Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قوات الدعم السريع في السودان من ميليشيا إلى جدل الدمج

كيف سطع نجم الميليشيا في البلاد خلال سنوات قليلة؟

على رغم بعض التطمينات بانخفاض درجة التوتر الأخير بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، فقد انشغل السودانيون بتخمينات ومخاوف احتمال الصدام بين الجيش والدعم السريع. فما هي قوات الدعم السريع؟ كيف نشأت وتطورت خلال فترة زمنية ليست طويلة منذ عام 2003 وحتى اليوم؟

"المراحيل" و"الجنجويد"

تاريخياً، يرجع كثيرون من المراقبين ظهور الميليشيات القبلية في السودان إلى الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط الرئيس جعفر النميري في العام 1985 وتشكيل حكومة انتقالية برئاسة المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب، ينسب لها البدء في تسليح بعض القبائل ذات الأصول العربية في إقليم كردفان، المعروفة بـ "المراحيل" لمعاونة الحكومة الانتقالية في حربها مع تمرد جنوب السودان وحماية الحدود مع غرب البلاد المتاخمة لحدود الجنوب، وامتد الأمر إلى حكومة الصادق المهدي المنتخبة في الفترة من 1986، وأصبحت هذه الميليشيات، إلى جانب دورها في حماية قبائلها، تقدم مساندة فعالة للقوات المسلحة في حربها ضد جيش الحركة الشعبية لتحرير السودان بالجنوب، بزعامة جون قرنق وقتها، بخاصة في مناطق بحر الغزال وأعالي النيل المتاخمة لدارفور، وقد توسع نظام الرئيس المعزول عمر البشير في استخدام هذه التشكيلات شبه العسكرية في عام 1994.

 

ولاحقاً، خاضت هذه الميليشيات الحرب التي اندلعت في العام 2003، في إقليم دارفور، وبرز وقتها مسمى ميليشيات "الجنجويد" مرادفاً لها وضمن مدلولات المصطلح الشائعة أنها مقتبسة اختصاراً من عبارة "جن يركب جواد"، والتي اتهمت لاحقاً بارتكاب جرائم حرب وضد الإنسانية والتطهير العرقي، نتيجة إفراط نظام البشير الحاكم وقتها في استخدام هذه الميليشيات في النزاع، بصورة خلخلت بشدة النسيج الاجتماعي في الإقليم بعد أن تعاظم دورها في مواجهة حركات التمرد مع الجيش الحكومي.

ومنذ ظهورها عام 2003 كميليشيات لتأمين القوافل التجارية خلال مسيرتها الطويلة مروراً بمرحلة الاستيعاب والتقنين، تراوحت قوات الدعم السريع في تبعيتها لجهات نظامية عدة، ففي بادئ الأمر تم إلحاقها بوحدة استخبارات حرس الحدود بالقوات المسلحة، لكن في منتصف عام 2013  انتقلت تماماً من مرحلة الميليشيا إلى قوات الدعم السريع كقوة تابعة للحكومة السودانية تحت قيادة جهاز الأمن والمخابرات الوطني، وفي كل المراحل، ظل الهدف ثابتاً وهو سحق التمرد المسلح وإلحاق الهزيمة العسكرية بالجماعات والحركات المسلحة في أرجاء السودان، إلى أن جاء أخيراً قانون الدعم السريع في عام 2017 ليجعلها تحت إمرة رئيس الجمهورية مباشرة على رغم تبعيتها إلى القوات المسلحة في الوقت نفسه.

معارك وانتصارات

ولا ينفصل الحديث عن انحسار التمرد في دارفور ومناطق النيل الأزرق وجنوب كردفان عن الإشارة إلى مسيرة  قوات الدعم السريع، ويرى البعض أنها حافلة بالانتصارات في العديد من المعارك وإسهامها بجانب الجيش والقوات الأخرى في دحر التمرد وحصره في  أضيق نطاق، وما زال الناس يتذكرون معارك كبيرة لها في دارفور، بخاصة معركه "قوزدنقو" الأشهر في تاريخ معارك الدعم السريع، التي تمكنت خلالها من إلحاق هزيمه ساحقة بقوات "حركة العدل والمساواة" التي فقدت فيها أكثر من 95 بالمئة من قوتها المقاتلة، وتم الاستيلاء على 160 عربة وكميات كبيرة من الأسلحة والذخائر وما يقارب 250 مدفعاً،  واحتفى رئيس الجمهورية نفسه مع القوات بالنصر في ميدان المعركة ومنح وسام الشجاعة لكل قوة الدعم السريع على شجاعتها وبسالتها، بالإضافة إلى معركة "فنقا" شرق جبل مرة، في يناير (كانون الثاني) 2015، وانتصاراتها في مناطق دوبو المدرسة ودوبو العمدة ووادي صبي وأم أرطال وتروجي والبعاشيم والنخارة ووادي هور وبئر الديك، بالإضافة إلى معركة "قوزدنقو" الأشهر.

محاسن ومساوئ

وعلى رغم مما وجدته تلك القوات من إشادات من قبل البعض، فقد طالها أيضاً العديد من الاتهامات والانتقادات بخاصة ما يتعلق بالتجاوزات التي يقع فيها بعض منسوبيها، أبرزها حادثه مقتل مواطن على يد أحد منسوبي الدعم السريع بولاية شمال كردفان عام 2014 حيث أصر الوالي على إبعادها من الولاية.

وتعزيزاً لذلك الدور المحوري الذي باتت تلعبه تلك الميليشيات، اتخذت حكومة عمر البشير إجراءات عدة بهدف تحويل تلك الميليشيات إلى قوات شبه عسكرية من إعادة تشكيل قوات حرس الحدود بموجب قرار رئاسي عام 2007 تحت مسمى "استخبارات حرس الحدود"، ثم تطور الأمر بإنشاء "قوات الدعم السريع"، وكل هذه الميليشيات خلفياتها قبلية على رغم وضعها بشكل قانوني وتبعيتها إلى رئاسة الجمهورية وجهاز الأمن والمخابرات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد هدوء جبهات القتال والأوضاع في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان اتجهت قوات الدعم إلى مجال مكافحه الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية صوب قارة أوروبا، ما أكسب قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو وقواته بعض الرضا من بعض الدول الأوربية والأسرة الدولية، ولم تعد مهام هذه القوات مقتصرة على دحر حركات التمرد المسلحة لكنها عملت على حماية الحدود ومكافحة الهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر وحتى مكافحة المخدرات.

وفي محاولة نظام البشير رسم خطوط مستقبل لهذه القوات، سعى الرئيس شخصياً مع حكومته بشكل حثيث لخلق وضع دستوري وأساس قانوني لتقنين وضعها بضمها رسمياً بصفوف النظام، وتم إتباعها لرئاسة الجمهورية بالقرار الجمهوري رقم (351)، في 21 أبريل (نيسان) 2016، بعد أن كانت تحت قيادة جهاز الأمن والمخابرات.

وبعد اكتمال التشكيل الرسمي لقوات الدعم السريع بدعم ورعاية مباشرة من البشير، بدت كقوة صارمة قوية تضم وقتها ما يقارب حوالى 40000 مقاتلاً، كما تم تجهيزها بعربات مقاتلة سريعة الحركة والمناورة والتعقب ومجهزة بالمدافع الرشاشة الخفيفة والثقيلة أيضاً، ورجح مراقبون أن يكون عددها يقارب اليوم 100000 مقاتل مع استمرار عمليات التجنيد طوال السنوات الماضية وباتت تنتشر في معظم أنحاء البلاد.

القائد دقلو

وأكدت السلطات اختيار محمد حمدان دقلو المعروف منذ صغره بلقب "حميدتي"، والمولود عام 1975 في قبيلة الرزيقات، قائداً لقوات الدعم السريع، بعد أن كان قد تحول إلى عسكري في مرحلة سابقة ضمن قوات حرس الحدود، وكان" حميدتي" قد تخلى عن الدراسة باكراً في سن الـ 15 وانخرط في تجارة الإبل والقماش بين السودان وليبيا ومصر عبر الصحراء وأخيراً في حماية القوافل، وعُرف بقيادة مجموعات شبابية لحماية وتأمين القوافل وردع قطاع الطرق واللصوص، وقد تمكن خلال ممارسته تجارة الأبل والأقمشة بين السودان وليبيا ومصر من جمعِ ثروة مقدرة أسس بها  لاحقاً ميليشيا مسلحة سرعان ما اشتهرت بمواجهتها وملاحقتها حركات التمرد والنهب المسلح وقطاع الطرق بصورة لفتت انتباه الجهات الرسمية في المركز التي كانت تسعى أصلاً إلى تجييش القبائل في تحالفات لمواجهة حركات التمرد في دارفور.

وواصل حميدتي طريقه في التجارة وحماية القوافل بحكم خبرته التي اكتسبها في قتال العصابات بمواجهة ومطاردة الحركات المسلحة في دارفور، فسطع نجمه بوضوح، وقررت حكومة الخرطوم الاستعانة به ضمن تجنيد قوات شعبية من الموالين للنظام واختارته قائداً لتلك القوات التي سرعان ما تطورت تدريجاً مع تنامي دورها وعددها فتمت هيكلتها لتصبح ذات طابع قومي واختير لها في ما بعد اسم قوات الدعم السريع.

بروز دولي وإقليمي

ومع بداية "عاصفة الحزم" في اليمن ضد الحوثيين في 2015، قررت الحكومة السودانية وقتها إرسال قوات من الجيش والدعم السريع للاشتراك بالحرب في اليمن في صفوف القوات السعودية والإماراتية، ما فتح آفاقاً لقائد قوات الدعم السريع "حميدتي" بإقامة علاقات مع القوى الخليجية، وكان المنعطف الأبرز لتلك القوات في 18 يناير2017، حين أُقرّ البرلمان وقتها (المجلس الوطني) قانون قوات الدعم السريع الذي يمحنها قدراً من الاستقلال كقوة عسكرية، على رغم القلق الذي كان يساور بعض القيادات العسكرية من تلك الوضعية، وعلى رغم نص القانون على تبعيتها للقوات المسلحة، لكن رأت القيادة العليا للبلاد حينذاك أن يكون الدعم السريع تابعاً لرئيس الجمهورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.

ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية ضد البشير في أبريل 2019، استدعى الرئيس المعزول قوات الدعم السريع في محاولة للسيطرة على الاحتجاجات، لكن المفاجأة كانت بعد وصول طلائع هذه القوات إلى مشارف ولاية الخرطوم وأعلن قائدها "حميدتي" رفض مشاركتها في قمع التظاهرات.

"حميدتي" والثورة

كذلك كان رفض "حميدتي" تولي الفريق عوض بن عوف قيادة المجلس العسكري الانتقالي بعد سقوط البشير، مطالباً بفترة انتقالية لا تزيد عن ستة أشهر، وتشكيل مجلس انتقالي مهمته إنقاذ الوضع الاقتصادي وتوفير الخدمات الأساسية، وتشكيل حكومة مدنية يتم الاتفاق عليها بواسطة القوى السياسية، وتحت الضغط الشعبي ورفض "حميدتي"، تنحى الفريق ابن عوف خلال يوم واحد، وظهر اسم الفريق عبد الفتاح البرهان قائد القوات البرية وقتها مرشحاً لرئاسة المجلس العسكري الانتقالي بدعم من "حميدتي" الذي سرعان ما تمت ترقيته إلى رتبة فريق أول وتعيينه نائباً له في قيادة المجلس العسكري.

وما يزال الاتهام بمجزرة فض اعتصام القيادة العامة التي قتل فيها عشرات المحتجين المطالبين بالديموقراطية، تلاحق قوات الدعم السريع على رغم النفي والإنكار المتكرر من قيادتها، كما شارك قائد قوات الدعم السريع في انقلاب أكتوبر (تشرين الأول) 2021 الذي نفذه الفريق البرهان وأنهى فيه الشراكة مع قوى الحرية والتغيير وعطل مؤسسات الفترة الانتقالية ومسار التحول المدني الديمقراطي، لكنه استدرك لاحقاً واعتذر عن مشاركته معتبراً أن مشاركته في الانقلاب خطأ أسف له.

ووقع الفريق دقلو مع البرهان الاتفاق الإطاري مع أحزاب عدة من قوى الحرية والتغيير وأصبح من أقوى الداعمين لتطوير هذا الاتفاق إلى نهائي لتشكيل حكومة مدنية وانسحاب العسكر من الحكم، غير أن مطالبة الجيش باستعجال دمج قوات الدعم السريع في الجيش، خلال عامين فقط حوّل المفاوضات إلى توترات عسكرية تهدد بتعطيل العملية السياسية وتطويل أمد الأزمة السياسية في السودان.

المزيد من تقارير