"الحنين إلى الديار"... كتاب يوظف التشويق والسياسة لتصوير أزمة الإسكان في بريطانيا

كتاب كاترينا ديفيز "الحنين إلى الديار: لهذا أعيشُ في كوخ" (Homesick: Why I live in a Shed) مكتوب من وجهة نظرة امرأة تُصارع من أجل شقّ طريقها في مجال الموسيقى والتأليف

تعيش كاترينا ديفيز في كوخٍ بدا لها أقلّ الخيارات السّيئة المتاحة لها ضرراً (كاترينا ديفيز)

لمّا بدأتُ بقراءة كتاب "الحنين إلى الديار: لهذا أعيشُ في كوخ" ، تهيّأ لي من الغلاف الظّريف واللّعب على الكلام في العنوان أننّي بصدد مذكرات غريبة ومبهجة. لكننّي سرعان ما أدركتُ أنّ العمل مختلف وغير عادي؛ فهو يرّجع صدى نشيد كراهية مدوٍّ إزاء سوق الإسكان الذي حوّل الرغبة بامتلاك منزل إلى مهمّة مستحيلة بالنسبة إلى أكثرية البريطانيين ممن لم يكملو العقد الرابع من العمر، الأمر الذي أدّى إلى نشوء فجوات كبيرة على مستوى الثراء والعمر بين الناس الذين يشعرون أحياناً بالمرارة حيال هذه الفروقات.

ولم ينتهِ الأمرِ بكاترينا ديفيز في كوخٍ حقير لمجرّد أنها اعتبرته خياراً غير عادي أو لأنه يُلبّي عشقها الغريب لرائحة نشارة الخشب، بل لأنّه بدا لها أقلّ الخيارات السّيئة المتاحة لها ضرراً. فالشابة، 30 عاماً،  التي تجني دخلاً متقطّعاً من تعليم العزف على آلة التشيلو، سئمت دفع مبلغ 400 جنيه إسترليني في الشهر لقاء إيجار غرفةٍ صغيرة ومظلمة في منزلٍ في بريستول كانت تتقاسمه مع أربعة بالغين وطفل. ولمّا تعرّضت لحادثة سرقة حليب، شعرَت بأنّ الوضع لم يعد يُحتمل فوضّبت أغراضها في أكياس قمامة وتوجّهت بسيارتها نحو كورنوال، عازمةً على الإقامة مؤقتاً في كوخٍ مستقلّ كان يستخدمه والدها كمكتب.

كان الكوخ المهجور مليئاً بالثقوب والجرذان والعناكب وغير قابل للسكن. لكنّ حين تتأمل حقيقة العلاقة بين أسعار البيوت والأجور، لن يدهشك البتة أنه بات مقر إقامة دائم.  

عن ذلك تكتب ديفيز قائلة "مذ بلغتُ سن الثامنة عشر وحتى اليوم، ارتفع متوسط أسعار المنازل بمعدل أسرع بسبع مرات من متوسط دخل الشباب. فحين تخرّجتُ من الجامعة، كان العربون المطلوب لشراء منزل صغير في المملكة المتحدة يُساوي متوسط دخل الفرد لتسعة أشهر. وبعد ذلك بعشر سنوات، بات العربون يساوي متوسط دخل الفرد لثلاث سنوات؛ والأرقام مستمرة في الارتفاع إلى الحين. ولو أنّ أسعار المأكولات زادت بالوتيرة نفسها التي ارتفعت فيها أسعار المنازل في السنوات التي تلت بلوغي سن الرشد، لكان ثمن الدجاجة اليوم 51 جنيهاً إسترلينياً (أو 100 جنيه إسترليني في لندن)".

يتناول الكتاب الجذور الساحلية للمؤلفة لكنّ في سياق أكثر قسوة وأشد برودة وتوصيف غنائي النبرة. (إبان العام 2017، رجّح أحد أقطاب تجارة العقارات الااستراليين أن يصبح ابناء جيل الألفية أقدر على شراء بيوت إذ توقفوا عن هدر المال على وجبات فطور فاخرة، على غرار التوست بالافوكادو، علماً بأنّ العربون وحده قد يحتاج الى جبل من خبز التوست بارتفاع ايفرسيت.). هكذا يبدو في نظر البعض أن قضية السكن هي مسألة  فطور متأخر باذخ، لا أكثر ولا اقل.

لطالما عانى الفنانون الفاقة.  بدأت ج.ك رولينغ على سبيل المثال، بتأليف سلسلة كتب "هاري بوتر" في مقهى وجدته أكثر دفئاً من شقّتها؛ وكورماك مكارثي، طُرد ذات يوم من نزلٍ رخيص لعدم قدرته على دفع أجرة الغرفة التي كان يُقيم فيها. ولكن ثمة اشياء تغيرت بين الأمس واليوم، وكتاب ديفيز يعبر عن ذلك بفصاحة بالغة، حين يسلط الضوء على حقيقة أن التسابق على الفرص صار على أشدّه  فيما باتت الفرص نفسها شبه معدومة بالنسبة إلى كلّ مَن يُحاول الجري وراء لقمة العيش من دون أن يتمتع بترف منزلٍ عائلي يحضنه. ولئن كان فنانو الأمس قد تضوّروا جوعاً وسكنوا عليّات، فإنّ فناني اليوم لا يجدون حتى عليّات تسترهم؛ فالأغلب أنها حُجزت بأكملها عبر موقع "إير بي أن بي" (Airbnb)  قبل أشهرٍ خلت. وكما تقول ديفيز في مدونتها "لا يجدر بحياة الفنان أن تقتصر على أصحاب الصناديق الائتمانية. لا أعتقد أنّ هذا الأمر سيكون في مصلحة الإنسان أو الفن على السواء".   

لم يكن لدى ديفيز منزل عائلي مستقرّ تلجأ إليه، إذ أشهر أبوها إفلاسه وتعرّضت أمها للجنون،  فبدا الكوخ الحقير وكأنه أقرب شيء إلى الملاذ الآمن الذي تتوق إليه.

صحيح أنّ كتاب "الحنين إلى الديار" مكتوب من وجهة نظرة امرأة تُصارع من أجل شقّ طريقها في مجال الموسيقى والتأليف، إلا أنّ أهميّته تتخطى ذلك بكثير في بلدٍ شهد في العقود الأربعة الماضية ارتفاعاً بواقع ثلاثة أضعاف في متوسط أسعار المنازل. فكورنوال التي لطالما اعتُبرت قبلة أنظار السياح وملاذهم في العطلات، ويصفها الكتاب بأسلوبٍ رائع تفوح منه رائحة الملح،  أمست اليوم تجمع بين الشاعرية والاضطراب، وكأنّها نسخة متطرفة عن الفوارق التي تفرض نفسها على المملكة المتحدة. ويظهر ذلك جلياً في حديث ديفيز عن معلّمين يتخلّون عن رسالتهم لعدم تمكّنهم من تحمّل أعباء منزلٍ يأويهم، وعن عائلات محليّة، بمن فيها عائلة شقيقتها، تُقيم في خيم طوال فترة الصيف حتى تؤجّر منزلها للسياح وتتمكّن بالتالي من تسديد دفعات القرض السكني. وحين تتصفّح الكاتبة صحيفة "ذا كورنيشمان"  المحلية يقع القارئ على صورة تلخّص الوضع بشكل بليغ، إذ تجد أنها أفردت أقلّ من صفحة واحدة للوظائف فيما خصصت ملحقاً من 40 صفحة للعقارات للمساكن. إنّها الأزمة نفسها التي رسم معالمها على نحو لايُنسى في أكثر الكتب مبيعاً في الآونة الأخيرة: "طريق الملح" (The Salt Path) الذي يوثق مسيراً استثنائياً لزوجين على طول الساحل الجنوبي الغربي الذي يحتضن مشردين ريفيين وعمّالاً موسميين اتخذوا من الغابة مخيّماً لهم بعدما خسروا منازلهم.

قد لا يكون العيش في كوخٍ حقير حلّاً مناسباً لأيٍّ شخص ولكنّه مادة دسمة حتماً لكتابٍ مهم ونادر يمزج بين التشويق في لحظات لاتفيض بالبهجة، من جهة، والمحتوى السياسي الذي يثير بعض الأسئلة الكبرى في الوقت الراهن، حتى ولو لم يكن للكاتبة أمل بالعثور على إجابات. في الكتاب، انتصارات ولحظات فرح (كركوب الأمواج عند الفجر برفقة الفقمات وتركيب مواقد الحطب) كما أن فيه إخفاقات (كالخوف من التعرّض للطرد والسرقة وحوادث على شاكلة العثور على دودة في إبريق)، عبّرت عنها ديفيز بأسلوبٍ كتابي سلس وشاعري واستفزازي.

والعلاقة بين العمل والحياة الشخصية ليست وحدها التي تحطّمت بنظر جيل الشباب العاجز عن تحمّل أسعار البيوت أو مَن وصفهم عالم الاقتصاد غي ستاندينغ بـ"البريكاريات"، أو "الطبقة الخطيرة" التي يعيش أفرادها حياة هشة بلاأمل أو استقرار تحت رحمة الظروف، فعلاقتنا بالعالم الطبيعي تحطّمت كذلك. وفي هذا الإطار، تذكر ديفيز طفولتها في كورنوال حيث كانت تلعب مع رفاقها، قائلة "لم أكن أتوقّع أبداً أنّ سنوات الحرية المثالية تلك في عالمٍ من الأنهر المتلألئة والتربة الخصبة والهواء النظيف والبحر المليء بالأسماك، سيتحوّل يوماً إلى لعنة. فالسنوات التي أمضيتُها في هذا الوادي كانت أفضل ما حدث لي في طفولتي ، ويمكن أن تكون كذلك بالنسبة لاي طفل، ومن الطبيعي أن يكون لها أثر عميق في حياتي. سوف أمضي جزءاً كبيراً من عيشتي كبالغة وأنا أشاهد العالم الذي أحببتُ يختفي، وأحزنُ عليه وأعدّ الخسائر الواحدة تلو الأخرى، فيما أُحاول شقّ طريق العودة إلى دياري".

صحيح أنّ الرّابط الذي يجمع المرء بالمنزل هو رابط شخصي، لكنّ الوسيلة التي تُتيح له دفع ثمن هذا المنزل هي وسيلة سياسية. وفيما يُعتبر قطاع الإسكان ابتزازي بشكلٍ خاص في المناطق ذات الطابع السياحي، فإنّ الإحصائيات الوطنية التي تذكرها ديفيز في كتابها تبعث على الجزع، إذ ارتفع معدل التشرد في المملكة المتّحدة بنسبة 40% بين عامي 2000 و2015. وفي عام 2017، قدّرت شركة "شيلتير" أنّ شخصاً واحداً من بين كل 200 شخص في بريطانيا، يعيش من دون مأوى.

هذا في بريطانيا، حيث يشعر المرء في قرارة نفسه بحاجة لاتقاوم لامتلاك منزل خاص. أما في البلدان الأخرى، لاسيما في أوروبا، فالإيجار هو القاعدة العامة. وأوّل مرة انتقلتُ فيها للعيش في شقة مأجورة في جينيف،فوجئتُ بأنّه كان من المتوقّع منّي أن أؤمّن كلّ شيء،  حتى أعمدة الستائر،  فالشقة التي استلمتُها كانت مجرّد صندوق أبيض فارغ. لكنني سرعان ما أدركت أنّ غياب أعمدة السّتائر يعود إلى موقفٍ مختلفٍ من الإيجارات، موقفٍ يمنح الشقة المأجورة طابعاً دافئاً إذ يعتبرها مملكة المستأجر الذي يرتبها كما يشاء. وهناك، تتحكّم الحكومة المحلية بالزيادات في الإيجار، لذا من غير السهل على أحد أن يطردكم من الشقة، كما أن هناك قاعدة غير رسمية متعارف عليها وهي أن الإيجار يجب أن يعادل ثلث الراتب، ما يساعد على إبقاء بدلات الإيجار متناسبة مع الأجور. قد لا يخلو النظام إياه من العيوب، لكنّه حتماً أكثر استقراراً من قطاع الإسكان المتقلب في بريطانيا. وفي أماكن أخرى، تعتزم برلين حالياً تجميد أسعار الإيجارات لمدة خمس سنوات.

إذا كان المطوب هو التفتيش عن أسباب مشكلة السكن وتقصي حلولها الممكنة، فعندها ينبغي البحث عن كتاب مختلف كلياً عن هذا. فكتاب "الحنين إلى الدّيار" يقدم مجرّد لمحة خاطفة، غير محايدة لأنه طرف في الجدال، لكنها واضحة في تناولها الأخطاء التي اقترفناها في قطاع الإسكان. وهو عبارة عن نداء تحذيري لإيقاظ البلاد من سباتها، وهي التي استحدثت برامج تلفزيونية عقارية لها طابع إباحي باعتبارها تشدّ المشاهد وتشغله عن المشهد الخارجي الكئيب مدةً طويلة. والحاجة تبقى ملحّة لإصدار كتابٍ من نوعٍ آخر يسبر أغوار الأسباب الكامنة وراء أزمة الإسكان وطرح حلول محتملة لها.

© The Independent

المزيد من كتب