Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صدمة إبستين... هل كان منظرو المؤامرة على حق؟

أكدت القضية أن النظام القانوني العالمي يكيل بمكيالين فيطبق بنوده على الضعفاء بينما يمنح الحصانة لنخبة من الأقوياء وفاحشي الثراء

صور غير مؤرخة قدمتها وزارة العدل الأميركية في 30 يناير 2026 كجزء من ملفات جيفري إبستين (أ ف ب)

ملخص

يتضح الآن أن العلاقات تتفوق على السياسات، إذ لا تحكم القوانين أو المبادئ، بل شبكات السلطة التي تتحدى المساءلة، وأصبح السؤال الآن ليس عما كان يفعله إبستين، فهذا معروف منذ سنوات، لكن كيف ستتم محاسبة الذين مكنوا وحموا واستفادوا من عمليات إبستين بعد أن أصبحت الأدلة متاحة.

بعد أن وفرت وزارة العدل الأميركية 3 ملايين وثيقة أخرى من ملفات جيفري إبستين المدان بانتهاكات جنسية لفتيات قاصرات، أصبح أمام وسائل الإعلام وجمهور المهتمين بالسياسة وفضائحها أشهراً من القراءة للتوغل في عمق هذه الملفات التي ستكون مثيرة للغضب، ليس لأنها تتعلق بسلوك إبستين المروع الذي كان معروفاً من قبل، بل بسلوك النخب التي تستمر الوثائق في كشفهم، فهي تظهر بوضوح عالماً كان أصحاب نظرية المؤامرة يشتبهون في وجوده، وهو ناد عالمي من الأشخاص الأقوياء فاحشي الثراء الذين يتمتعون بحصانة، ويبدو أنهم يعرفون ويساعدون ويحمون بعضهم بعضاً من عواقب انحرافاتهم التي استغرق الكشف عن حقيقتها عقوداً، ومع ذلك لم يجد مكتب المدعي العام الأميركي في الأدلة التي أميط عنها اللثام من يوجه له اتهامات إضافية.

شبكة واسعة

كشفت ملايين الوثائق التي وفرتها وزارة العدل الأميركية، وفقاً لقانون الشفافية الذي أقره الكونغرس نطاقاً غير مسبوق من شبكة علاقات إبستين التي ربما لم يتصورها أحد، فقد شملت رئيساً أميركياً سابقاً وآخر حالياً ووزراء وحكاماً أميركيين حاليين وسابقين، وسياسيين آخرين وعلماء ومفكرين وأكاديميين ومشاهير وكبار رجال الأعمال وقادة في مجال التكنولوجيا، وأفراداً من العائلات المالكة البريطانية والنرويجية، إذ عمل الممول السابق المدان بالاعتداءات الجنسية علناً بين أقوى مستويات المجتمع العالمي، ومع ذلك لم تتدخل السلطات الأميركية إلا بالقدر اليسير على رغم توثيق جرائمه وبشاعتها وتتبع اتصالاته.

بدأ التحقيق في قضية إبستين عام 2005، عندما أبلغ والدا فتاة تبلغ من العمر 14 سنة عن تعرضها للاعتداء الجنسي في منزل الملياردير في "بالم بيتش" بولاية فلوريدا، وحددت الشرطة ما لا يقل عن 35 فتاة في المرحلة الثانوية قصصهن متشابهة، وكان إبستين يدفع لهن ما بين 200 و300 دولار في مقابل جلسات تدليك ذات طابع جنسي.

صفقات مريبة

مع ذلك، أبرم المدعي العام الأميركي في ميامي، صفقة مريبة سمحت لإبستين بالاعتراف بالذنب في تهمة استدراج قاصر لممارسة الدعارة، وحكم عليه بالسجن في جناح خاص لمدة 18 شهراً، ليخرج من السجن بعد 13 شهراً فقط في منتصف عام 2009، عن جرائم كان ينبغي أن تؤدي إلى السجن المؤبد، بينما استمر الضحايا في اتهام إبستين بارتكاب جرائم أخرى.

 

مع ذلك، ظل عدد من معارف إبستين النافذين على علاقة ودية معه، ولكنها مثيرة للاهتمام والجدل، إذ تكشف الملفات، وبخاصة رسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية لإبستين، عن كيفية تصرف النخب في الخفاء.

ولم يتكشف حجم الفظائع المرتكبة في حق عشرات من ضحايا إبستين، إلا بعد أن سلطت سلسلة مقالات للصحافية الاستقصائية جولي براون في صحيفة "ميامي هيرالد" عام 2018 الضوء على صفقة الإقرار بالذنب المعيبة، مما أجبر المدعين الفيدراليين في نيويورك على إعادة النظر في الاتهامات، التي أدت إلى اعتقال إبستين في يوليو (تموز) 2019.

انتحار أم هرب؟

لكن ما قالته السلطات عن انتحار إبستين في الحجز بعد شهر واحد من اعتقاله، ما زال يثير الشكوك لدى أصحاب نظرية المؤامرة الذين يتداولون على منتديات الدردشة الخاصة بهم وفي مواقع التواصل الاجتماعي أحاديث عن بيانات صحافية أعلنت وفاته في اليوم السابق لتاريخ وفاته الحقيقي، ويشيرون إلى تقرير لشبكة "سي بي أس نيوز" بأن الحبل الذي عثر عليه في مكان الحادثة لم يكن هو المستخدم في عملية الشنق، فضلاً عن تقرير لموقع "إنترسبت" أشار إلى تلاعب في صور كاميرات المراقبة أمام زنزانته.

وخلال الأيام التالية للكشف عن ملفات إبستين الأخيرة، انتشرت إشاعات ومقاطع فيديو تكرر نظريات المؤامرة بأنه لم ينتحر، بل جرى تهريبه إلى إسرائيل، إذ ينعم هناك بحياة مستقرة، على رغم أن هذه الأقاويل لم تؤكدها مصادر موثوقة حتى الآن.

نخبة محمية

وعلى رغم أن الملفات الجديدة قد لا تقدم إجابات شافية حول ما إذا كان أي من أصدقاء إبستين المشهورين قد شاركوا في تجارة الجنس التي مارسها، إلا أن منظري المؤامرة قد يشعرون بأنهم على حق كما يقول ماثيو داليك، المؤرخ السياسي في جامعة "جورج واشنطن"، فبينما لا تكشف الوثائق عن مؤامرة إجرامية فعلية، إلا أنها تؤكد الاعتقاد الكامن وراء معظم نظريات المؤامرة، وهو أن النخب تحصل على معاملة خاصة، وأنها محمية من القواعد التي من المفترض أن تنطبق على الجميع بالتساوي، وأن هناك نوعاً من الفساد بالمعنى الأوسع للكلمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غير أن مجرد ذكر اسم شخص في الملفات لا يعني تورطه تلقائياً في أية مخالفات أو علمه بأفعال إبستين المشينة، إذ تتضمن الوثائق ادعاءات غير مؤكدة جمعتها وزارة العدل تظهر إبستين شخصاً انتهازياً لا يعرف الخجل، مما جعل مهمته في التعرف على كل شخصية نافذة ممكنة مهما كانت العلاقة معه سطحية.

وإذا كانت صداقة دونالد ترمب الطويلة الأمد مع إبستين معروفة جيداً، فإنها انتهت بخلاف بينهما عام 2004 كما يقول ترمب نفسه، ولا يبدو أن الملفات الجديدة تورطه في أية مخالفات حتى الآن وفقاً لمكتب المدعي العام، لكنها تسلط الضوء على علاقات إبستين الاجتماعية مع أعضاء آخرين من حاشية الرئيس الأميركي، بمن فيهم وزير التجارة الحالي هوارد لوتنيك، الذي تشير الوثائق إلى أنه زار جزيرة إبستين الخاصة عام 2012 على رغم نفي لوتنيك ذلك، وهو ما دعا الديمقراطيين في الكونغرس إلى مطالبة الوزير بالاستقالة.

ومع ذلك، تقدم الملفات لمحة عن الطرق الحقيقية لتراكم الثروة والتلاعب بالسلطة، فقد كان إبستين، الذي لا يخضع للمساءلة أمام ناخبين أو أية سلطات حكومية أو مساهمين، منخرطاً في سلسلة شبه مستمرة من التدخلات السرية في المجالات السياسية أو التجارية، إذ تفيد الملفات بأنه انخرط في تقديم المشورة لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك حول كيفية جني الأموال بعد انتهاء ولايته، ومساعدة رجل أعمال هندي في محاولة الحصول على اجتماع مع جاريد كوشنر صهر ترمب، والتواصل مع مسؤولين رفيعي المستوى في الكرملين في محاولة للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

أقوياء محصنون

كما تظهر في الملفات بعض الأسماء العائلية التي يفضلها منظرو المؤامرة من حين لآخر، مثل عائلات روتشيلد وروكفلر وسوروس في سياقات من شأنها أن تعزز اعتقاد منظري المؤامرة بأن جميع الأشخاص الأقوياء يعرفون بعضهم بعضاً ويحمون بعضهم بعضاً، بخاصة بعدما اتضح أن الاختلافات الأيديولوجية تتلاشى أمام أشكال أكثر تحفيزاً من المصالح الذاتية للنخبة في مستوى معين من الثروة أو الشهرة، إذ يبدو أن التضامن الطبقي حقيقي.

وعلى سبيل المثال، لم تمنع صفات إبستين كمجرم جنسي مدان ومتبرع للحزب الديمقراطي ستيف بانون المستشار الاستراتيجي السابق للرئيس ترمب، الذي يصف نفسه بأنه مناضل يميني جمهوري ضد النخبة الليبرالية المنحلة، من تقديم تدريب إعلامي لإبستين للمساعدة في إعادة تأهيل صورته العامة، كما لم تمنع الصفات نفسها الأكاديمي اليساري نعوم تشومسكي، الناقد الشهير  للرأسمالية، من الانضمام إلى إبستين على متن طائرة خاصة أو تبادل النصائح الودية معه، مما يؤكد أن بعض أشهر الشخصيات الشعبوية التي ينظر إليها أنها تسير خارج السرب في المجتمع، هم في الواقع جزء لا يتجزأ من النخبة.

أما مؤسس شركة "ميكروسوفت" العملاقة الملياردير بيل غيتس، الذي يصور نفسه على أنه منقذ الصحة العالمية، وتزعم مؤسسته الخيرية أنها تعمل لصالح البشرية، فقد سعى إلى الوصول إلى شبكات السلطة من خلال تاجر جنس معروف، إذ التقى إبستين مرات عدة على رغم اعتراضات زوجته ميليندا.

مما يفسر علاقة إبستين بقادة فكريين معترف بهم عالمياً، هو سعيه للتأثير في السياسة والاقتصاد والقانون من خلال صدقية مستعارة من عقول لامعة، وفرت له غطاء فكرياً للتأثير في مناقشات السياسة، وللوصول إلى السلطة المؤسسية، وهذا بدوره منحه الصدقية، سواء من خلال صمتهم أم تقليلهم من شأن أفعاله أو عبر استمرار التواصل معه.

مؤامرة حقيقية

تكشف عن ملفات إبستين التي لا يزال كثير منها محجوباً أو محذوفاً عن عمد لأسباب تتعلق بمصلحة الولايات المتحدة أو لحماية هوية الضحايا، أن المؤامرة الدولية الواسعة حقيقية وموجودة بالفعل، ولكن بصورة أكثر واقعية مما تخيله منظرو المؤامرة، فقد كان إبستين في الواقع عضواً في منظمة نخبوية غير حكومية كانت مركزاً لعدد لا يحصى من نظريات المؤامرة، وهي اللجنة الثلاثية التي أسسها المصرفي ديفيد روكفلر عام 1973 لتعزيز التعاون الدولي، وجمعت قادة من قطاعات الأعمال والأوساط الأكاديمية والعمالية والسياسية لوضع مقترحات عملية لمعالجة القضايا المشتركة المتعلقة بالأمن والاقتصاد والعلاقات الدولية، إذ كان المال إضافة إلى الثقة الاجتماعية بين النخبة، كافيين ليضمنا لإبستين الدخول إلى أي مكان يرغب فيه.

قبلت شركات التكنولوجيا بسعادة استثمارات من مجرم جنسي مدان، وحولت بنوك الاستثمار أمواله بكل سرور، وقدم له بيتر ثيل مالك ومدير شركة "بالانتير" نصائح في شأن الاستثمار المحتمل في الشركة التي قدمت خدمات واسعة لإسرائيل خلال هجماتها في غزة على مدار عامين. 

ربما كان إبستين مدير استثمار محترفاً، وساعدته خبرته في التهرب الضريبي على تقديم يد العون للأثرياء في إخفاء أموالهم، وإن كان ذلك أحياناً بصورة قانونية، مما جعلهم أكثر ثراء، وقد كافأوه بجعله ثرياً أيضاً.

شكوك وهواجس

لكن ذلك لم يرض تماماً عدداً من الأميركيين الذين لا يزالون متشككين حول كيف تمكن شخص ترك الدراسة الجامعية، وكان معلم رياضيات فاشلاً، من تحقيق هذا النوع من الثراء الذي يجعله يمتلك جزيرة خاصة وزع فيها الكاميرات السرية في كل مكان بما فيها الحمامات، ومنازل فخمة في فلوريدا وتكساس ونيويورك، وكثير من الخدم والحراسات ومهابط طائرات هليكوبتر، من دون أن يكون هذا الثراء قد تحقق من خلال ابتزاز جنسي لهذه النخب.

 

ولا يصور هؤلاء في منتديات النقاش ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي وتعليقات المقالات جيفري إبستين على أنه مجرم جنسي أو محتال مالي فحسب، بل كعميل متمرس له صلات موثقة بأجهزة الاستخبارات، بخاصة بعدما تتبع بعض الصحافيين الاستقصائيين، مثل ويتني ويب وتقارير من موقع "مينتبرس نيوز"، صلات إبستين بالاستخبارات الإسرائيلية، من خلال علاقته بغلين ماكسويل، التي كان والدها روبرت ماكسويل عميلاً معروفاً للموساد.

 كما يشيرون إلى مقطع فيديو منتشر يصرح خلاله رجل بأنه ضابط استخبارات إسرائيلي سابق يدعى آري بن مناشيه، بأن إبستين وغلين ماكسويل كانا يعملان لصالح الموساد مستخدمين الجنس لابتزاز شخصيات نافذة من أجل جمع المعلومات الاستخباراتية والتأثير في السياسة الأميركية حيال إسرائيل، وهو نقاش لا تتطرق إليه وسائل الإعلام الأميركية أو المسؤولين من الحزبين في الخطاب الأميركي السائد.

لكن هذه الفرضية وإن كانت ممكنة، تتجاهل التفسير الأبسط والأكثر إثارة للصدمة في بعض النواحي، فربما لم يكن الابتزاز ضرورياً كما ورد بالتفصيل في تحقيق لصحيفة "نيويورك تايمز"، إذ كان إبستين شخصية كاريزمية بارعة في تحديد وإغواء النخب المؤثرة والتلاعب بنقاط ضعفهم، وثراءه وازدهاره تحققا بفضل سخاء الرعاة الأثرياء الذين كان يحتال عليهم صراحة، مما يعني أنه كان محتالاً مثل أي محتال آخر، ولكن على نطاق طموح غير عادي.

اهتمام اليمين يتلاشى

كان رد فعل اليمين الأميركي على ملفات إبستين الأخيرة خافتاً، على رغم أن هذا اليمين هو الذي ساعد في إبقاء القصة حية في نظر الرأي العام لفترة طويلة، فقد أثار المؤثرون اليمينيون بعد وفاة إبستين، الغضب في شأن عدم شفافية الحكومة، وتكهنوا بأن النخب الديمقراطية ربما شاركت في انتهاك حريم إبستين من النساء والفتيات المستغلات، كما تعهد ترمب نفسه مراراً، حينما ترشح للرئاسة عام 2024، بفتح ملفات إبستين للجمهور.

لكن بعد فوز ترمب وتوليه منصبه تجاهل وعده السابق، وعقب ظهور اسمه وعدد من الأشخاص في دائرته داخل ملفات إبستين أصبح اليمين مرتبكاً وغاضباً، ويبدو أن الاهتمام بدأ يتلاشى الآن، باستثناء ما يتعلق بالملفات التي تخص بيل وهيلاري كلينتون، اللذين وافقا أخيراً على الإدلاء بشهادتهما علناً أمام الكونغرس في شأن إبستين.

أما ما يتعلق بنظرية المؤامرة الأكثر انتشاراً، فقد لزم محللو نظريات المؤامرة اليمينية الصمت إلى حد كبير، والأمر يعود للخوف من إثارة غضب الإدارة الأميركية، وبسبب تأثير الجمهور أيضاً، فالجمهور لا يريد سماع أخبار سيئة عن الجمهوريين المؤيدين لترمب، بحسب ما يشير ماثيو دي تايلور، الباحث في القومية المسيحية المعاصرة، الذي يرى أن الطريقة التي تعمل بها وسائل الإعلام اليمينية اليوم تخلق ظروفاً تجعل من الصعب للغاية على هؤلاء الأشخاص حتى التعليق على ملفات إبستين.

لعقود من الزمن، جرى تصوير المؤسسية الغربية على أنها حامية الأخلاق العالمية وحقوق الإنسان والعدالة القانونية والقيم الليبرالية، لكن قضية إبستين تكشف عن أن هذا النظام قد فشل فشلاً ذريعاً في تطبيق مبادئه المعلنة، إذ تبين أن النظام القانوني العالمي يسير على مسارين مزدوجين، فيطبق القوانين على الضعفاء بينما يمنح الحصانة للمتنفذين، وقد كان لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي أدلة قوية في قضايا إبستين منذ سنوات طويلة، ولكنه فشل في اتخاذ إجراءات حاسمة حيالها.

يتضح الآن أن العلاقات تتفوق على السياسات، إذ لا تحكم القوانين أو المبادئ، بل شبكات السلطة التي تتحدى المساءلة، وأصبح السؤال الآن ليس عما كان يفعله إبستين، فهذا معروف منذ سنوات، لكن كيف ستتم محاسبة الذين مكنوا وحموا واستفادوا من عمليات إبستين بعد أن أصبحت الأدلة متاحة.

المزيد من تقارير