ملخص
خلال الأسابيع الأخيرة عاد حزبا "العمال" و"المحافظين" للمرتبتين الأولى والثانية في عدد من استطلاعات الرأي، وتراجع "ريفورم" و"الخضر" إلى أدنى مستوياتهما منذ أكثر من عام، وفيما تشير الأرقام إلى أن حصة الحزبين الكبيرين مجتمعين بلغت 50 في المئة، يثار السؤال حول مصير التعددية السياسية التي برزت في بريطانيا خلال الفترة الماضية.
في استطلاع حديث أجرته مؤسسة "يوغوف"، تقدّم حزب العمال البريطاني بـ 27 في المئة في نيات التصويت، تلاهم "المحافظون" بـ 23 في المئة، ثم "ريفورم" بـ 22 في المئة، فيما هبط "الخضر" إلى 10 في المئة، وبلغت الحصة المجتمعة للحزبين الكبيرين 50 في المئة، وهي الأعلى منذ استأنفت المؤسسة المختصة متابعتها في يناير (كانون الثاني) 2025، بعدما انحدرت إلى 32 في المئة في مارس (آذار) الماضي.
وتوحي الأرقام بعودة "العمال" و"المحافظين" للصدارة، وانتهاء الحلم بانتقال المملكة المتحدة من نظام الحزبين إلى التعددية السياسية، لكن في انتخابات عام 2024 لم يحصد الحزبان مجتمعين سوى 58 في المئة من الأصوات، وهي الحصة الأدنى مذ حلّ "العمال" محل "الليبراليين، منافساً رئيساً لـ "المحافظين" عام 1922.
والحصة الحالية، في أفضل استطلاعاتها، تبقى دون ذلك القاع بثماني نقاط، وفي الانتخابات نفسها نال "ريفورم" 15 في المئة و"الخضر" سبعة في المئة، وكلاهما لا يزال اليوم فوق تلك المستويات، على رغم كل ما خسره.
والأمر الثاني أن المكاسب تتوزع بالتساوي بين الحزبين، فبحسب الأكاديمي المتخصص في توجهات الرأي العام، جون كيرتس، لم يترك رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام آثراً في رصيد "المحافظين"، وجاءت مكاسب "العمال" أساسا على حساب "الخضر" و"الديمقراطيين الأحرار"، أي أن كل حزب كبير يسترد ناخبيه من منافسه داخل معسكره، لا من المعسكر المقابل، وكان كيرتس قد لاحظ في يوليو (تموز) الماضي أن معظم أصوات "ريفورم" جاءت أصلاً من "المحافظين"، وأن هؤلاء يستعيدون جزءاً منها الآن.
وتقدُم "العمال" في الاستطلاعات لا يترجم بالضرورة استعادة غالبيتهم الساحقة، إذ استبعد كيرتس أن يدعو بيرنهام إلى انتخابات باكرة، مشيراً إلى أن أربعة استطلاعات موسعة على مستوى الدوائر أجريت قبل مؤتمر الحزب، توقعت خسارة 150 نائباً عمالياً مقاعدهم، فحزب يتصدر ويخسر ثلث كتلته البرلمانية، ليس دليلاً على عودة نظام الحزبين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لفهم ما جرى لا بد من العودة لبدايات الصعود، ففي مايو (أيار) 2025 انتزع "ريفورم" دائرة رنكورن وهيلسبي بفارق ستة أصوات، بعدما كانت غالبية "العمال" فيها 35 نقطة، ومنذ استطلاع "سيرفيشن" الذي أجري بين الـ30 من أبريل (نيسان) والثاني من مايو 2025، تصدّر الحزب 219 استطلاعاً متتالياً حتى منتصف فبراير (شباط) 2026، وبلغ متوسطه ذروة 32 في المئة في سبتمبر (أيلول) 2025، قبل أن يبدأ انحداراً بطيئاً.
وعلى "اليسار" بدأ صعود "الخضر" فور انتخاب بولانسكي زعيماً في الثاني من سبتمبر 2025، وبلغ نحو 20 في المئة بعد فوز هانا سبنسر بالانتخابات الفرعية في فبراير الماضي، ثم حمل مايو الماضي ذروة الانتخابات المحلية، إذ كسب "ريفورم" 1453 مقعداً في المجالس، ونال "الخضر" 587 مقعداً، في أعلى حصيلة لهم حينها.
تحمل التجربة البريطانية سوابق لموجات مماثلة، فقد استشهد كيرتس بالحزب "الاجتماعي الديمقراطي" عام 1981 و"الديمقراطيين الأحرار" عام 2010 دليلاً على أن حزباً ثالثاً قادر على النمو الهائل، وتهديد الحزبين الكبيرين، غير أن السابقتين انتهتا بانحسار، وهو ما يمنح أنصار نظرية "الفقاعة" سنداً تاريخياً.
لكن ما أنهى الذروة هذه المرة ليس قانوناً تاريخياً بل أحداث محددة، ففي جانب "ريفورم" استقال زعيمه نايجل فاراج من مقعده في يوليو الماضي تحت ضغط التدقيق في هدية غير مصرح بها، قيمتها 5 ملايين جنيه إسترليني من الملياردير المتعامل بالعملات المشفرة، كريستوفر هاربورن، وفتح مفوض المعايير البرلمانية تحقيقاً فيها، وفاز فاراج مجدداً في كلاكتون بـ 62.8 في المئة، في مقابل 26.7 في المئة للمرشح الساخر "كاونت بينفيس"، بعدما قاطعت الأحزاب الرئيسة كلها الاقتراع، ثم استقال مسؤولان رفيعان في الحزب عشية مؤتمره السنوي، إثر تحقيق سري لـ "القناة الرابعة" اتهمهما بالتآمر للحصول على تبرع أجنبي محظور.
وفي المقابل، ينفي "ريفورم" ارتكاب أية مخالفة، ويؤكد تعاونه الكامل مع تحقيق شرطة العاصمة، ويقول إن هدية هاربورن خصصت لتمويل الحماية الشخصية لفاراج.
وعلى جانب "الخضر"، جاءت الضربة من الداخل، فقد أقرّ مؤتمر الحزب في برايتون مقترحاً يصف الصهيونية بأنها "عنصرية"، في تصويت لم يشارك فيه بولانسكي، ووفق "أوبينيوم" فقد قال ثلث البالغين إن القرار جعلهم أقل تأييداً للحزب، في مقابل 10 في المئة قالوا العكس، وأظهر استطلاع لمؤسسة "إبسوس" أن 52 في المئة يحملون انطباعاً سلبياً عن بولانسكي، وأن صافي تقييمه بين من هم دون الـ 35 تراجع من (+16) في أبريل الماضي إلى (+2).
أما العامل الأثقل فكان تبدل القيادة في داوننغ ستريت، فقد أعلن ستارمر استقالته من زعامة "العمال" في الـ22 من يونيو (حزيران) الماضي، وغادر رئاسة الحكومة في الـ20 من يوليو التالي، بعد فوز بيرنهام بزعامة الحزب في الـ17 من الشهر نفسه.
ووفق "إبسوس"، بات بيرنهام السياسي البريطاني البارز الوحيد الذي يحظى بتقييم إيجابي، غير أن كيرتس نبه إلى أن ارتفاع التأييد في بداية ولايته ليس استثنائياً ولا غير مسبوق، لرئيس وزراء جديد.
تكشف معطيات الرأي العام الأعمق أن التعددية لم تغادر بنية الناخبين، ففي متوسط سبعة استطلاعات حتى الـ19 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، يتقدم "العمال" بين الفئة العمرية من 18 إلى 24 سنة بـ 31.1 في المئة، يليهم "الخضر" بـ 26.9 في المئة، ولا يزال "ريفورم" يتصدر أربعاً من أصل ثماني مناطق في إنجلترا خارج لندن.
وعلى المستوى المحلي، رصدت نشرة "ذا ويك إن بولز" أن "العمال" و"المحافظين" احتلوا المرتبتين الأوليين باثنين في المئة فقط من الانتخابات المحلية الفرعية، مقارنة بـ 29 في المئة من الدوائر نفسها سابقاً، بينما ضمت المرتبتان الأوليان، في 56 في المئة من الحالات، حزباً من كتلة "اليمين" وآخر من كتلة "اليسار"، يضاف إلى ذلك حزب "ريستور" الذي أسسه النائب السابق عن "ريفورم" روبرت لوي، ويحوم حول ثلاثة في المئة، ليزيد "اليمين" تشظياً.
واستناداً إلى المعطيات الراهنة، فإن استعادة بريطانيا نظام الحزبين الرئيسين ينقصها استرداد "المحافظين" لجمهورهم من "ريفورم"، في ملف الهجرة تحديداً، لكن بيانات درس الانتخابات في مايو الماضي أظهرت أن 51 في المئة فقط من ناخبي "المحافظين" عام 2024، الذين يرون أن الهجرة ارتفعت كثيراً، لا يزالون مع حزبهم، في مقابل 43 في المئة انتقلوا إلى "ريفورم".
وثمة مسار للرأي العام يبدو بديلاً عن التعددية ونظام الحزبين في الوقت ذاته، وتطلق عليه بعض الدراسات اسم "سياسة الكتل"، وفحواه أن الناخبين يصوتون وفق كتل أيديولوجية أوسع تضم أحزاباً عدة، بدلاً من الولاء لحزب بعينه، وفي هذا المسار يبقى "العمال" قطب "اليسار"، ويتنقّل الناخبون بينهم وبين "الخضر" و"الديمقراطيين"، ويتنافس "المحافظون" و"ريفورم" على قيادة "اليمين"، لكن نظام الاقتراع الأكثري يكافئ الحزب المتصدر داخل كل كتلة، ويعاقب الباقين بقسوة، فتغدو النتائج شديدة التقلب أمام تحولات صغيرة.
أما الاحتمال الثالث فهو انتهاء شهر عسل الحزبين الرئيسين بسرعة، وعودة الأحزاب الصغيرة للصعود، لكن هذا يتطلب أن يخفت نجم بيرنهام وتطوى ملفات "ريفورم" المالية ويرمم "الخضر" صورته، أما الإشارة الحاسمة نحو أي من الاحتمالات الثلاثة، فستكون في تخطي حصة الحزبين مجتمعين من نيات التصويت عتبة 58 في المئة التي سجلاها عام 2024، وإلى جانبها سيحدد حكم مفوض المعايير في قضية هاربورن، ما إذا كان "ريفورم" سيدخل جولة ثانية من النزف أم أنه سيلتقط أنفاسه، إذ قد يفضي ثبوت المخالفة وتعليق عضوية فاراج أكثر من 10 أيام إلى عريضة سحب الثقة، وانتخابات فرعية ثانية في كلاكتون.
قد يكون ما انفجر خلال الصيف هو ذروة التعددية وليس التعددية نفسها، أما المفارقة فهي أن الحزبين الكبيرين لم يستعيدا ثقة الناخبين بقدر ما استفادا من أخطاء منافسيهم، وما تمنحه الأخطاء تستطيع أخطاء أخرى أن تسترده.