ملخص
يرى محللون أن مستقبل العلاقة بين المركز وإقليم تيغراي مرهون بمدى التزام الطرفين، الحكومة الموقتة بقيادة تادسي وريدي والحكومة الفيدرالية بقيادة آبي أحمد، بالبنود الثمانية التي على أساسها اختير تادسي وريدي، إذ اتفق عليها الطرفان بحضور دبلوماسي كبير وممثلي المجتمعين الدولي والإقليمي.
في تطور لافت للصراع القائم بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والحكومة المركزية في أديس أبابا، حول تشكيل الحكومة الموقتة للإقليم الواقع شمال إثيوبيا، إلى جانب ملفات أخرى، وافق رئيس الوزراء آبي أحمد أول من أمس الثلاثاء على تعيين اللواء تادسي وريدي، رئيساً للحكومة في الإقليم خلفاً لجيتاتشوا ردا، الذي عُزل من منصبه إثر خلافات عميقة مع الجبهة.
في حفل التنصيب، الذي تم بالعاصمة أديس أبابا وغابت عنه قيادات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي فيما حضره رئيس الاتحاد الأفريقي وممثلو الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ولفيف من الدبلوماسيين المعتمدين، أشاد رئيس الوزراء آبي أحمد باللواء تادسي وريدي، واصفاً إياه بأنه يتمتع "بفهم واضح لنقاط قوة الحكومة السابقة وعيوبها"، وأضاف آمل في أن يغتنم هذه الفرصة التاريخية لمساعدة شعب تيغراي على تحقيق تطلعاته إلى السلام والتنمية، ويسهم بشكل مفيد في استقرار إثيوبيا.
أسباب الخلاف
كانت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي قد سحبت تفويضها عن الرئيس السابق لحكومة الإقليم جيتاتشوا ردا، ورشحت اللواء تادسي وريدي لخلافته، في حين تمسك رئيس الوزراء الإثيوبي بجيتاتشوا قبل أن يلجأ إلى إصدار قرار مثير للجدل يتعلق بالتصويت الإلكتروني، إذ دعا التيغراويين إلى ترشيح الأسماء التي يرون أحقيتها بشغل المنصب، وذلك من خلال بريد إلكتروني تابع لرئاسة الوزراء، وذلك بحجة أن الإقليم غير ممثل في البرلمان الوطني، والجبهة تشهد تجاذبات داخلية مما أدى إلى انقسامها إلى جناحين متصارعين، مما يصعب معه التزام بنود اتفاق بريتوريا الذي ينظم العلاقة بين حكومتي الإقليم والمركز.
إلا أن الجبهة رفضت قرار الترشيح الإلكتروني وتمسكت بحقها في ترشيح وريدي وفقاً لأحكام اتفاق بريتوريا الذي ينص على أن آلية تعيين رئيس الإقليم تتم من خلال تصويت اللجنة المركزية للجبهة، على أن يحصل المرشح على موافقة رئيس الوزراء ومصادقته على التعيين، وفي حين تعذر ذلك بإمكان اللجنة ترشيح اسم آخر. واعتبرت أن الاتفاق واضح في هذا الشأن، إذ لا يحق لرئيس الوزراء منفرداً تعيين أي شخص لشغل منصب رئيس حكومة الإقليم، وهو الرفض الذي اضطر أديس أبابا إلى قبول مرشح الجبهة بعد نحو أسبوعين على قرار الترشيح الإلكتروني، واعتبرت مصادقة آبي أحمد على الجنرال وريدي ثاني انتصار للجبهة بعد قرار عزل جيتاتشوا ردا من رئاسة الحكومة.
يرى مراقبون أن اضطرار آبي أحمد إلى إلغاء قرار الترشيح الإلكتروني يعد بمثابة انحناء للعاصفة، بخاصة بعد التحالفات الإقليمية التي شرعت فيها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، لا سيما مزاعم تحالفها مع أسمرة لإبطال نذر الحرب المحتملة، علاوة على المعلومات حول التنسيق مع الجيش السوداني بخاصة بعد التقدم الكبير الذي يحققه في اتجاه تحرير الخرطوم ودحر ميليشيات "الدعم السريع".
وكان الرئيس السابق للإقليم قد اتهم قيادة الجبهة بالتحالف مع النظام الإريتري لتحقيق هدف إقالته والتمرد على الحكومة المركزية، في حين نفت نائبة رئيس الجبهة ورقي فتل الاتهامات، مؤكدة أن قيادة الحزب تسعى إلى إقامة علاقات طبيعية مع كل دول الجوار، موضحة أن تحسين العلاقات مع الأقاليم والدول المجاورة بما فيها إريتريا لا يستهدف الحكومة المركزية في أديس أبابا، بل قائم على قاعدة المصالح المشتركة.
المقاطعة الشعبية
بدوره يرى المتخصص في الشأن التيغراوي محاري سلمون أن إلغاء قرار رئيس الوزراء السابق حول تعيين رئيس للإقليم عبر البريد الإلكتروني لم يكن نتاج رفض قيادة الجبهة فحسب، بل هم بالأساس نتاج المقاطعة الشعبية الكبيرة له، إذ اعتبره التيغراويون بمثابة العبث في موضع الجد.
ويضيف سلمون أن القرار يفتقد للحصافة السياسية فضلاً عن افتقاده أي سند قانوني، مشيراً إلى أن فريق آبي أحمد حاول عبثاً للتلاعب بنضالات التيغراويين المتعلقة بالنظام الدستوري الذي دفعوا من أجله الغالي والنفيس أثناء فترة الثورة التي امتدت أكثر من عقد ونصف العقد من الكفاح المسلح، وثلاثة عقود من تأسيس النظام السياسي الفيدرالي، موضحاً أن الدستور الفيدرالي ينص على سيادة كل إقليم فيدرالي وحقه في انتخاب حكومته، كما يشير اتفاق بريتوريا للسلام، إلى أنه المنظم القانوني الوحيد للعلاقة بين الإقليم والمركز خلال الفترة الانتقالية، وينص على أحقية الجبهة الشعبية في تسمية الرئيس، فيما يحق لرئيس الوزراء قبول الترشيح والمصادقة عليه أو رفضه، لكن لا يحق له تعيين رئيس من خارج ترشيح أطر الجبهة.
ويرجح محاري أن رئيس الوزراء قد فوجئ بالرد الشعبي القوي، إذ لم يعر التيغراويون دعوته للترشيح أي اهتمام يذكر، مضيفاً "حتى الأحزاب السياسية التيغراوية المعارضة كان لها موقف رافض لهذا العبث، فعلى رغم معارضتها سلوك وإدارة الجبهة في الإقليم، فإنها أصدرت بيانات منددة بقرار الترشيح بالبريد الإلكتروني، مما وضع فريق آبي أحمد أمام خيار لا مناص عنه، وهو قبول ترشيح الجبهة".
مخالفات بروتوكولية
يقرأ محاري أن عدم دعوة ممثلي الجبهة إلى حفل التنصيب الذي دُعي إليه الدبلوماسيون الأجانب والاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد وغيرهم، يعد تعبيراً عن الهزيمة النفسية والسياسية التي يشعر بها رئيس الوزراء، منوهاً بأن هناك معلومات غير مؤكدة تشير إلى اشتراط رئيس الإقليم السابق جيتاتشوا ردا، ضرورة غياب قيادات الجبهة لحضوره الحفل والمشاركة في مهام التسليم والتسلم، ويضيف "أياً كان السبب فإن تغييب الجهة الحاكمة في الإقليم عن حفل تنصيب رئيس الإقليم، سلوك يفتقر إلى الحكمة، ويرمز إلى تصرف سياسي قاصر".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويؤكد المتخصص التيغراوي أن ثمة مخالفات بروتوكولية حدثت من بينها إعداد وثيقة يوقع عليها الرئيس الجديد، في حين أن التنصيب يعد أمراً بروتوكولياً، وليس اتفاقاً جديداً يتطلب تحديد مهام وإعداد وثيقة تتضمن ثمانية بنود فضفاضة، إذ إن المرجع القانوني الوحيد للعلاقة بين حكومتي الإقليم والمركز هو اتفاق بريتوريا، وليس من حق آبي أحمد وضع مهام جديدة للحكومة يوقع عليها الرئيس المعين حديثاً.
ويشير محاري إلى أنه على رغم أن جميع تلك البنود المنصوص الثمانية لا تتعارض مع الاتفاق بل هي جزء منه، فإن وجودها في حد ذاته يعد مخالفة، كما قد يعني بشكل ما محاولة اختزال الاتفاقية في ستة بنود، مما يمثل محاولة لإجهاض بقية البنود.
تراجع احتمالات الحرب
من جهته، يرى رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية ياسين أحمد أن تعيين الجنرال تادسي وريدي قد يقلل من التوتر الداخلي في إقليم تيغراي من جهة، والتوتر بين مقلي وأديس أبابا، من الجهة الأخرى. ويضيف، "لكن ذلك يتوقف على موقف الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تجاه البنود الثمانية التي وقع عليها تادسي أثناء حفل التنصيب".
ويرى ياسين أن تعيين الجنرال تادسي على رأس الحكومة في تيغراي سيقلل من احتمالات قيام حرب جديدة في المنطقة، وذلك لجهة تأثيره ونفوذه في جيش الدفاع التيغراوي، إضافة إلى تمتعه بقبول شعبي كبير، فضلاً عن حصوله على ثقة الحكومة المركزية.
ويرجح رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية أن يكون رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قد تخلى عن قراراته السابقة في شأن الترشيح الإلكتروني، ووافق على تعيين الجنرال تادسي لحسابات دقيقة تتعلق بصفقة سياسية وتفاهمات إقليمية ودولية، قد تظهر تفاصيلها لاحقاً، نافياً أن يكون السبب الوحيد وراء اختياره كونه مرشحاً للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، بل ثمة أسباب موضوعية لجهة أنه كان نائباً أولاً لرئيس الحكومة السابقة، مما يعزز فرصة توليه السلطة أوتوماتيكياً في حال عزل أو غياب الرئيس، ومن ثم لا يمكن اعتبار ما حدث بمثابة انتصار لجناح سياسي واحد داخل الجبهة.
ويضيف ياسين أن "عزل جيتاتشوا ردا عن السلطة في تصوري يعد خسارة كبيرة للجبهة قبل غيرها، وبالتأكيد ليس انتصاراً حقيقياً كما يُصور، ذلك لأن جيتاتشوا كان من أبرز قيادات الجبهة وهو الذي قاد وفد الجبهة في المفاوضات مع الحكومة الإثيوبية الذي تمخض عنه اتفاق بريتوريا للسلام".
وينوه بأن توليه السلطة في أعقاب وقف إطلاق النار مثل أملاً جديداً للأجيال التيغراوية الشابة، كما شهد عهده انفتاحاً ديمقراطياً ملحوظاً وإطلاقاً للحريات العامة، إلا أن انقسام الجبهة إلى تيارين أعاد الأمور مرة أخرى إلى المربع الأول، ويضيف أن إحدى أعقد المسائل في تيغراي اليوم تتعلق بغياب الشرعية السياسية بخاصة بعد انقسام الجبهة على نفسها، وعدم قدرتها على تسوية أوضاعها القانونية مع اللجنة الوطنية للأحزاب السياسية والانتخابات، وذلك بسبب الحرب الأخيرة وتصنيفها كمجموعة إرهابية من قبل البرلمان الإثيوبي والمؤسسات القضائية، وعلى رغم دعوات التسوية القانونية فإنها لا تزال تعمل خارج الترخيص القانوني، كما أن ثمة قراراً بتعليق نشاطاتها مدة ثلاثة أشهر صادر من اللجنة، ذاتها.
لا تحالفات جديدة
يستبعد رئيس معهد الدبلوماسية الشعبية أن تنجح الجبهة بوضعها الحالي في عقد تحالفات إقليمية قوية بخاصة مع النظامين الإريتري والسوداني، على رغم المعلومات الرائجة حول ذلك، مدللاً على ذلك بالقول: الخرطوم وأديس أبابا تتمتعان بعلاقات أخوية جيدة، ولا أعتقد أن يغامر السودان بمصالحه الإستراتيجية مع إثيوبيا من أجل عقد تحالف مع تنظيم سياسي لم يعد بالقوة السابقة ذاتها، ويعمل خارج الأطر القانونية، فضلاً عن أنه محاصر في إقليم واحد.
وفي ما يخص التحالف مع النظام الإريتري فإن جناح دبرصيون نفسه نفى مراراً أن تكون لديه علاقة تحالف مع أسمرة بغرض استهداف الدولة الإثيوبية أو أحد أقاليمها السيادية، ويردف بالقول "وحتى إذا كانت هناك علاقات سرية بين الطرفين فإن شعب تيغراي يتمتع بحساسية عالية تجاه التدخل الإريتري، بخاصة في ظل مزاعم ارتكاب الجيش الإريتري انتهاكات جسيمة في حرب تيغراي الأخيرة، مما يقف سداً منيعاً أمام بناء أية تحالفات محتملة".
ويرى ياسين أحمد أن مستقبل العلاقة بين المركز وإقليم تيغراي مرهون بمدى التزام الطرفين، الحكومة الموقتة بقيادة تادسي وريدي والحكومة الفيدرالية بقيادة آبي أحمد، بالبنود الثمانية التي على أساسها اختير تادسي وريدي رئيساً موقتاً لإقليم تيغراي، إذ اتفق عليها الطرفان بحضور دبلوماسي كبير وممثلي المجتمعين الدولي والإقليمي في أديس أبابا.