ملخص
استطاعت أميركا تحقيق نمو اقتصادي متسارع أخرجها من الأزمة المالية العالمية لعام 2008 وضمن تفوقها على أسواق العالم، بل إن الأموال المتمركزة فيها تفوق ثلثي ما يملك العالم بأسره.
في خضم النجاح الساحق الذي حققه الطرح الأولي لأسهم شركة "آرم" البريطانية المتخصصة في هندسة تصاميم الرقاقات الإلكترونية، برز رأي أميركي عن هذا النجاح، لم يجر تداوله كثيراً في التغطيات الإعلامية الواسعة التي حظي بها ذلك الحدث. وتذكيراً، ففي أيلول (سبتمبر) الجاري، استضافت بورصة نيويورك الطرح الأولي "آي بي أو" IPO لأسهم تلك الشركة التي تشتهر بتزويدها شركة "أبل" بتصاميم لرقاقاتها الإلكترونية المتطورة. وحقق ذلك الطرح أرباحاً فاقت توقعات كثيرة، إذ أُطلِق السهم الواحد في سوق "نازداك" بسعر 51.6 دولار وقفز سعره 25 في المئة، ووصل إلى 63.59 دولار.
هل حدث ذلك بسبب الشركة البريطانية بحد ذاتها أم أنه تحقق، ولو جزئياً، لأنه طُرِحَ في بورصة نيويورك الآسرة التي تستقر فيها المؤشرات المالية الأميركية الهائلة الحجم على غرار "نازداك" و"داو جونز" و"ستاندرد أند بورز" وغيرها؟
نيويورك سبب نجاح "آرم"
وفق مقال نشرته "فايننشال تايمز" أخيراً، أدت قوة الجاذبية العالمية الكامنة في أسواق المال النيويوركية، وهي قاطرة أسواق المال والأعمال في الكرة الأرضية، دوراً حاسماً في النجاح المدوي للطرح الأولي لشركة "آرم" المملوكة عملياً من مصرف "سوفت بنك" العالمي الذي يحتفظ بقرابة تسعين في المئة من أسهمها. وفي المحصلة، حقق الطرح الأولي لشركة "آرم" خمسة أضعاف الرقم الذي سُجّل به في "نازداك".
أبعد من ذلك، يرى كاتب المقال نفسه، فيليب أوغر الذي وضع كتباً عدة عن سوقي لندن ونيويورك، أن إكسير النجاح الذي انثال من نيويورك إلى الشركة البريطانية قد يشكل بداية لمسار أضخم يتضمن "تحطيم الولايات المتحدة أسواق المال الأوروبية"، وفق كلمات وردت في العنوان. وتلا العنوان الرئيس وكلماته الفائقة الإثارة، عنوان فرعي يشير إلى أن صُنّاع القرار والسياسة في القارة الأوروبية يحاربون حتى "بالأظافر والأسنان" كي يحتفظوا بالشركات القارية الكبرى ضمن تلك الحدود الجغرافية، لكنهم يخسرون.
ويستهل نص المقال باستعادة تاريخية مؤثرة تتضمن أنه قبل مئة عام، ضمت حدود الجغرافيا السياسية للمملكة المتحدة مجموعة كبيرة من الأسواق المالية في لندن وأبردين وكارديف وغيرها، لكن تلك المشهدية لم تترسخ. وفي 1973، ابتلعت سوق المال اللندنية كل نظيراتها المحلية.
هل تسير نيويورك لأن تكون للعالم، خصوصاً أوروبا، ما شكّلته لندن لأسواق المال البريطانية في المملكة المتحدة؟
وفي سياق توضيح أسباب ذلك الطرح، يورد المقال أن المستثمرين في البنوك العالمية يتحدثون عن سباق أوروبي لاهث لتسجيل الطرح الأولي لأسهم الشركات الأوروبية المهمة، في السوقين الماليين النيويوركيين "نازداك" و"سوق نيويورك للأسهم". ويلاحظ أن معظم تلك الشركات تعمل في أوروبا لكن الأيدي التي تملك رساميلها مستقرة في الولايات المتحدة، ما يضع السوقين المذكورين في رأس قائمة الأسواق التي تصبو إليها تلك الرساميل، باعتبارهما الأضخم عالمياً.
أميركا تملك أموال العالم
كذلك يذكّر المقال بأن أسواق الأسهم والسندات الأميركية تضم سبعين في المئة مما تضمه قائمة مؤشر "مورغان ستانلي للرساميل العالمية"، اختصاراً "أم أس سي آي" MSCI World، فيما يذهب مجرد 20 في المئة إلى الأسواق الخمسة الكبرى التي تلي السوق الأميركية، وتوجد في اليابان وبريطانيا وفرنسا وكندا وألمانيا. وتتصدر الشركات الأميركية المراتب العشرة الأولى في قائمة مؤشر "أم أس سي آي"، على التوالي، تبدأ بشركة "أبل" في المركز الأول، وتمسك شركة "إكسون موبايل" بالمركز العاشر. ووفق كلمات المقال، يعني ذلك "بوضوح، أن الأسهم والسندات لعشر مؤسسات أميركية وازنة، تفوق في حجمها مجموع أسواق اليابان والمملكة المتحدة وفرنسا وكندا وألمانيا". تبدو المعادلة سهلة وآسرة، بمعنى أن عشر شركات أميركية أضخم مالياً من خمس دول كبرى اقتصادياً في العالم.
إذا سرنا مع معطيات المقال، ألا يرتسم في الذهن سؤال عن إمكانية تمثيل الشركات الأميركية العملاقة في مجموعة "الدول السبع الصناعية الكبرى" أو ربما في مؤسسات عالمية أكثر وزناً وحساسية منها؟
وفي سياق سرد مقال "فايننشال تايمز" أسباب تلك الهيمنة المالية الأميركية، تبرز الإشارة إلى النمو الاقتصادي السريع للولايات المتحدة، بعد أزمة 2008 المالية، بالمقارنة مع أسواق الاتحاد الأوروبي وبريطانيا. بالتالي، لقد أصبحت الولايات المتحدة هي سوق الأسهم والسندات للعالم بأسره، خصوصاً مع ملاحظة أن حصة المستثمرين غير الأميركيين في أسواق الأسهم والسندات الأميركية تلامس الـ14 تريليون دولار.
واستناداً إلى تلك المعطيات، يخلص الكاتب فيليب أوغر إلى عبثية المنافسة التي يخوض غمارها الآن صُناع القرار في القارة الأوروبية، بمعنى أن هزيمتهم أمام الولايات المتحدة محتمة بالكامل.
وبالنتيجة، يسدي أوغر "نصيحة" إلى صُنّاع القرار الأوروبيين مفادها التسليم بالهزيمة والانتقال إلى التركيز على تنمية الأسواق الأوروبية المحلية عبر التركيز على الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم المستقرة في الجغرافيا الأوروبية والمُسجلة في الأسواق المالية لتلك القارة.
تذكيراً، قبل بضعة أشهر، تحديداً في 19 يونيو (حزيران) 2023، ظهر في "فايننشال تايمز" نفسها مقال بعنوان "أوروبا تخلفت عن الولايات المتحدة والفجوة بينهما تتسع"، للكاتب جديون راكمان. وشدد المقال على أن القارة الأوروبية باتت أعجز من اللحاق بالولايات المتحدة في مناحٍ لا حصر لها، تشمل الطاقة والتكنولوجيا والرساميل والجامعات.
هل ثمة خيط يربط المقالين معاً أم أن الأمر يتعلق بسردية باتت تتراكم على الضفة الأميركية للأطلسي عن مسافة متعاظمة باتت تُباعد بين شاطئي ذلك المحيط؟ لماذا ترتفع تلك النبرة الآن، خصوصاً بعد حرب أوكرانيا؟ ما علاقة تلك السردية بالصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين؟ أين موقع تايوان ورقاقاتها الإلكترونية الأكثر تطوراً في العالم، من هذه المشهدية المتلاطمة؟ الأرجح أن الأسئلة كثيرة.