الاتحاد الوطني الكُردستاني يُعيد تأسيس نفسه

ثلاثة أقطاب يتنافسون على النفوذ في المؤتمر العام في نوفمبر المقبل

في جنازة الزعيم التاريخي للإتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني في السليمانية (رويترز)

تضج أروقة مراكز قيادة وتنظيمات الاتحاد الوطني الكُردستاني بالنقاشات الخاصة بتفاصيل وتوازنات وأعمال المؤتمر الرابع للحزب، حيث من المُقرر أن يُعقد خلال الأسابيع القليلة المقبلة، بعد عشر سنوات من مؤتمره الأخير. وقد انتشرت تسريبات مختلفة من قيادة الاتحاد مفادها أن الخطوة الأصعب، المتعلقة بالتقرير السياسي الذي سُيقدم من قِبل النائب الأول للأمين العام للحزب كوسرت رسول علي، صارت جاهزة، وأن التفاصيل المُتبقية المتعلقة بالديناميكيات التنظيمية وتوازنات مراكز القوة ضمن الاتحاد، سُتحدد في الأسابيع القليلة الآتية، وأثناء عقد المؤتمر.

الاتحاد الوطني الكُردستاني هو أحد قُطبي الحياة السياسية في إقليم كُردستان العراق، إلى جانب الحزب الديمقراطي الكُردستاني. وقد راكم طوال عقود كثيرة نفوذاً وعلاقات سياسية وأمنية مع مُختلف دول المنطقة، واستطاع أن يحافظ على توازن دقيق لعلاقاته مع كُل من إيران والولايات المُتحدة. وكان مؤسسه وزعيمه التاريخي جلال الطالباني يعتبر ذلك التوازن أساس حفظ مكانة واستقرار الحالة الكُردية في العراق.

ضبط تنظيمي

بحسب الأنظمة الداخلية المُتبعة في الحزب، فإن المؤتمر الرابع للاتحاد الوطني كان يجب أن يُعقد مُنذ خمس سنوات، إلا أن الظروف السياسية والأمنية حالت دون ذلك. وسعى المكتب السياسي للاتحاد إلى تأجيل عقد المؤتمر مرة بعد أخرى، حفاظاً على الوحدة التنظيمية قدر المُستطاع، بعدما أصاب العديد من "الانشقاقات" بُنية الحزب.

المكتب السياسي للاتحاد اتخذ قراراً حاسماً بعقد المؤتمر الرابع قبل نهاية هذا العام، لكنه منح مجلس قيادة الاتحاد سُلطة تحديد الموعد التفصيلي لعقد المؤتمر، حيث تقول أغلب التوقعات بأنه سيكون في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) المُقبل، وهو يُصادف مناسبة "يوم الشهيد" بالنسبة إلى الاتحاد الوطني الكردستاني.

المجلس القيادي للاتحاد، يُعتبر بمثابة المنصة التي تُضبط فيه التوازنات داخل القيادة، لأنه مؤسسة تنظيمية أوسع من المكتب السياسي، وقادر على جمع مراكز الاستقطاب السياسي والجُغرافي الأربعة ضمن الاتحاد الوطني، في مناطق السُليمانية وأربيل وكركوك ودهوك. منح سُلطة تنظيم وإدارة المؤتمر للمجلس القيادي من قِبل المكتب السياسي للاتحاد، أنما هو سعى للحفاظ على الوحدة الداخلية للحزب.

مصدر من قيادة الاتحاد الوطني الكُردستاني أوضح لـ "اندبندنت عربية" بأن التحديات التنظيمية أمام المؤتمر تتمثل بمسألتين رئيستين: فهذا المؤتمر هو الأول الذي يُعقد بغياب جلال الطالباني، الزعيم التاريخي للاتحاد، الذي كان يتمكن في كُل مرة من تنظيم مراكز القوة وضبط التوازنات ضمن الاتحاد، وتنظيمات القواعد ومجالس القيادة، المختلفة في ما بينها إيديولوجياً وسياسياً وجُغرافياً إلى حد بعيد.

كذلك أوضح المصدر القيادي أن التحدي الآخر يتمثل بقدرة المؤتمر على ضبط "التشتت التنظيمي" الذي يُصيب الكثير من مفاصل الاتحاد التنظيمية. فمُنذ "انشقاق" القيادي البارز في الاتحاد الوطني نيشروان مُصطفى عام 2009 عن الاتحاد الوطني، وتشكيله حركة التغيير الكُردية "كوران" وتمكنه من جذب نسبة كبيرة من تنظيمات الاتحاد الوطني، فإن العديد من قيادات الاتحاد الوطني صارت تُشكل "مراكز قوة" أكثر وضوحاً ونفوذاً من الاتحاد، وسيسعى المؤتمر لتفكيك هذه الاستطالات وإعادة الوحدة التنظيمية للحزب، بحسب المصدر القيادي في الاتحاد الوطني.

  ترتيبات للقيادة

تتجاذب قيادة الاتحاد الوطني الكُردستاني ثلاثة أقطاب سياسية، يسعى كُل واحد منها إلى مساحة أكبر لقيادة الاتحاد الوطني من خلال المؤتمر المقبل. النائب الأول للأمين العام كوسرت رسول علي، الذي يُعتبر حالياً الشخص الأول تنظيمياً في الحزب، وكان قيادياً بارزاً في صفوف قوات البيشمركة لعقود، يسعى لأن يُكرس سُلطته ونفوذه كقائد للاتحاد من خلال المؤتمر المقبل، وأن يكون لنجله القيادي درباز كوسرت علي دور مستقبلي في الاتحاد الوطني.

كذلك تُشكل عائلة الرئيس العراقي السابق ومؤسس الاتحاد الوطني جلال الطالباني قطباً ضمن الاتحاد، إن عبر زوجته هيرو إبراهيم أحمد، عضو المكتب السياسي للاتحاد، أو نجله الأصغر قوباد طالباني، الذي يشغل موقع نائب رئيس وزراء إقليم كُردستان، أو نجله الآخر بافل طالباني، الذي يُعتبر قيادياً في قوات البيشمركة. إلى جانب هذين القُطبين، فإن قيادات أخرى ضمن الاتحاد تسعى لأن يكون لها دور خاص ضمن الاتحاد، مثل مسؤول التنظيمات العاملة ملا بختيار.

وسائل إعلام محلية في إقليم كُردستان، كانت قد نشرت قبل أيام تسريبات تقول إن نائب الأمين العام كوسرت علي يسعى لأن يحدث توافق تنظيمي وسياسي ضمن الاتحاد الوطني قُبيل المؤتمر، بينما تسعى عائلة الطالباني لأن يُترك كُل شيء للمؤتمر. كذلك فإنها أوضحت بأن إجراءات تنظيمية مُقترحة لإعادة ترتيب أحوال القيادة الرئيسة في الاتحاد. كأن يكون للأمين العام نائبان أو أكثر، متفرغون ويملكون سُلطة واضحة لاتخاذ القرارات في مواقعهم، حتى تتوزع السُلطة بين مُختلف قياديي الاتحاد الوطني. كذلك فإن قيادات من الاتحاد تعرض أن يكون ثمة موقع للأمين العام وهيئة مساعدة من دون أي نائب، حتى تضطر القيادة على الدوام لأن تتخذ قراراتها بالتوافق.

 ثلاثة تحديات سياسية

مراقبون متابعون للشأن السياسي في إقليم كُردستان العراق، أشاروا إلى أن المُعضلات التنظيمية هي ما يظهر على السطح مما يواجهه الاتحاد الوطني، إلا أن المستوى الأكثر حقيقية، بحسب تعبير المُراقبين، يتعلق بالتحديات السياسية التي تواجه الاتحاد الوطني، والتي يُمكن رصدها على ثلاثة مستويات.

المستوى الأول، يتعلق بالموقع السياسي للاتحاد الوطني الكُردستاني ضمن إقليم كُردستان العراق، بالذات في ما خص توافقه السياسي والحكومي مع الحزب الديمقراطي الكُردستاني. فالكثير من المراقبين يعتبرون أن التوافق بين الحزبين الرئيسين حرم الحياة العامة في الإقليم من التنافسية السياسية والإيديولوجية، وقربها بقدر ما من المحاصصة التوافقية، التي تشكل دافعاً لاستشراء الفساد.

كذلك على الاتحاد الوطني اتخاذ موقف واضح من نزعته السياسية الإيديولوجية، بالذات في ما خص النزعة اليسارية التي يستند إليها. فالديناميكيات والوقائع الاقتصادية التي ينخرط فيها الاتحاد الوطني تقول إنه صار منخرطاً في اقتصاد السوق الأكثر ليبرالية، على الرغم من كونه أبرز أحزاب الاشتراكية الدولية.

أخيراً، فإن الاتحاد الوطني مُلزم بالإجابة عن مسألة موقعه من التوازنات الإقليمية. فالاتحاد الوطني الذي تأسس ضمن محور تحالف النِظام السوري مع نظيره الإيراني، يرى بالتقادم كيف أن ذلك المحور مُهدد بالتفكك والانهيار في أكثر من مستوى.

المزيد من الشرق الأوسط