Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تحدي "الجنائية الدولية" من البشير إلى بوتين

انقسام الآراء حول جدوى إصدار مذكرة التوقيف ضد الرئيس الروسي

سبق للمحكمة الجنائية الدولية أن وجهت اتهامات للرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش الذي توفي أثناء احتجازه إثر أزمة قلبية والرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير (اندبندنت عربية)

رفضت موسكو مذكرة الاعتقال التي وجهتها المحكمة الجنائية الدولية بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وشركائه في الحرب على أوكرانيا، ومن وراء ذلك 41 دولة قدمت التماساً للمحكمة الجنائية الدولية للنظر في الوضع في أوكرانيا، إضافة إلى وزراء عدل من أنحاء العالم اجتمعوا في لندن لمناقشة زيادة دعم المحكمة.

كما أيدت تشكيل المحكمة شخصيات نافذة من رؤساء حاليين وسابقين وغيرهم جمعوا نحو مليون توقيع، وتركز الاتهام في محورين الأول اللجوء إلى الحرب، والثاني الجرائم المرتكبة أثناء الحرب.

في الثاني من مارس (آذار) العام الماضي أعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان قراره بالتحقيق في جرائم حرب محتملة في أوكرانيا.

وفي 28 فبراير (شباط) الماضي، أعلن المدعي العام عن نيته السعي إلى الحصول على إذن بإجراء تحقيق من الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية، بينما دعا أيضاً إلى إحالة القضية من دولة طرف للإسراع في التحقيق.

وروسيا التي وقعت على نظام روما الأساسي عام 2000، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2002، لم تصادق عليه ثم سحبت توقيعها في عام 2016، بعد ضغوط دولية بسبب ضمها شبه جزيرة القرم من أوكرانيا عام 2014، فضلاً عن حملة ضربات جوية في سوريا.

يواجه بوتين ومعاونوه اتهامات بارتكاب جريمة حرب بترحيل مئات الأطفال من دون سند قانوني من أوكرانيا، ثم مطالبات بالتحقيق في اتهامات بالقتل العمد للمدنيين في بوتشا، إحدى ضواحي العاصمة كييف، ومناطق أخرى قريبة منها، حيث ذكرت القوات الأوكرانية أنها عثرت على مقابر جماعية.

كما يواجه بوتين اتهامات ساقها وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن بأن روسيا "دمرت المباني السكنية والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية الحيوية والسيارات المدنية ومراكز التسوق وسيارات الإسعاف"، وتم ذلك بغارات جوية، إضافة إلى إفادة منظمة "هيومن رايتس ووتش" باستخدام القوات الروسية قنابل عنقودية في مناطق يقطنها مدنيون بمدينة خاركيف.

ذاكرة الاتهام

ينص نظام روما الأساسي على الولاية القضائية على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية عندما ترتكب الأفعال في دولة طرف بالاتفاقية، وفي حالة روسيا وأوكرانيا، لم يوقع أي من البلدين عليها، بالتالي ليست لديهما عضوية في المحكمة. ومع ذلك منحت أوكرانيا المحكمة سلطة قضائية على أراضيها، حيث وافقت على اختصاصها في شأن جرائم الحرب المرتكبة أثناء الحرب الروسية لشبه جزيرة القرم في عام 2013.

كما زارها المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان أربع مرات منذ فتح تحقيق قبل عام، وآخرها كانت في أوائل مارس حيث زار دار رعاية للأطفال على بعد كيلومترين من الخطوط الأمامية في جنوب أوكرانيا.

وقالت المحكمة الجنائية الدولية، إن الدائرة التمهيدية التابعة لها وجدت "أسباباً معقولة للاعتقاد أن كل مشتبه فيه يتحمل مسؤولية جريمة الحرب المتمثلة في الترحيل غير القانوني للسكان، وجريمة النقل غير القانوني للسكان من المناطق المحتلة في أوكرانيا إلى الاتحاد الروسي، بما يضر بالأطفال الأوكرانيين".

وتستعيد ذاكرة اتهام روسيا تنفيذها هجمات على الشيشان عام 2000 وفي جورجيا عام 2008، ومهاجمة القوات الروسية 10 منشآت طبية في سوريا خلال الشهر الأول من تدخلها العسكري هناك.

وسبق أن وجهت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، اتهامات بارتكاب جرائم حرب واستمرت التحقيقات منذ عام 1993 إلى 2017، وحوكم الرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش الذي توفي أثناء احتجازه إثر أزمة قلبية.

كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق الرئيس السابق عمر البشير عام 2009 واتهمته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور منذ عام 2003. ووجهت لوائح اتهام لـ40 شخصاً، جميعهم من دول أفريقية ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية في عدد من الدول الأفريقية وهي الكونغو الديمقراطية، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وأوغندا، وكينيا، وليبيا، وساحل العاج ومالي.

وجاءت التحقيقات التي فتحت في بعض هذه الدول بوصفها موقعة على اتفاقية روما، وتختلف عن القضايا المتعلقة بدولتي السودان وليبيا، التي تم فتحها بطلب من مجلس الأمن الدولي لأنهما غير موقعتين على الاتفاق.

جدوى المذكرة

انقسمت الآراء في جدوى إصدار مذكرة التوقيف ضد بوتين إلى فئتين، الأولى ترى أنه من المستبعد أن تثمر هذه الخطوة كثيراً، في ظل عدم دعم المحكمة الجنائية الدولية ومن دون تعاون حكومة أي بلد، لكن من شأن ذلك أن يؤثر في تحديد قدرة بوتين على الحركة وحصره في دول قليلة.

والفئة الأخرى تركز على أن التهم قوية، وكثير من الأدلة التي جمعها محققون وصحافيون يمكن أن تدين بوتين إذا ما أحيلت لمحاكم خاصة، إضافة إلى ذلك يتوقع مؤيدو الاتهام أن زيارة بوتين لأي من الدول الأعضاء في المحكمة البالغ عددها 123 دولة، فإن أياً منها يمكنها أن تلقي القبض عليه، لكن هذا غير مؤكد تماماً، فمن قبل نجا البشير من القبض عليه مرتين، الأولى كان قد تعرض للتوقيف في العاصمة النيجيرية أبوجا، بعد أن تحركت المنظمات الحقوقية وحثت الرئيس النيجيري وقتها جودلاك جوناثان قبل زيارة البشير لحضور القمة الأفريقية المخصصة لمناقشة أمراض الملاريا والإيدز والسل في أفريقيا، وذلك في يوليو (تموز) 2013. وذكرته بالالتزام بتعهدات نيجيريا باعتقاله فور وصوله تنفيذاً لمذكرة المحكمة الجنائية الدولية، لكنه غادر قبل إكمال الجلسات.

أما المرة الثانية، فكانت عندما حضر البشير القمة الأفريقية 25 بجوهانسبرغ في يونيو (حزيران) 2015. وقدمت مذكرة اعتقاله إحدى منظمات حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا ملتمسة من محكمة بريتوريا العليا إصدار أمر لحكومة جنوب أفريقيا بمنع البشير من مغادرة البلاد وإلقاء القبض عليه، لتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية، لكن أمر رئيس جنوب أفريقيا وقتها جاكوب زوما بتغيير نقطة إقلاع طائرة البشير من مطار تامبو الجنوب أفريقي الدولي إلى قاعدة وتركلوف العسكرية.

وخيب إفلاته الأخير أمل المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية السابقة فاتو بنسودا التي وضعت في الاعتبار أن جنوب أفريقيا تخضع لالتزام قانون روما بالقبض عليه وتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية التي أحيلت إليها قضيته من مجلس الأمن عام 2005م.

ضربة استباقية

تتضمن الجرائم الدولية التي تتهم روسيا بارتكابها في أوكرانيا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ويفرض القانون الإنساني الدولي (قوانين الحرب) على الدول والمجموعات المسلحة التزامات قانونية أثناء النزاعات المسلحة تقضي بحماية المدنيين وغيرهم من غير المحاربين والعمل على تقليل معاناتهم.

وفي نظر القانون الإنساني الدولي، يعد النزاع في أوكرانيا نزاعاً مسلحاً دولياً على عكس النزاع بدارفور الذي صنف على أنه نزاع داخلي غير دولي. والقانون الساري في حالة دارفور هو المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وكذلك القانون الإنساني الدولي العرفي.

ومع أن السودان لم يصادق على البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية (البروتوكول الثاني)، فإن معظم أحكامه، بما فيها الأحكام الخاصة بحماية السكان المدنيين، تعتبر انعكاساً للقانون الدولي العرفي.

ولتدارك سريان هذا القانون قام بوتين في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي بإصدار مرسوم بفرض الأحكام العرفية في المناطق الأوكرانية الأربع (دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا) التي ضمت حديثاً لروسيا بعد تنظيم الاستفتاءات على الضم فيها أواخر سبتمبر (أيلول).

وصيغت الأحكام العرفية وفقاً للقوانين الروسية كقوانين استثنائية خاصة تسري على كامل الأراضي الروسية أو على جزء منها، عند تعرض البلاد للعدوان أو التهديد، وهي لا تطبق إلا في حال وجود تهديد خارجي للاتحاد الروسي. وبما أن القانون الدولي العرفي لحقوق الإنسان يوفر حماية إضافية للمدنيين في النزاعات المسلحة، فإن بوتين صاغ قانونه العرفي الخاص.

ومع أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يصف الجرائم ضد الإنسانية بأنها أفعال غير قانونية "ترتكب كجزء من هجوم واسع أو منهجي ضد أي جماعة تمثل صدمة لضمير الإنسانية"، فإن تعريفاً إضافياً تمت صياغته في المحكمة الجنائية الخاصة برواندا ويوغوسلافيا السابقة، اشترط أن يتوفر في الهجوم ضد المدنيين الذي يرقى إلى مستوى ارتكاب جرائم ضد الإنسانية صفة الاتساع أو المنهجية. ولا ضرورة لتوفر الصفتين معاً. و"تشير كلمة اتساع إلى نطاق الأفعال أو عدد الضحايا. وأما المنهجية فتشير إلى نموذج سائد أو خطة تتبع منهجاً محدداً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المنفذ الصيني

قبل أن يسري مفعول مذكرة الاعتقال ويعزز من الخيارات الدبلوماسية لبوتين، ويجعل من الصعب وضع الحرب في إطار "النزاع الإقليمي"، اتجه الرئيس الروسي نحو الصين، بل وجد يدها ممدودة إليه.

بوتين رحب بزيارة شي جينبينغ الأخيرة ودوره في حل الأزمة الأوكرانية. ووصف التحرك الصيني بـ"النهج المتوازن" في ما يتعلق بالأحداث الجارية هناك، ولتفهمها خلفية هذه الأحداث وأسبابها الحقيقية.

وقبل الحرب في فبراير (شباط) 2022، وقعت الصين وروسيا اتفاق شراكة "بلا حدود"، خلال زيارة بوتين لبكين لحضور افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية.

وعلى رغم أن الرئيس الصيني قال إن اقتراحه في شأن كيفية التوصل إلى تسوية في أوكرانيا يعكس وجهات نظر عالمية، فإن الغرب وخصوصاً الولايات المتحدة تشكك في ذلك بأن المستفيد من كسب بوتين للحرب هي بكين، وإن لم تنته فإن ذلك سيمنحه مزيداً من الوقت لشن هجمات أعنف.

وراحت بعض الأصوات الغربية تهدد الصين باتهامات الإبادة الجماعية لمسلمي شينجيانغ، فدفاع الصين عن روسيا، يعد دفاعاً عن نفسها، وفي الوقت ذاته قد تتخذه بعض التيارات لتهديدها كي لا تتدخل في القضية الأوكرانية.

وكما وفرت الصين ملاذاً آمناً للبشير بعد فرض العقوبات الأميركية على السودان، وأسهمت في استخراج النفط والاستثمار في البنية التحتية وتقديم القروض، واستطاع بفضلها البشير أن يتحدى الولايات المتحدة، ثم المحكمة الجنائية الدولية بعد تقديم مذكرة القبض عليه، يمكنها أن توفر ملاذاً أيضاً لبوتين.

ربما يكمن الفرق في أن هدف الصين في حالة روسيا يتخذ بعداً مهماً وهو تجاوزها للولايات المتحدة والغرب في القوة الاقتصادية والعسكرية مع ضمان هيمنتها، وأيضاً السعي إلى قلب النظام العالمي القائم على القواعد الليبرالية إلى نظام تهيمن عليه مع روسيا، في "شراكة لا حدود لها" كما ظهر في الاتفاق الأخير.

الإفلات من العقاب

إزاء العقبات والتعقيدات القانونية فإن أمام المحكمة الجنائية الاستناد إلى المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، والتي تعد كل من روسيا وأوكرانيا طرفين فيها، على أن الإبادة الجماعية تشمل "نقل أطفال المجموعة قسراً إلى مجموعة أخرى"، وهو ما فسر بأنه "تدمير كلي أو جزئي لمجموعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية". وهو ما حدث في حالة دارفور عندما لم يتمكن قانون المحكمة من القبض على البشير.

وكانت المحكمة تتخوف من أن حالة "التطهير العرقي" ربما تتعمق ما لم يمارس ضغط دولي على الحكومة السودانية. ودعت المجتمع الدولي المنقسم، ومجلس الأمن خصوصاً، لاتخاذ مزيد من التدابير وزيادة الضغط على الحكومة السودانية في دارفور للحيلولة دون استمرار الانتهاكات واسعة النطاق والخطرة لحقوق الإنسان.

وفي النهاية ركزت على حماية المدنيين بإنشاء آلية واقعية لنزع سلاح الميليشيات التي تساند الحكومة، والجماعات المتمردة عليها، ووضع حد لحالة الإفلات من العقاب وضمان المحاسبة، ودفع تعويضات أو ما يماثلها لمن تعرضت حقوقهم للانتهاك.

ويكمن الفرق أيضاً في أن الحرب الروسية- الأوكرانية حرب دولية بينما حرب دارفور حرب داخلية، وإذا كانت الحرب الأوكرانية وصفت بأنها أكبر تحد يواجهه تطبيق القانون الإنساني الدولي منذ نورمبيرغ، فإن الدول التي اجتمعت لدعم المحكمة الجنائية الدولية تطالب بمساءلة الرئيس بوتين ومعاونيه في هذه الحرب بشكل فردي، بأن يكون الاستناد إلى الجانب الرمزي من مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية ضد بوتين، مما يعزز الوقوف مع الأوكرانيين، كما قد يسهم الوعي العام بأوامر التوقيف في منع ارتكاب مزيد من جرائم الحرب.

المزيد من تحلیل