ملخص
الأنظار تتجه إلى الإدارة الأميركية لرصد معالم الانعطاف السياسي وتوقع وجهة العاصمة الأميركية
هل يقطع دونالد ترمب أوصال النفوذ الأميركي ويسعى إلى طي عالم الأحادية الأميركية الذي برز بعد سقوط الاتحاد السوفياتي؟ في افتتاحية نشرتها "وول ستريت جورنال" بعنوان "النظام العالمي القديم الترمبي" تدعو الصحيفة الرئيس الأميركي إلى إبلاغ الأميركيين غداً الثلاثاء أمام الكونغرس بمسعاه المخالف لشعار حملته الانتخابية "لجعل أميركا عظمى من جديد"، وتتساءل عن رغبته بإبرام صفقات مع الصين وروسيا للعودة إلى العالم القديم، وهو عالم كانت ترجح فيه دوائر نفوذ إقليمية وعرضة للحروب والنزاعات و"إطلاق يد أي قوة إقليمية في قضم دول مجاورة".
وترى هيئة تحرير الصحيفة أن استراتيجية ترمب تتجه إلى منحى اختاره تاكر كارلسون، مقدم البرامج السابق على "فوكس نيوز"، وجي دي فانس، والأخيران يريان أن أميركا تأفل وعاجزة عن قيادة الغرب. وتنبه إلى أن الرئيس الروسي لم يقدم تنازلات تذكر ولم يساوم على موقف بلاده من أوكرانيا في وقت يسعى ترمب إلى استمالته وتلميع صورة بوتين في المرافق الدولية ومنه مجموعة السبع. وفي وقت يتقرب ترمب من موسكو يسدد لكمات إلى حلفاء أميركا التقليديين. فهو يعد لفرض 25 في المئة من الرسوم على كندا والمكسيك ويخالف اتفاق التجارة الحرة مع المكسيك وكندا، "يو أس أم سي أي" USMCA الذي تولى هو إبرامه في ولايته الأولى. ويسعى الرئيس الأميركي إلى فرض رسوم كبيرة على قطاع السيارات الأوروبي. والرسوم المفروضة على أوروبا تفوق تلك التي فرضها ترمب على الصين. فهو يتودد "من دون شك" على قول "وول ستريت جورنال" إلى شي جينبينغ، رئيس الحزب الشيوعي، ويصفه بالزعيم العظيم ويدور كلامه على تفاهمات جديدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولم يبد استعداداً للذود عن تايوان وسبق أن قال في الماضي إن الصين في وسعها الهيمنة على الديمقراطية التايوانية. ومتابعة موقف ترمب من أوكرانيا تبعث قلقاً عميقاً في صدور قادة اليابان وتايوان، فقد تلقى بلداهم مصير أوكرانيا. وتستعيد الصحيفة مطالب ترمب منذ بدء ولايته، فتسرد مطالبته بالسيطرة على قناة بنما، ومطالبته الدنمارك ببيع غرينلاند لبلاده. وهذه الخطوات كثيراً ما سعى إليها الانعزاليون الأميركيون. ولسان حال هؤلاء "لتهيمن الصين على الهادئ وروسيا على أوروبا وواشنطن على الأميركتين". ومصير الشرق الأوسط سيبقى موضع تنازع إلى حين إبرام ترمب اتفاقاً نووياً مع إيران. ولم يتناول ترمب مصير هذه المنطقة تناولاً مباشراً، ولكن إلبريدج كولبي، وهو يوجه دفة الشؤون الاستراتييجة في البنتاغون، ذهب إلى ضرورة ترك أوروبا والشرق الأوسط لمصيرهما والانصراف إلى منطقة آسيا - المحيط الهادئ.
وكل ما مضى يؤذن بالعودة إلى تنافس القوى العظمى وميزان قوى ساد قبل الحرب العالمية الثانية. وخلصت "وول ستريت جورنال" إلى أن ما يجري هو "انقلاب" إلى عالم قديم تشوبه الأخطار. وهو عالم ترجح فيه كفة القومية على ما يشير المؤرخ المتخصص بمرحلة الحرب الباردة، مايكل كيماج في فورين أفيرز. ورجحان كفة القومية في القرن الـ21 استهله فلاديمير بوتين. ففي 2012 عاد إلى الحكم وأعلن بعد الانقضاض على معارضيه أنه يسعى إلى بناء "عالم روسي" واستعادة مكانة القوة العظمى التي خسرتها بلاده مع أفول الاتحاد السوفياتي وبروز الأحادية الأميركية. وبعد عامين، مشى شي جينبينغ على خطاه وحمل مشروعاً يتجاوز طموحات المشروع البوتيني. وفي 2014، كرس ناريندرا مودي مكانة القومية الهندوسية في الهند وأدرجها في الصدارة. وفي العام نفسه، قلب رجب طيب أردوغان نظام بلاده رأساً على عقب ووجه دفتها إلى نظام أوتوقراطي يمسك بمقاليده.
وتتساءل "وول ستريت جورنل" في ختام افتتاحيتها الآنفة الذكر عن دواعي التستر على استراتيجية ترمب الفعلية. فالتقهقر في العالم قد لا يلقى شعبية في أوساط الأميركيين. والتراجع عن المكانة الرائدة أو التقهقر قد لا يعبد الطريق إلى السلام. ولا ريب أن الارتكاس إلى نظام أفل قبل عقود في بلد كان رائداً في إرساء "النظام العالمي" بعد الحرب العالمية الثانية يحمل أخطاراً كبيرة ويشرع العالم على المجهول.