Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجزائر وفرنسا... عراك سياسي مشحون بالقضايا المتشابكة

تبادل التصريحات تحت ضغط اتفاق الهجرة وترحيل المهاجرين وإطلاق سراح صحافي ووضع شروط للزيارة

يظهر جلياً أن التيار بين العاصمتين الجزائر وباريس يتجه نحو مزيد من التأزم (أ ف ب)

ملخص

يثير تشديد وزير الداخلية الفرنسي بوضع شروط مقابل زيارته الجزائر، بعد تحمس أبداه بالقيام بالخطوة عشية تعيينه في منصبه خلفاً لسلفه برونو روتايو، كثيراً من الغموض حول "صراع صامت" داخل السلطة في فرنسا، لا سيما أن الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة جمعية "الجزائر فرنسا" سيغولين روايال، وخلال زيارتها الجزائر الأسبوع الماضي، دعت فرنسا إلى احترام الجزائر.

يبدو أن تجاوز الأزمة بين الجزائر وفرنسا ليس في المتناول أمام استمرار تصلب المواقف، وفي وقت انتظر فيه العقلاء في البلدين انخفاض الضغط إثر زيارة الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة جمعية "الجزائر فرنسا" سيغولين روايال إلى الجزائر ولقائها عدداً من المسؤولين على رأسهم الرئيس تبون، إلا أنه لا جديد في الأفق بعدما ربط وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز تنقله إلى الجزائر بشروط "تعجيزية".

مرور أكثر من 4 أشهر

وعلى رغم مرور أكثر من أربعة أشهر من إعلانه الحماسي عن زيارة الجزائر، غير أن التصريحات الأخيرة لوزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز أماطت اللثام عن حقيقة التوتر الحاصل بين العاصمتين الجزائر وباريس، حيث شدد خلال ظهوره على القناة الفرنسية الأولى، على أن أي زيارة رسمية تبقى رهينة بتطورات ملموسة في قضايا حساسة، من بينها ترحيل المهاجرين الجزائريين غير النظاميين الذين صدرت ضدهم أوامر بمغادرة التراب الفرنسي، وكذلك إطلاق سراح الصحافي كريستوف غليز، الذي دانه القضاء الجزائري بتهمة تمجيد الإرهاب.

وأبرز نونيز أن تحقيق التقدم في الملفات العالقة يظل شرطاً أساساً لأي خطوة دبلوماسية، معتبراً أن أي زيارة لا تسفر عن تقدم في هذا الملف بلا جدوى سياسية، وأضاف أنه لن يتخلى عن شروطه، مشدداً على ضرورة تسجيل تطور في عدد من الملفات العالقة حتى تتجسد الزيارة، وقال "أنتظر أن تكون هناك تطورات في هذه القضايا، وعندها سأتوجه إلى الجزائر".

صراع صامت

يثير تشديد وزير داخلية باريس في وضع شروط مقابل زيارته الجزائر، بعد تحمس أبداه بالقيام بالخطوة عشية تعيينه في منصبه خلفاً لسلفه برونو روتايو، كثيراً من الغموض حول "صراع صامت" داخل السلطة في فرنسا، لا سيما أن الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة جمعية "الجزائر فرنسا" سيغولين روايال، وخلال زيارتها الجزائر الأسبوع الماضي، دعت فرنسا إلى احترام الجزائر.

وأكدت روايال أن الرئيس تبون يثبت إرادته في الحوار متى كان الاحترام والتقدير متبادلين، مضيفة في تصريحات صحافية، أنه يجب وضع حد للمواقف السياسية الضيقة، والحد من الاستفزازات والخطابات التي تمزق، من طرف أولئك الذين لا يريدون للجزائر أن تتقدم، ولا يعترفون بعد بسيادتها الوطنية ودورها الدبلوماسي في العالم وقرارها بعدم الانحياز وحريتها الكاملة في اختيار تحالفاتها وقضاياها.

وأوضحت روايال أنه على السلطات الفرنسية أن تحترم السيادة الوطنية للجزائر، داعية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القيام بلفتة مصالحة واعتراف تجاه الجزائر، واعتبرت أن هذه الخطوة ضرورية لكسر الجمود وفتح مسار جديد للعلاقات الثنائية، وقالت إنها ستقدم نصيحة مباشرة لماكرون تتمثل في الاعتراف الرسمي بجرائم الاستعمار، مع إعادة الممتلكات الثقافية والأرشيف والرفات البشرية، مشددة على أن الجزائر لا تطالب بتعويضات مالية، بل باعتراف تاريخي.

مسار "الشروط"

وكان وزير داخلية باريس صرح خلال تعيينه في منصبه خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بأنه سيتوجه إلى الجزائر تلبية لدعوة من نظيره الجزائري عبدالمجيد تبون، وحرص في خطابه السياسي على إظهار تمايزه عن لهجة سلفه المتشددة تجاه الجزائر، وقال "لديَّ أمل كبير، وأعلم أنني سأذهب، لا يمكننا الاستمرار في حال غياب العلاقات"، مضيفاً أن المناقشات التقنية الأمنية استؤنفت بالفعل.

وبين اعتماد فرنسا مسار "الشروط" في إدارة الأزمة، ورفض الجزائر التعاطي بـ"الإملاءات" لتجاوز الخلافات، يتعقد أي مسعى في اتجاه تهدئة الأوضاع، وبذلك تتجه العلاقات الثنائية إلى مزيد من التأزم، مما يثير استفهامات ويطرح تساؤلات حول نيات باريس واستعداد الجزائر لإعادة الأمور إلى نصابها والانطلاق في علاقات جديدة مبنية على الاحترام المتبادل.

لا أفق في إصلاح العلاقات الثنائية

وفي السياق يرى الباحث في علم الاجتماع السياسي، بن مصطفى دحو، أن الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا ليست عابرة أو ناتجة من حادثة عرضي، بل سببها مقاربة ترتكز على التاريخ الدبلوماسي لفرنسا التي كانت تؤسس العلاقة على الفوقية والاستعلاء والإخضاع، ولم تتقبل بروز سياسة تقوم على الندية في العلاقات، وقال إن شروط وزير الداخلية لوران نونيز، تندرج في هذا السياق، وهي تعبر عن سلطة المؤسسة العميقة في فرنسا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد بروز الأزمة بين البلدين لأسباب تتعلق بانحياز باريس للطرح المغربي فيما تعلق بملف الصحراء الغربية، قام اليمين الفرنسي بالاستثمار في التوتر لعدة اعتبارات داخلية وانتخابية وتاريخية، وهو ما يوضحه دحو بأن اليمين لم يهضم استقلال الجزائر، وكثير من ساستهم تربطهم علاقة وجدانية بالجزائر لكونهم أبناء الأقدام السوداء.

ويتوقع الباحث السياسي أن العلاقات الجزائرية - الفرنسية ستشهد تأزماً أكثر بحكم رغبة اليمين واليمين المتطرف توظيفها في سياق الحملة الانتخابية الرئاسية المقررة في 2027، وكذلك لتبرير الأزمات الداخلية وصرف النظر عن تراجع النفوذ الفرنسي دولياً أمام الإهانات الأميركية، وختم، "لا أرى في الأفق أية إمكان لإصلاح العلاقات الثنائية".

الوزير الأول الفرنسي يدخل على الخط

لم يتوقف الأمر عند "خرجة" وزير الداخلية الفرنسي، بل انتقل إلى مسؤوله الوزير الأول سيباستيان لوكورنو، الذي كشف عن الشروع رسمياً في مسار إعادة التفاوض حول اتفاق الهجرة الموقع بين الجزائر وفرنسا سنة 1968، وقال إن الرئيس ماكرون، سيطلق خلال الأسابيع المقبلة عدة مبادرات تهدف إلى تحقيق "نتائج ملموسة في هذا الملف.

واعتبر الوزير الأول الفرنسي أن اتفاق 1968 لم يعد يتوافق بوضوح مع المصالح الفرنسية، مشدداً على أن هناك حال استعجال حقيقية للتوصل إلى نتائج، في إشارة إلى رغبة باريس في تعديل الإطار القانوني الذي يحكم الهجرة الجزائرية نحو فرنسا، مما يعكس انتقال باريس من مرحلة التصريحات إلى مرحلة التحرك السياسي العملي.

تبون: "شروط وزير الداخلية الفرنسي تهمه هو ولا تهمنا"

ويظهر جلياً أن التيار بين العاصمتين الجزائر وباريس يتجه نحو مزيد من التأزم، وتشير المعطيات إلى أن الوضع انتقل إلى كسر العظام بعدما كان الضرب تحت الحزام، إذ علق الرئيس الجزائري تبون، خلال لقائه الدوري مع الصحافة المحلية، على الشروط التي طرحها وزير الداخلية الفرنسي بخصوص زيارته إلى الجزائر، وقال إن "الشروط التي طرحها وزير الداخلية الفرنسي بخصوص زيارته إلى الجزائر تهمه هو ولا تهمنا"، وأضاف "من يريد أن يقزم الجزائر أو يحاول إهانتها لم تلده أمه".

وفي المقابل، وجه الرئيس تبون تحية لرئيسة جمعية "فرنسا - الجزائر" الوزيرة السابقة سيغولين روايال، التي زارت الجزائر أخيراً، على شجاعتها وصراحتها، وهي التي انتقدت استمرار بلادها اعتماد مقاربات قديمة تقوم على فرض الشروط بدل الحوار الندي بين الدول ذات السيادة.

معركة داخلية بين طرفين

بالعودة إلى تصريحات المسؤولين الفرنسيين يبدو لافتاً وجود معركة داخلية بين طرفين حول طريقة إدارة الأزمة الدبلوماسية مع الجزائر، حيث يشجع الأول على اتباع مسار براغماتي مع شريك تاريخي، عبر اعتماد الحوار الهادئ بعيداً من الأضواء، وتجنب التصريحات التصعيدية، على اعتبار أن الخسائر المترتبة عن استعمال لغة "الشروط" كبيرة وضخمة، لا سيما في مجالات الطاقة والأمن الإقليمي في الساحل الأفريقي ومكافحة الإرهاب، وهو ما من شأنه الإضرار بالمصالح الفرنسية.

ويرى الطرف الثاني أن باريس ظهرت ضعيفة في تعاملها مع الجزائر، من خلال السماح لها بالوقوف في وجه فرنسا بندية، والمطالبة بفتح ملفات كانت إلى وقت قريب من التابوهات التاريخية، مما يستدعي الرد باستخدام أوراق ضغط بينها التأشيرات واتفاقية الهجرة، من أجل ترويضها، وغالب هذا التيار من اليمين واليمين المتطرف.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير