Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"آل تيبو" للفرنسي دو غار... الكتابة ضد الحرب

"ماذا لو كانت تلك الصراعات مجرد عودة بالإنسان لحياة الحيوانات في الأدغال؟"

روجيه مارتان دي غار (موسوعة الأدب الفرنسي)

ملخص

يعبر الكاتب الفرنسي روجيه مارتن دو غار في روايته "آل تيبو"، عن نزعة سلمية وقفت موقف الضد مما كان سائداً في زمنه لدى جماهير الفرنسيين، في صدد الحرب العالمية الأولى التي انخرط فيها الفرنسيون عام 1914 من دون تفكير عميق، وأثارت يومها سجالات حادة بينهم.

هي بالتأكيد واحدة من أشهر الروايات الفرنسية، على رغم أن مؤلفها لا يعتبر عادة من كبار الكتاب في لغة موليير. ذلك أنها وببساطة شديدة، الرواية الأكثر شعبية، لا الرواية الأفضل في تاريخ الأدب الفرنسي خلال النصف الأول من القرن الـ20. من هنا نادراً ما تجد فرنسياً يمكنه أن يقول لك إنه لم يقرأها، بل إن الأجيال الجديدة قرأتها وشاهدتها، وقد حولت قبل سنوات عدة إلى مسلسل فرنسي لم تقل شعبيته عن شعبية الرواية.

وهذه الرواية هي "آل تيبو" لروجيه مارتن دو غار، الكاتب الذي عبر فيها عن نزعة سلمية وقفت موقف الضد مما كان سائداً في زمنه لدى جماهير الفرنسيين. أما موقف الضد هذا، فكان في صدد الحرب العالمية الأولى التي انخرط فيها الفرنسيون في عام 1914 من دون تفكير عميق، وأثارت يومها سجالات حادة بينهم.

ومن المعروف أن النتائج التي تمخضت عنها، حتى وإن كانت قد عادت ببعض المكاسب الجغرافية والسكولوجية على الفرنسيين، فأنها ستكلف هذا الشعب والأمة غالياً. وطبعاً لم يخصص دو غار كل صفحات روايته لتلك القضية أو سجالاتها، بل إنه كتب العمل، أصلاً، ليبدو وكأنه في الأصل مأخوذ عن مدونات حياة عائلة خلال سنوات عدة عند المرحلة الفاصلة بين القرن الـ19 والقرن الـ20. غير أن كل تلك الحياة، وإذ وصفت في أجزاء عدة تشكل الرواية في نهاية الأمر، أتت لتصب كلها في ذلك الموقف من الحرب، الموقف الرافض الذي يعتبر الحرب فعل قتل لا أكثر، ومكاناً يعبر فيه الأفراد عن غرائزهم الحيوانية، ويلعب فيه الكبار القادرون الخادعون بالصغار المخدوعين.

التربية نفسها ولكن...

تتحلق الرواية منذ صفحات جزئها الأول، من حول شخصيتي ابني آل تيبو: أنطوان وجاك، لقد ربى الأب القاسي ولديه هذين التربية نفسها وأخضعهما للظروف نفسها، ولكن على رغم هذا كله، كانت النتيجة أن صار أنطوان حين شب عن الطوق طبيب أطفال ناجحاً، ورجل علم نزيهاً ممتثلاً للقواعد الاجتماعية في انطلاقه من عقلية وضيعة لا لبس فيها، فيما تحول جاك إلى متمرد ثائر على المجتمع وقيمه، رافضاً للسياسات الكبيرة. وكان هذا ما قاده في جزء تال من الرواية إلى سويسرا، حيث انضم هناك إلى مجموعة من الثوار الاشتراكيين الأمميين الذين كانوا، على مختلف مشاربهم وأهوائهم، يناضلون متحلقين من حول الأممية العالمية.

وهكذا، بالتدريج، عرف روجيه مارتن دوغار كيف يؤطر روايته زمنياً وموضوعياً. ومع هذا، على رغم أن شخصيتي أنطوان وجاك تهيمنان على أجزاء الرواية، فإن هذا العمل يطاول في طريقه المجتمع الفرنسي كله على مدى السنوات الصاخبة التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى، وذلك في أجزاء حملت عناوين متنوعة مثل "الكراس الرمادي" و"السجن" و"الفصل الجميل" و"الاستشارة". في كل هذه الأجزاء ومهما ابتعدت رواية الكاتب عن نقطتها المركزية، ستظل تعود لها بين فصل وآخر كاشفة لنا كيف أن ما يهم الكاتب في الدرجة الأولى هنا، إنما هو تلك العلاقة العاطفية الوجدانية حيناً، والمتوترة أحياناً، التي تقوم بين الأخوين تيبو بصفتهما على أية حال ممثلين لنمطين معينين من التفكير الاجتماعي في ذلك الحين.

بعد موت الأب

غير أن الرواية سرعان ما تتخذ بعداً آخر، أكثر صلابة وقوة بعد موت الأب، الذي كان على الدوام، حاضراً أو غائباً، يمثل صلة الوصل بين الرجلين.

فبعد موت الأب، يأتي انفجار "صيف عام 1914"، أي إعلان الحرب ومقدماتها. وهنا، إذ يبدو واضحاً الآن أن الكاتب إنما بنى في الأصل، روايته كلها، حتى يوصلها إلى هذه النقطة الانفجارية، يسهب في التوقف عند ذلك الانفجار إلى حد أنه يكرس له جزءين أخيرين من الرواية - النهر هذه.

ولكن على رغم هذين الجزءين وصفحاتهما الطويلة، سيبدو من الجلي لنا أن الأحداث تتسارع فيهما بصورة مدهشة، حيث بالكاد يخيل إلى القارئ أنه قرأ، حقاً، مئات الصفحات، خصوصاً أن نقطة الثقل في الرواية تتحول هنا إلى مجموعة الشبان الاشتراكيين من أصدقاء جاك تيبو، ومنهم إلى عالم المفكرين والمناضلين الاشتراكيين في صورة عامة، الذي يبرع فيه المؤلف، - وربما على خطى الروسيين دوستويفسكي في "الشياطين"، وتولستوي في "الديسمبريون" -.

هنا يبدع الكاتب في وصف كيف أن آمال الاشتراكيين في استمرار السلام تنهار شيئاً فشيئاً، وإذ ينهار معها صمود معظم الاشتراكيين في مواقفهم الأممية المناهضة للحرب، يصور لنا دوغار بقوة، وبموضوعية مدهشة، كيف أن القادة الاشتراكيين يقعون واحداً بعد الآخر، وعلى رغم مواقفهم السلمية، في فخ النزعات القومية التي تعيد الفرنسي فرنسياً والروسي روسياً والألماني ألمانياً عودة بالغة القسوة والخطل، إلى درجة أن الكاتب يبدو وكأنه إنما صاغ روايته لفضحها بصورة تعدي قارئه حقاً. (واللافت أن تلك العدوى تكاد تشبه العدوى التي يتركها الكاتبان الروسيان الكبيران في وجدان قرائهما، بل عقولهم أيضاً).  

وبالتالي يبدأ كل واحد من أولئك القادة، وفي حوارات بالغة القوة تجري بينهم وصغار المناضلين، مزرياً في التحمس لوطنه وجيشه على حساب ما تبقى من أفكار أممية مناضلة، وهكذا "يتخلى القادة ثم الصحافيون والكتاب والمدرسون والعلماء والمثقفون بصورة عامة عن استقلالهم النقدي إزاء الحرب، ليروح كل واحد منهم داعياً إلى هذه الحملة الصليبية الجديدة، محيياً كل الحقد الذي كان أبناء جلدته يحملونه إزاء أعداء الأمس، الذين عادوا اليوم - وراثياً - أعداء من جديد".

وإزاء هذا كله ينهار الفكر وحتى "العمال الثوريون يجدون من الذرائع والدوافع، مما يبرر اندفاع كل منهم نحو الجبهة مقاتلاً من كانوا حتى الأمس فقط، رفاق قضية الاشتراكية الأممية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جاك يتمسك بموقفه

أما جاك فإنه يبقى مصراً على موقفه، مع حفنة ضئيلة جداً من رفاقه. وحتى حين يجري اغتيال الزعيم الاشتراكي الفرنسي جان جوريس أمام ناظريه، بسبب وقوف جوريس حتى النهاية ضد الحرب، لا يخاف جاك أن يبقى على موقفه، بل إنه يزداد إيماناً بهذا الموقف.

ثم في لحظة اندفاعة أخيرة تحمل كل شرف النضال الأممي وعبقه، يقرر جاك ورفيقه الأخير مينيسترل، أن يخوضا حربهما الخاصة، مقدمين على تحرك "نهائي منعزل وحاسم"، الهدف منه أن يخرجهما من حال العجز الذي وجد كل الشرفاء أنفسهم في خضمه: وكان هذا التحرك عبارة عن طباعتهما ألوف النسخ من منشور عنيف يدعو إلى وقف الحرب والتمسك بمبادئ السلام. والأدهى من هذا أن هذين المناضلين الأخيرين يختاران الجبهة الحربية، ميدان القتال، المملوء بالجنود من الأطراف كافة لكي يوزعا هناك منشورهما.

وهكذا لا يبقى أمام الكاتب إلا أن يرسم خط النهاية، وهو خط ذو دلالة، إذ ينتهي الأمر بأنطوان، شقيق جاك، إلى أن يقتل على الجبهة بالغاز الذي نفثه الألمان، في وقت كان منكباً على كتابة يومياته على الجبهة.

وإذا كان روجيه مارتن دو غار استعار تحرك جان ورفيقه في رمي المناشير من تحرك مماثل قام به مناضل إيطالي ضد الفاشية يدعى لاورو دي بوزيس، إذ قام في عام 1933 بالطيران فوق روما مسقطاً ألوف المناشير المعادية للفاشية، فإنه عرف تماماً كيف يدمج هذا الفصل في مسار بطله جاك، مما أعطى الرواية ككل سماتها التاريخية والإنسانية معاً.

دقة تاريخية

ومن المعروف أن روجيه مارتان دو غار (1881 – 1958) ولد في حي نويي المتاخم لباريس، وهو في الأصل تلقى دراسته في مدرسة للتوثيق التاريخي في فرنسا، ومن هنا احتفظ على الدوام بنزعة الدقة التاريخية، وهذه النزعة نراها ماثلة في خلفية "آل تيبو"، كما أن اهتمامه المبكر بالتحليل النفسي وعلم النفس نراه في رسمه الدقيق للشخصيات ودوافعها، في هذه الرواية، ولكن كذلك في كثير من أعماله الأخرى، السابقة واللاحقة على "آل تيبو" مثل "جان باروا" روايته الحوارية التي قدم من خلالها نظرته الخاصة إلى قضية درايفوس، تلك القضية التي قسمت فرنسا كلها بين وطنيين معادين للسامية وأصحاب فكر حر معادين لكل عنصرية وكراهية.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة