ملخص
قبيل الحرب على قطاع غزة، كانت القضية الفلسطينية فقدت كثيراً من الاهتمام على المسرح الدولي وحتى العربي، إلا أن السابع من أكتوبر والحرب التي تلته أبرزا أن ثمة استقراراً في الشرق الأوسط لا يمكن الوصول إليه من دون حل للقضية الفلسطينية يضع حل الدولتين مرة أخرى كأفضل مقترح لإنهاء الصراع.
أمام التحولات الاستراتيجية التي تمر بها المنطقة العربية على خلفية تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي اندلعت إثر هجمات حركة "حماس" في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، يجد ياسر المصري (30 سنة) نفسه واقعاً بين تيارين مختلفين حول كيفية التعاطي مع الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، فقبل الحرب كان يؤمن بأن بالسلام والتفاوض هو الحل الأمثل للقضية الفلسطينية، فيما حولت مشاهد القتل والدمار غير المسبوق على قطاع غزة موقفه ليرى أن ما جرى صبيحة السابع من أكتوبر كان "شراً لا بد منه". فيما كان الثابت الأهم في كل تلك المتغيرات بالنسبة إليه أن التظاهرات الاحتجاجية الضخمة التي ملأت الشوارع من عمان إلى الرباط وامتد تأثيرها عالمياً مصحوباً بتحولات صاخبة دليل على فشل كل المحاولات الإسرائيلية لتهميش الفلسطينيين وعزلهم إقليمياً ودولياً، وأن كل التحولات الكبيرة في البيئة العربية التي جعلتها أقل التصاقاً بالقضية الفلسطينية لم تحُل دون عودتها قضية العرب المركزية. كيف لا وقد وصفت مجلة "فورين بوليسي" الأميركية يوم السابع من أكتوبر واحداً من أربعة أيام في ذلك العام بأنها هزت العالم وجعلت ذلك العام بمثابة نقطة تحول جذري في الجغرافيا السياسية وبداية انفجار النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.
قضية العرب
وفقاً لاستطلاع رأي أجراه "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في وقت سابق من العام الماضي، فإن 92 في المئة من الشارع العربي يعتبر القضية الفلسطينية "قضية جميع العرب وليست قضية الفلسطينيين وحدهم"، وهي نسبة غير مسبوقة ارتفعت بمعدل 16 في المئة، مقارنة بـ76 في المئة المسجلة نهاية عام 2022. وعلى نحو يعكس تحولاً جوهرياً في آراء مواطني بعض البلدان العربية أظهر الاستطلاع ارتفاع نسبة اعتبار القضية الفلسطينية قضية كل العرب في السعودية من 69 في المئة إلى 95 في المئة، وفي المغرب من 59 في المئة عام 2022 إلى 95 في المئة، وفي مصر من 75 في المئة إلى 94 في المئة. وبحسب الاستطلاع الذي أجري في 16 مجتمعاً عربياً، فإن 89 في المئة من العرب يرفضون أن تعترف بلدانهم بـإسرائيل، فيما يعتقد 36 في المئة من مواطني المنطقة العربية بأن الإجراء الأهم للحكومات العربية يتمثل في قطع هذه الحكومات علاقاتها مع إسرائيل أو إلغاء عمليات السلام معها، في حين رأى 14 في المئة من المستطلعة آراؤهم أنه يتمثل في إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة من دون موافقة تل أبيب وأيد 11 في المئة استخدام سلاح النفط من أجل الضغط على إسرائيل وحلفائها.
منعطف تاريخي
قبيل الحرب على قطاع غزة كانت القضية الفلسطينية فقدت كثيراً من الاهتمام على المسرح الدولي وحتى العربي ودفع ذلك المشهد الإقليمي مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جيك سوليفان إلى وصف المنطقة بأنها أكثر هدوءاً مما كانت عليه منذ عقدين من الزمن، إلا أن السابع من أكتوبر لم يثبت فقط خطأ حساباته بل حسابات الإقليم وجميع الفاعلين الدوليين المتدخلين بصورة أو بأخرى في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، إذ إن المؤشرات الجديدة منذ اندلاع الحرب تؤكد أن ثمة استقراراً في الشرق الأوسط لا يمكن الوصول إليه من دون حل للقضية الفلسطينية يضع حل الدولتين مرة أخرى كأفضل مقترح لإنهاء الصراع، خصوصاً وسط منعطف تاريخي تشهده القضية الفلسطينية تتزايد فيه التحذيرات من خطط أميركية - إسرائيلية تسعى إلى إفراغ القطاع من سكانه، مما يضع الدول العربية أمام اختبار صعب حول كيفية التعامل مع التحديات التي تهدد حقوق الفلسطينيين والأمن الإقليمي تتجاوز وفق كثيرين بيانات "استنكار وإدانة". ويرى مراقبون أن الحرب الإسرائيلية غير المسبوقة على القطاع التي بدأت في السابع من أكتوبر لم تفرض واقعاً جديداً في المنطقة العربية فحسب، بل امتدت كذلك لفرض بيئة أمنية وسياسية جديدة تنقل المنطقة من مسارات دمج إسرائيل في النظام السياسي والأمني والاقتصادي الإقليمي إلى بيئة هشة وقابلة للاشتعال في أي لحظة. ويشير بعضهم إلى أن من بين الخيارات المتاحة أمام العرب التلويح بتعليق الاتفاق الإبراهيمي مع إسرائيل وسحب سفراء الدول العربية لدى إسرائيل بعد تلويح مصر بإمكان تعليقها اتفاق السلام مع تل أبيب. ويرى محللون أن تقويض مسار السلام مع إسرائيل وتجميده إلى أجل غير مسمى من أبرز المكتسبات المهمة للحرب على غزة، إذ قالت وزارة الخارجية السعودية بهذا الصدد إن المملكة لن تقيم علاقات مع إسرائيل من دون إقامة دولة فلسطينية، مؤكدة أن الموقف السعودي ثابت لا يتزعزع و"ليس محل تفاوض أو مزايدات" وأن السلام الدائم والعادل لا يمكن تحقيقه "من دون حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية". وفي مقالة لصحيفة الاتحاد الإماراتية قال المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات أنور قرقاش إن بلاده ترى أن الوصول إلى "حل نهائي" للقضية الفلسطينية يتطلب "حلولاً انتقالية"، مضيفاً أن خطة إعادة الإعمار "لا يمكن أن تتم إلا بمسار واضح لحل الدولتين". كما أوضح أن تحركات الإمارات تنطلق من "رؤية متكاملة تشمل العمل ضمن الإجماع العربي لتعزيز موقف موحد، يؤكد الحقوق الفلسطينية، بالتنسيق مع الدول المؤثرة مثل السعودية ومصر والأردن لضمان إيجاد حلول عادلة ومستدامة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
موقف عربي
ومنذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر عام 2023 عقدت جامعة الدول العربية ثلاث قمم عربية، كانت الأولى في الـ11 من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه وتلتها أخرى في مايو (أيار) 2024 للتأكيد على أن "السلام يبقى الخيار الاستراتيجي الوحيد". فيما شددت القمة الثالثة "غير العادية" في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 على قرارات نظيرتها قبل عام وأضافت التحذير من توسع دائرة الصراع. فيما رفض القادة العرب الدخول في إدارة مدنية لغزة أو إرسال قوات على الأرض بعدما اقترحت تل أبيب إدارة قطاع غزة من قبل قوات عربية في مرحلة ما بعد الحرب. وبحسب معهد "تشاتام هاوس" فإن القادة العرب الذين يحاولون العمل مع الإدارة الأميركية لتقديم الدعم المتبادل لخطة اليوم التالي في قطاع غزة يضعون ركائز خطتهم في إصلاح السلطة الفلسطينية لتمهيد الطريق أمام إعادة توحيد الإدارة في الضفة الغربية وقطاع غزة بصورة لا تؤثر في الشعب الفلسطيني ولا في القضية الفلسطينية. كذلك أكدت دول الخليج أنها لن تشارك في تغطية كلف إعادة إعمار القطاع من دون الحصول على ضمانات، مما أشارت إليه اللجنة الخماسية العربية التي تضم السعودية والإمارات وقطر والأردن ومصر والتي أكدت أخيراً أن دعمها المالي والسياسي الذي يُعدّ محورياً لمستقبل القطاع المدمر لن يأتي إلا مقابل ثمن يضمن حقوق الفلسطينيين بحل عادل. وبالتزامن مع رفض عربي متصاعد لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الرامية إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة والاستيلاء عليه، بحث قادة عرب أثناء اجتماعهم في الرياض في الـ22 من فبراير (شباط) الماضي الجهود المشتركة لدعم القضية الفلسطينية وتطورات الأوضاع في قطاع غزة وأعربوا عن ترحيبهم بعقد القمة العربية "الطارئة" حول التطورات في فلسطين المقررة بالقاهرة الثلاثاء المقبل.
رسالة عربية
ويرى مراقبون أن القمة في مصر تختلف هذه المرة في معطياتها عن القمم العربية السابقة، فينظر إليها على أنها رسالة عربية واضحة وموحدة لتأكيد الدعم العربي للشعب الفلسطيني في ظل تعاظم المواقف العربية الرافضة لتهجير الفلسطينيين وحرمانهم من حقوقهم التاريخية التي أقرتها الشرعية الدولية والقمم العربية، ومن بينها الحق في إنشاء دولة مستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967. ولا يقتصر هذا اللقاء المرتقب على أنه تجمع لقمة طارئة فقط، إذ يرى محللون أنها خطوة استراتيجية لإعادة النظر في السياسات الإقليمية والدولية التي قد تسعى إلى تبديل مسارات القضية الفلسطينية بما يخدم مصالح استراتيجية من دون مراعاة الحقوق التاريخية لشعوب المنطقة، كما تهدف القمة إلى رسم خريطة طريق شاملة تتضمن الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية كافة التي من شأنها أن تسهم في تعزيز الأمن والاستقرار. وعلى رغم أن مصر لم تعلن بعد رسمياً تفاصيل خطتها التي ستطرح في القمة الطارئة، فإن مصادر مصرية ودبلوماسيين عرباً وغربيين أشاروا لوسائل إعلام مختلفة إلى أن الخطة مقسمة على ثلاث مراحل تستغرق ما يصل إلى خمسة أعوام وتتضمن إنشاء مناطق آمنة داخل غزة حيث يمكن للفلسطينيين العيش في البداية، بينما تقوم شركات البناء المصرية والدولية بإزالة وإعادة تأهيل البنية التحتية للقطاع، بما في ذلك التحضير لعقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار غزة. وأفاد تقرير للأمم المتحدة بأن إعادة إعمار غزة تتطلب أكثر من 53 مليار دولار، بينها أكثر من 20 ملياراً خلال الأعوام الثلاثة الأولى. وأعلنت مصر أن الخطة ستكون بالتعاون مع الإدارة الأميركية من أجل التوصل إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية تراعي حقوق شعوب المنطقة وأنه سيكون هناك دور للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.
إدارة القطاع
وفي ظل الحديث عن ارتفاع الدين الخارجي لمصر إلى أكثر من 155 مليار دولار وتلاشي قدرتها على الاقتراض، طرح زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد قبل أيام في جلسة نقاشية بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات للأبحاث التي أنشئت من أجل دعم والدفاع عن سياسات إسرائيل في واشنطن، مقترحاً يقضي بأن تتولى مصر مسؤولية إدارة قطاع غزة لمدة ثمانية أعوام مع خيار التمديد إلى 15 سنة مقابل أن يجري سداد ديونها الخارجية من قبل المجتمع الدولي وحلفائها الإقليميين، وأن تقود مصر قوة حفظ سلام بالتعاون مع دول الخليج والمجتمع الدولي لإدارة غزة وإعادة إعمارها، وخلال هذه الفترة يجري وضع أسس لحكم ذاتي في غزة واستكمال عملية نزع السلاح الكامل على أن تكون مصر اللاعب الرئيس والمشرف على إعادة الإعمار.
واقترح لابيد أن تتولى مصر إدارة غزة بموجب قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وتشرف على الأمن والشؤون المدنية وأن يجري تقديم هذا الإشراف كوصاية تهدف إلى تسليم غزة إلى السلطة الفلسطينية خلال فترة من ثمانية إلى 15 عاماً "بعد تنفيذ الإصلاح وإزالة التطرف"، مؤكداً أن هذا المقترح لا يتعارض مع الفكرة التي قدمها ترمب في شأن إعادة إعمار غزة بمشاركة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وإنما يهيئ الظروف المناسبة لذلك.