Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أهلا بكم في غزة"... خمس ناجيات يمسرحن أيام الجحيم

المخرجة الفلسطينية رائدة غزالة تقاوم محاولات المحو بالسرد والغناء

الفتيات الناجيات من جحيم غزة في المسرحية (ملف المسرحية)

ملخص

قدمت المخرجة الفلسطينية رائدة غزالة عرضها المسرحي "أهلاً بكم في غزة" في مسرح الجزويت - القاهرة، وهو عرض يجمع بين التمثيل والسرد والغناء، بطلاته خمس فتيات غزاويات ناجيات من جحيم غزة، قدمت كل منهن حكايتها، التي جاءت بعيدة من الحرب، لكنها ملتصقة بأثرها.

ثمة عروض مسرحية، عليك أن تقرأها في سياقها، وبحسب ظروف إنتاجها، وظروف ووضعية صناعها، يمكنك أن تعطل، ولو قليلاً، شروط النقد الصارمة، وتقرأها كمشاهد، ليس محباً أو متعاطفاً فحسب، بل كواحد في قلب معاناة شخصوها، الذين هم، في حالة العرض، أقرب إليك من حبل الوريد.

من هنا يمكن التعاطي مع العرض المسرحي "أهلاً بكم في غزة"، الذي قدمته خمس فتيات ناجيات من جحيم غزة (حلا حجازي، حلا صرصور، حلا الهور، روان البهنساوي، شذا حمد)، قادتهن مخرجة من بيت لحم (رائدة غزالة)، ووقف لهن جمهور مسرح جمعية الجزويت بالقاهرة، طويلاً، عقب العرض، بعضهم يصفق بحماسة، وبعضهم الآخر يمزج بين التصفيق والبكاء، الذي لا شبهة في صدقه، فالعرض، على بساطته، منحهم شحنة فنية ومعنوية، يبقى أثرها طويلاً.

اعتمد العرض على مشاهد قصيرة كتبت قبل الحرب، وأعيد تقديمها بوصفها ذاكرة حية وتجربة إنسانية تعبر عن الهوية الفلسطينية والواقع اليومي لأهل غزة.

جاء "أهلاً بكم في غزة" ضمن مشروع HANDS UP الذي يركز على دعم الأصوات الفنية الشابة وتسليط الضوء على القضايا الإنسانية من خلال المسرح.  وكما هو معروف عن رائدة غزالة، فهي مخرجة وممثلة مسرحية فلسطينية من مؤسسي مسرح عناد ومسرح الحارة في بيت جالا، شغلت منصب المدير الفني لمسرح الحارة حتى عام 2016، أخرجت ومثلت في عدد من المسرحيات في فلسطين وأوروبا وأميركا.

 ومن أعمالها في الإخراج مسرحية "حكاية زهرة"، كتابة مشتركة مع الكاتب الأميركي ماثيو سبانكلير عن رواية للكاتبة حنان الشيخ من إنتاج المسرح الوطني الفلسطيني - الحكواتي، ومسرحية "ابتسامة جيهان" من إنتاج مسرح الحارة، وكذلك "الحشرة" و"رحم" و"منطق الحواس" و"لسه بتحبني؟"

بعيداً من الشعارات

الفتيات الناجيات، لكل منهن قصة، ولكل منهن ذكرى، سعيدة أو مؤلمة، والألم هو الغالب بالطبع، كتبن حكاياتهن، وتولت المخرجة رائدة غزالة، صياغة الحكايات وتضفيرها في قالب مسرحي يجمع بين الحكي والتشخيص والغناء والتعبير الحركي البسيط.

وعلى رغم الفقر الإنتاجي، إذ لا ديكورات ولا أزياء خاصة، سوى الكوفية الفلسطينية، كرمز حاضر دائماً، فقد نجحت المخرجة في تقديم عرض مسرحي على قدر من الرهافة الفنية والإنسانية، بعيداً من الشعارات، وبعيداً حتى من تناول الحرب ذاتها، إذ تناولت أثرها في هؤلاء الفتيات الصغيرات، من فقد العائلة كاملة، أو بعض أفرادها، وضياع أحلامهن بمستقبل ترجوه كل فتاة، من دون ذنب ارتكبنه، سوى أنهن غزاويات.

كسر العرض أفق التوقع عند المشاهدين، فتيات ناجيات من جحيم غزة، وعرض عنوانه "أهلاً بكم في غزة"، فلا بد إذا أن تكون الحرب حاضرة، ولا بد أن تحكي الفتيات عن أهوال هذه الحرب، التي لم يشهد تاريخنا المعاصر مثلها، في دمويتها وبشاعتها، لكن الحرب ومشاهد الدمار والعدوان، كانت في الخلفية إلا قليلاً، وحضر الأثر، وبصورة فنية، فكان التأثير أقوى، والرسالة أعمق وأشد إيلاماً، وإن امتزج الألم بما يمكن اعتباره نبوءة فرح، تشير إلى نهوض الحلم مجدداً من تحت الرماد، فالفتيات اللاتي احتفظن، على هواتفهن المحمولة، بمشاهد مسرحية لهن قدمنها في مدارسهن، وجرى بثها عبر شاشة عرض يمين المسرح، أردن التأكيد أن هذه المدينة، التي يحاولون اقتلاعها من جذورها، لن تكف عن إنجاب الكتاب والفنانين والشعراء، وأنهن اخترن المقاومة بالفن، كسلاح وحيد يمتلكنه، لكنه أبقى وأشد أثراً، كما أنهن يحملن مدينتهن أينما ذهبن، وربما لذلك جاء العنوان "أهلاً بكم في غزة".

حكايات عادية

ولأن غالب هؤلاء الفتيات مارس المسرح، قبل الحرب، في المدارس، ولأنهن أيضاً يقدمن تجاربهن الشخصية، فقد جاء الأداء التمثيلي على درجة عالية من الصدق، ومن دون تكلف أو تشنج أو مبالغات تفسد الحالة، وظني أنها توجيهات مخرجة تعي تماماً دور المسرح والفن عموماً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حكايات تبدو عادية وأليفة، عن صراع فتاة مع حماتها وخلافاتهما المتكررة، ومحاولات الأولى للتمرد، والأخرى للسيطرة، أو خلافات بين شقيقين على قطعة أرض آلت إليهما، أو علاقات صداقة مع زميلات المدرسة، وغيرها من الحكايات العادية التي يمكن أن تحدث في أي مكان أو زمان، أما الغرض من جلب هذا النوع من الحكايات، فهو تقديم غزة كمدينة مثل غيرها من المدن التي تضم بشراً عاديين وطبيعيين من حقهم العيش كغيرهم، لم يرتكبوا أي ذنب سوى أنهم ولدوا على هذه الأرض، ورغبوا أن يعيشوا في سلام، لكن العالم، غير المنصف وغير العادل، استكثر عليهم ذلك.

لم يغفل العرض بالتأكيد بعض المشاهد التي تجسد بشاعة العدوان وصلف المعتدي وأوامره بإخلاء البيوت وهدمها على رؤوس سكانها، وقتله للأطفال والشيوخ، ومعاناة الفتيات على المعابر وغيرها، وإن لم يستغرق في ذلك كثيراً.

الذاكرة حية

من اللافت أيضاً أن عدداً من مشاهد العرض جرى تقديمه بالعربية والإنجليزية، ليس بغرض مخاطبة غير العرب فحسب، وإنما بغرض تقديم هؤلاء الفتيات اللاتي يفرحن حقاً، سواء في اهتمامهن بالفن، أم في طلاقة ألسنتهن عندما يتحدثن لغة أخرى غير العربية، أراد العرض أن يقول هؤلاء فتيات غزة التي يوسم غالب أهلها، ظلماً، بأنهم إرهابيون، يمثلن بأكثر من لغة، ويقدمن الغناء والاستعراض، بشر أسوياء، يخاطبن العالم بالفن، ويعلن رغبتهن في العيش سالمات، بعد أن فقدن كثيراً من أهاليهن وأصدقائهن، وإن لم يفقدن ذاكرتهن التي تحتفظ بهويتهن وتتمسك بحلم الخلاص من أبشع احتلال على مدى التاريخ.

ولأنهن خمس فتيات فقط، ويقدمن عدداً من الحكايات، من بين أبطالها الأب والأخ والعم، فقد لعبن أيضاً أدوار الذكور، عن طريق وضع الكوفية فوق الرأس واستخدام صوت مستعار، وهو ما كان مقبولاً ومناسباً لطبيعة العرض وإمكاناته، مجرد ستارة في أقصى يسار المسرح يجري استخدامها لتغيير الإكسسوارات، واستخدامها كذلك في مشاهد خيال الظل، في سعي إلى صناعة صورة مسرحية جاذبة.

في عرض "أهلاً بكم في غزة" نجحت رائدة غزالة، بخبرتها ووعيها، أن تقدم حالة مسرحية منضبطة، على رغم تعدد الحكايات، وانتقالاتها بين شأن وآخر، وعلى رغم ضعف الإمكانات، وتعاملها مع ممثلات غير محترفات، لكن حسبهن ذلك الصدق الذي اتكأن عليه، ولم لا فهن أولاً وأخيراً صاحبات قضية.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة