالي الديمقراطي كمنصة للمنشقين يعد خطوة أولى نحو التحالف مع حزب آبي أحمد، مشيراً إلى أنهم من جهة يحاولون نفي التهم، ومن جهة أخرى قد يعملون من أجل الانضمام للتحالف الحاكم، لا سيما أن عضويين مؤسسين للحزب الآن يحملون حقائب وزارية.
ويتوقع المحلل التيغراوي أن يهيئ قيادات الحزب الجديد الرأي العام لتلك الخطوة بعد حصولهم على الاعتماد الرسمي، لكن الأمر قد يستغرق بعض الوقت، وقد يتأخر حتى الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في تيغراي، وبخاصة أن الجبهة الشعبية تواجه أزمة مع اللجنة الوطنية للانتخابات والأحزاب السياسية، إذ لم تحصل بعد على الاعتماد الرسمي نتيجة تداعيات الحرب وتصنيفها من قبل البرلمان الإثيوبي تنظيماً إرهابياً خلال فترة القتال. وعلى رغم مراجعة ذلك على المستوى السياسي، فإن القواعد القانونية تتطلب إعادة تقدم الجبهة بملف ومسمى جديد للجنة الانتخابات للحصول على الاعتراف كحزب سياسي معتمد، وهو ما ترفضه الجبهة معتبرة أنها حزب معتمد منذ عام 1995، ومدللة على ذلك بـ(اتفاق بريتوريا) للسلام الموقع بينها والحكومة الإثيوبية، والذي يقر بهذا الحق.
ويضيف سلمون أن ثمة ثغرات قانونية تستغلها لجنة الأحزاب السياسية، فيما ترفض الجبهة تغيير اسمها أو التقدم للاعتماد كحزب جديد. وأمام هذا النزاع القانوني الذي استمر أكثر من عامين، فإن أمام الحزب الجديد الذي يقوده جيتاشوا فرصاً واعدة للاستثمار في هذه الخلافات، ومحاولة التأثير في قواعد الجبهة واستقطابها، وبخاصة أن الجبهة لا تزال تعاني تداعيات الحرب، ومزاعم تتعلق بتسبب سياساتها في النزاع الذي راح ضحيته نحو مليون تيغراوي خلال الفترة بين عامي 2020 و2022.
وأشار إلى أن الحزب الليبرالي الديمقراطي بإمكانه منافسة الجبهة في تيغراي، إذ يتمتع جيتاشوا بشعبية كبيرة وبخاصة في الأوساط الشبابية المتطلعة للتغيير، بعد ثلاثة عقود ونيف من حكم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.
وفي رده على سؤال لـ"اندبندنت عربية" حول إمكانية التحالف مع حزب الازدهار وأثر ذلك في ذاكرة التيغراويين، وبخاصة بعد الحرب الضروس التي خاضها الحزب ضدهم، يقول سلمون إن "من المفارقة أن تتقارب الجبهة الشعبية مع النظام الإريتري، العدو الكلاسيكي الذي شارك في الحرب ضد تيغراي، مما يبرر إمكانية تحالف حزب جيتاشوا مع رئيس الوزراء آبي أحمد، الطرف الآخر في الحرب، فكل منهما في هذه الحال لا يمكنه المزايدة على الآخر في شأن الحرب.
ويقرأ سلمون أن الحزب الجديد يحاول التخلص من البعد الأيديولوجي الذي تبنته الجبهة، إذ تشير تسميته إلى اعتناق عقيدة سياسية ليبرالية، وهو ما يتوافق مع توجهات حزب الازدهار الحاكم في أديس أبابا، مما يعزز من إمكانية التوافق والتحالف، كما أنه يبعث برسائل واضحة إلى الشركاء الدوليين، وبخاصة الولايات المتحدة والقوى الأوروبية.
من رحم السلطة
بدوره يرى المتخصص في الشأن الإثيوبي بيهون غيداون أن الحزب الليبرالي الديمقراطي لتيغراي، يعد بصورة غير مباشرة جزءاً من الائتلاف الحاكم، ولا يمكنه ادعاء المعارضة في ظل مشاركته المباشرة بالسلطة القائمة عبر حقيبتين وزاريتين، خصوصاً أن هناك أحزاباً في الائتلاف بحقيبة وزارية واحدة، ومن ثم فإنه غير مضطر إلى إعلان اندماجه داخل حزب الازدهار الحاكم، أو انتظار اعتماده لإعلان التحالف، إذ إنه بحكم الواقع جزء من السلطة الحالية، مما يعني أنه حزب ولد داخل رحم السلطة القائمة.
ويضيف غيداون أن ثمة اتساقاً سياسياً وأيديولوجياً مع حزب السلطة، سواء من حيث منطلقاته الفكرية أو رؤيته السياسية لمستقبل البلاد، وهو أساس التناقض الذي حدث بين الجناح الذي شكل الحزب الجديد، والحرس القديم في الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، والمرتبط بالخلفية النضالية المتعلقة بالبعدين الاشتراكي والقومي.
ويرى غيداون أن الجبهة غالباً ما تعزف على وتر القومية التيغراوية، وتدافع عن المادة 39 من الدستور الفيدرالي الإثيوبي، التي تنص على حق الشعوب الإثيوبية في تقرير مصيرها، لكن هذا المبدأ يُستغل في الغالب لأغراض انتخابية أكثر منه لأهداف الانفصال، إذ تدرك الجبهة أن ثمة عوائق موضوعية تحول دون استقلال الإقليم عن إثيوبيا لاعتبارات اقتصادية وسياسية ودولية.
وتوقع أن يتبنى الحزب الجديد مواقف أكثر براغماتية في ما يتعلق بمبدأ تقرير المصير، إذ من المرجح أن يطالب بوحدة إثيوبيا، وبخاصة أن غالب مؤسسيه من الأكاديميين التيغراويين الذين يتمتعون بمرونة تجاه هذا المبدأ ورؤية أكثر موضوعية، ومعظمهم من الجيل الذي لم يشارك في النضال التيغراوي المسلح من أجل الاستقلال (1975-1991).
ويقدر غيداون أن ثمة إمكانية امام الحزب الليبرالي لاستقطاب قاعدة جماهيرية في تيغراي، لا سيما في ظل حال الجمود والتكلس التي تعانيها الجبهة الشعبية نتيجة عدم قدرتها على التكيف مع المستجدات، فضلاً عن فقدانها قادة مؤثرين وفاعلين في الحرب الأخيرة، علاوة على عدم قدرتها على استقطاب الأجيال الجديدة، إضافة إلى تورط أعداد مقدرة من قياداتها في قضايا الفساد الإداري والمالي.
ونوه إلى ضرورة تبني الحزب خطاباً متوازناً يتجاوز العاطفة القومية، وفي الوقت ذاته لا يخصم من نضالات التيغراويين، أو يتحول إلى تكرار للبروباغاندا الرسمية في أديس أبابا، بل يقدم نفسه كصوت تيغراوي داخل السلطة يطرح تطلعات الفئات التيغراوية المتضررة من الحرب، ويتعهد بتحقيق السلام والتطبيق الفعلي لـ"اتفاق بريتوريا"، وفي هذه الحال قد يمثل الحزب أملاً للتيغراويين الذين عانوا كثيراً من انفراد الجبهة بالسلطة لأكثر من ثلاثة عقود مضت.