Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الكندي عمر العقاد يروي أوهام الهاربين من الشرق إلى الغرب

الكاتب المصري الأصل فاز عن رواية "يا له من فردوس غريب" بجائزة عريقة

الروائي الكندي المصري الأصل عمر العقاد فائزاً بأرقى جائزة كندية (موقع الجائزة)

ملخص

الكاتب المصري الأصل فاز عن رواية "يا له من فردوس غريب" بجائزة عريقة

"يا له من فردوس غريب" (What Strange Paradise) رواية الكاتب الكندي المصري الأصل عمر العقاد، صدرت حديثاً في ترجمة عربية أنجزتها السورية بثينة الإبراهيم، عن دار "روايات" التابعة لمجموعة "كلمات" للنشر في الإمارات. وكانت هذه الرواية المكتوبة بالإنجليزية في الأصل، قد فازت بجائزة "سكوتيا بنك – غيلر"، الأدبية الكندية لعام 2021. وتعد هذه الجائزة أعرق جائزة كندية للرواية أو للقصة القصيرة المكتوبة بالإنجليزية، أو المنقولة إليها، وقيمتها 100 ألف دولار.

عمر العقاد صحافي وروائي ولد في مصر، ثم نشأ في قطر قبل أن ينتقل في سن الـ16 إلى كندا ويبدأ فيها مسيرته كمهاجر من الجيل الثاني لعائلة عربية انتقلت إلى الغرب في تسعينيات القرن الـ20. تلقى العقاد تعليمه في كندا، وعمل مراسلاً في صحيفة كندية مغطياً الحرب في أفغانستان والمحاكمات العسكرية لمعتقل غوانتنامو والربيع العربي في مصر. ويقول العقاد إنه منذ سفره إلى القاهرة سنة 2012 ليغطي ثورة يناير (كانون الثاني)، وهي أول مرة يزور فيها مصر منذ مغادرته إياها طفلاً سنة 1995، وفكرة هذه الرواية تسكنه. منذ 2012 والعقاد يعمل على روايته التي طورها وأنهاها في فترة جائحة "كوفيد". و"يا له من فردوس غريب" هي رواية العقاد الثانية بعد رواية أولى صدرت سنة 2017 بعنوان "الحرب الأميركية"، وقد نالت هي الأخرى حظها من النجاح، وتمت ترجمتها إلى 13 لغة.

سرد مزدوج 

تدور أحداث هذه الرواية وفق قسمين أو محورين، محور "قبل"، ومحور "بعد". أما قبل ماذا، وبعد ماذا، فهنا تكمن البراعة السردية.

يقوم هذا النص على نقطة سردية مفصلية تشطر السرد والفضاء الروائي إلى شطرين، وهي نقطة وصول قارب مهاجرين إلى شاطئ جزيرة يونانية، لكن هذا القارب الذي خاض غمار بحر هائج وتعرض لصواعق وعواصف قاسية لفظ ركابه جثثاً باردة منتفخة على الشاطئ. وحده صبي سوري صغير ينجو. يستيقظ من رحلة الموت هذه ليجد نفسه فريسة لموت من نوع جديد، موت إنساني اجتماعي وجودي سيحوله إلى رقم من بين أرقام كثيرة سبقته، أرقام تمثل الذين هربوا من بلدانهم إلى أرض الميعاد: الغرب.

هكذا يكون الـ"قبل" هو السرد قبل كارثة موت المهاجرين، وقبل بلوغ الشاطئ اليوناني، وقبل مواجهة تحديات الأرض الجديدة. تروي الفصول الموضوعة تحت عنوان "قبل" الأحداث التي أوصلت الصبي الصغير "أمير" إلى شاطئ الموت هذا. أما الفصول الواقعة تحت عنوان "بعد"، فهي الفصول التي تروي مرحلة ما بعد الاستيقاظ، وما بعد اكتشاف جثث رفاق السفر، وما بعد إدراك أن الفردوس المنشود ليس فردوساً تماماً.

يتأرجح السرد على مدار 30 مقطعاً بين فصل "قبل" وفصل "بعد"، لتكتمل قصة "أمير". قصة صراعه مع المهربين في فصول الـ"قبل"، ثم صراعه مع حرس الشواطئ في فصول الـ"بعد". فأين هو الفردوس؟ كيف يكون هناك فردوس والرواية تبدأ بمشهد جثث ملقاة على شاطئ؟ كيف يكون هناك فردوس في هذه الدنيا و"العالم جبان"؟ كيف يكون هذا الشاطئ الذي يهرب إليه مساكين هذا العالم فردوساً وهو يراهم مجرد "موتى غرباء"؟

غرباء في قارب واحد

تروي "يا له من فردوس غريب" قصة عدم انتماء، قصة هرب من الموت والظلم والفقر إلى مزيد من الموت والظلم والفقر. تروي قصة ابتزاز مهربين قساة وتوجس حراس شواطئ لا يقلون عنهم قسوة. فتدور أحداث الرواية حول لاجئين من سوريا ومصر وإريتريا وأفريقيا وفلسطين وغيرها من الأوطان القاتلة. قصص غرباء ولاجئين يهربون إلى شاطئ فردوسي يرفضهم ويرفض استقبالهم ولا يرى فيهم سوى "حفنة ناس على قوارب".

ويركز عمر العقاد في نصه على قصة أمير، فيرافق هذا الصبي البالغ من العمر تسع سنوات في رحلة هربه مع عائلته من حمص إلى دمشق، فالقاهرة، فالإسكندرية، وصولاً إلى مرحلة تسلله بمفرده إلى قارب ينتقل به إلى شاطئ جزيرة يونانية. وعلى رغم أن عم "أمير" موجود معه على متن القارب، تبقى الوحدة والعزلة والضعف هي المشاعر المسيطرة على المشهد.

وللقارب قصة أخرى. فهذا القارب غير المؤهل، والذي يسير بركابه نحو الموت، هو تمثيل رمزي لأحلام الشرق بالهرب لإيجاد ملاذ في الغرب، هذا القارب هو رحلة إلى فردوس منشود متوهم، هو حلم امرأة حامل، وحلم شاب طموح، وحلم رب عائلة يريد إعالة أسرته. هو قارب أحلام تسير نحو دمارها، فيقول المهرب للاجئين: "يا لكم من أغبياء حزينين [...] الغرب الذي تتحدثون عنه ليس موجوداً. إنها حكاية خرافية، خيال تبيعونه لأنفسكم لأن البديل يقضي باعترافكم بأنكم أقل الشخصيات أهمية في حكايتكم [...] سيكونون في أعين أنفسهم دوماً محركات، وأنتم ستكونون دائماً، دائماً الوقود".

وتتجلى العلاقة بين الشرق والغرب بصفتها علاقة مدمرة للاجئين، فهم سيكونون دوماً في مرتبة أدنى، أوطانهم تلفظهم والغرب يرفضهم، فأين الفردوس؟ أين الملاذ؟ الصبي الصغير نفسه مجرد قصة وخبر لن يبقى محط اهتمام سوى أيام قليلة، فيقول الكولونيل لأمير: "أنت الهدف الموقت لغضبهم المصطنع. حزنهم المصطنع. سيسيرون في الشوارع نيابة عنك، سيراسلون السياسيين نيابة عنك، سيبكون نيابة عنك، لكنك في نظرهم لا شيء [...] اليوم أنت الولد الوحيد في العالم، وغداً سيبدو الأمر كأنك لم تكن".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قد يبدو السرد قاسياً أو مجحفاً في حق الغرب ببعض المواضع، بخاصة أن النص يفتتح بمشهد جثث مرمية على الشاطئ، وهو مشهد قائم على ثنائية متضادة يركز على المفارقة بين أهل الشاطئ من السياح الذين يرقصون ويغنون، وجثث الواصلين الملقية على الرمال بالهويات المزيفة والقصص البائسة.

وبدلاً من محاولة استدرار التعاطف أو الشفقة، يتحول السرد في هذه الرواية إلى بناء متماسك صلب ينقل الواقع بحنكة وسلاسة وحيادية، حيادية تتحول هي بذاتها إلى وخزات في ضمير كل قارئ. فتتضافر قصص اللاجئين المتنوعة، بقصة أمير وعلاقته بالفتاة "فانا" التي تعيش على الجزيرة وتتحدث بلسان أهلها وتساعده طيلة السرد.

يخلق عمر العقاد شبكة علاقات متراصفة متشابكة متعارضة تجسد العلاقة بين اللاجئين وأهل المكان الذي يلجأون إليه، وهي علاقة غير منصفة. فأولئك الذين تركوا كل شيء خلفهم وهربوا إلى أرض أرادوها بيتاً ووطناً وفردوساً، ما وصلوها سوى جثث باردة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة