ملخص
حسن فحص يكتب عن أشكال الاحتجاجات التي أعقبت مقتل مهسا أميني وبماذا اختلفت عن المعارضات السابقة منذ عام 2009
لا شك أن الحراك الذي شهدته إيران في سبتمبر (أيلول) العام الماضي والذي انطلق على أثر انتشار خبر مقتل الفتاة مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق، يختلف في طبيعته وخلفياته عن كل الحراكات والتظاهرات التي شهدتها إيران في السنوات الماضية، والتي كانت ذات طابع سياسي في مرحلة الإصلاحيين وعهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي، من ثم في الحركة الخضراء عام 2009 اعتراضاً على التلاعب بنتائج الانتخابات الرئاسية، وإعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد لرئاسة السلطة التنفيذية على حساب مرشح المعارضة مير حسين موسوي، أو ذات طابع اقتصادي مطلبي في مرحلة الاعتدال وعهد الرئيس حسن روحاني بعد قرار رفع أسعار المشتقات البترولية ومادة البنزين، وبعدها انهيار عدد من المؤسسات المالية وضياع مدخرات الكثير من المواطنين.
الاختلاف بين حراك مهسا أو عام 2022 عن التحركات والحركات الاحتجاجية الأخرى، يأتي من كونه اتخذ طابعاً ثقافياً، وموجهاً ضد المؤسسة الدينية التي تعتبر الداعم والعصب الرئيس للنظام، وعلى خلفية رفض قانون إلزامية الحجاب وممارسات الشرطة الأخلاقية والملاحقات العقائدية وموازين الولاء والعداء لمؤسسة النظام وسلطته وأجهزته باعتبارهم اليد التي تسعى وتعمل لإرساء المفاهيم الدينية وتطبيقها وبناء مجتمع ديني على طريق إقامة الحكومة أو السلطة الدينية الإسلامية.
لذلك، وعندما أدرك النظام حجم التحدي الذي يقف خلف هذا الحراك، وأنه خرج عن كونه اعتراضاً على حادث وفاة فتاة سواء عمداً أو عرضاً على يد شرطة الأخلاق التي تمثل اليد التنفيذية لأحكام السلطة الدينية وقانونها، أصيب بحالة من الإرباك وعدم التوازن، لأن الحراك والشعارات التي رفعها والمطالب التي أشهرها بوجه السلطة، كانت من خارج حساباته وتوقعاته، أو على الأقل لم يكن في حساباته أن تكون بهذه الحدة والمستوى والاتساع، بخاصة أنها تمس جانباً أساسياً من هوية السلطة المتعلقة بالحجاب الذي يعتبر التمظهر اليومي والعملي للبعد الديني للنظام والسلطة.
أمام هذا الحجم من التحدي الذي يؤسس لانقسام عمودي بخلفية ثقافية وفكرية داخل المجتمع الإيراني، لم يكن أمام منظومة السلطة وأجهزتها سوى اللجوء إلى محاولة خلق شرخ أو انقسام في حركة الاعتراض، بخاصة بعد أن لمست قدرتها على الانتشار وأنها بدأت تتحول إلى مصدر تهديد حقيقي لهذه المنظومة واستمرارية سلطتها وهيمنتها. وقد تنتقل إلى موجة عارمة لا تقتصر على شريحة محددة من المجتمع المتمثل بالعنصر النسائي، ومطالبه الدائمة، والمستمرة، والمتشعبة.
اعتقالات في صفوف الشباب
يمكن القول إن النظام ذهب إلى الخيار الذي يجيد استخدامه واللعب عليه وتوظيفه عندما يواجه أي أزمة داخلية، من خلال الربط بين أي حراك مطلبي والتدخل الخارجي لأجهزة استخبارات الدول الأعداء التي تتربص بالنظام الشر وتعمل من أجل إطاحته. الأمر الذي يسمح له باستخدام أقصى أنواع القمع والقتل والملاحقة والاعتقال والسجن. وقد وفر له أداء المعارضة السياسية في الخارج المسوغ والغطاء الذي يريده، سواء عن قصد أو غير قصد، ما فتح الطريق أمامه للحديث عن مؤامرة تتخذ من مسألة الحجاب كمطلب اجتماعي ذريعة للقضاء على النظام وتقسيم إيران وتفتيتها خدمة لمشاريع أميركية وإسرائيلية لا تخفي هدفها في استهداف هذا النظام وطموحاته ونفوذه ودوره على الساحتين الإقليمية والدولية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حملة الاعتقالات الواسعة التي قامت بها أجهزة النظام ضد المتظاهرين، خصوصاً من الشباب والجيل الجديد من ذوي الأعمار التي تقل عن العشرين سنة، إضافة إلى ملاحقة الأشخاص الذين شكلوا مفاتيح هذا الحراك والتحركات التي خرجت عن كل القواعد المتعارف عليها في الحركات الاعتراضية، وهي اعتقالات تجاوزت أعدادها العشرين ألف شاب وفتاة في مختلف المدن الإيرانية، فضلاً عن مستوى العنف الذي مارسته هذه الأجهزة ولم تتورع عن القتل أو إلحاق عاهة دائمة في أجساد المتظاهرين. إلى جانب ذلك، كانت الغرف السوداء للدولة العميقة تفسح المجال أمام القوى والأحزاب المعارضة، بخاصة التي تملك جناحاً عسكرياً، للظهور والخروج من الظل والإعلان عن مشاركتها في الاحتجاجات في إطار أهداف واضحة ومحددة تسعى لتغيير النظام وإقامة مناطق حكم ذاتي أو فيدراليات على غرار التجربة العراقية. ولعل أكثر الأحزاب التي وقعت في فخ النظام هذا كانت الأحزاب الكردية التي لم تتردد في إعلان الانتقال إلى العمل المسلح ضد أجهزة النظام وتحديداً ضد قوات وعناصر وقواعد "حرس الثورة الإسلامية"، الأمر الذي أعطى النظام ومنظومة السلطة الغطاء والذريعة للذهاب إلى خيار العسكرة والضرب بقوة واستخدام السلاح لقمع الاحتجاجات في العديد من مدن الأطراف التابعة للمحافظات والأقاليم ذات الأقليات القومية المتنوعة، بخاصة في كردستان وسيستان وبلوشستان، إضافة إلى رفع وتيرة الاستنفار في إقليم خوزستان ومدينة الأهواز والشعب العربي فيها. في حين كانت الأقاليم الأذرية تشهد استنفاراً واسعاً للقوات المسلحة وتعيش حالة من التوتر والانشغال بإمكان نشوب حرب على الحدود الشمالية مع جمهورية أذربيجان التي كانت تخوض جولة من حروبها مع جمهورية أرمينيا.
عسكرة الحراك أو جزء منه، والذهاب إلى أعلى مستويات القمع، سمح أو أعطى للمنظومة فرصة العودة أو الالتفاف إلى الحراك المدني الذي كانت تشهده شوارع المدن الكبرى الذي يرفع شعارات مطلبية ذات طابع ثقافي فيها الكثير من التحدي للمنظومة والمؤسسة الدينية، بالتالي العمل على تفكيكه والتعامل مع أخطاره ومحاولة تحييد التهديد الذي تحمله، تمهيداً لالتقاط الأنفاس، ما يسمح له بإعادة تقويم أدواته والعمل على مواجهتها ومن ثم البدء بالهجوم المعاكس.