Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأسعار الملتهبة تلاحق التونسيين وتوشك على سحق قدرتهم الشرائية

زيادات متواترة لأثمان عديد من المنتجات والخدمات آخرها في تعريفات النقل الخاص

تواصل أسعار المنتجات والخدمات صعودها وتوشك على القضاء على القدرة الشرائية والاستهلاكية لمعظم التونسيين (أ ف ب)

لا يكاد يمر يوم في تونس حتى تحصل زيادة جديدة في أسعار المنتجات أو المواد الأساسية أو ارتفاع في أسعار الخدمات تحت ضغط المهنيين، ليجد المواطن التونسي نفسه أسيراً لصراع محتدم بين مطالب المزارعين والصناعيين في وجوب ارتفاع في أسعار المنتجات الفلاحية والمصنعة والحكومة العاجزة عن كبح جماح الأسعار.

وفي ظل غياب شبه كلي لدور وضغط المنظمات والجمعيات المدافعة عن المستهلكين تواصل أسعار المنتجات والخدمات صعودها وتوشك على القضاء على القدرة الشرائية والاستهلاكية لمعظم التونسيين.

ولئن كان المواطن في بلد يعرف اقتصاده صعوبات جمة ونسبة نموه متواضعة جداً وقطاعاً فلاحياً منهكاً قبل بضع سنوات قادراً على ملء قفة بالمنتجات الغذائية والخضر والغلال بقيمة نحو 30 دولاراً، فإنه اليوم وبالمبلغ نفسه غير قادر على ملء سوى ثلث القفة بسبب تراجع قيمة الدينار من جهة، وبخاصة التهاب الأسعار من جهة أخرى.

زيادات متواترة

ومع كل إعلان أو اتفاق رسمي بين المهن والقطاعات الإنتاجية مع الحكومة أو الوزارات على الارتفاع في أسعار المنتجات إلا وتليها موجة من زيادات تكاد تكون اعتباطية وغبير مدروسة من طرف قطاعات أخرى. وقد تواترت زيادة الأسعار في تونس بشكل لافت إلى مستوى جنوني لم يعد بمقدور المواطن مجاراته ليقف عاجزاً عن الإيفاء بالتزاماته الغذائية بخاصة.

ولم يمض أسبوع عن إعلان الحكومة تحريك أسعار المواد البترولية للمرة الخامسة منذ بداية العام، حتى انتفض قطاع النقل ليطالب بدوره بإقرار زيادات في تعريفات النقل في خطوة توقعها المواطنون والمتخصصون بأن زيادة أسعار المحروقات سيكون لها تأثير مباشر على زيادات في أسعار عديد من المجالات والمنتجات المرتبطة بالمحروقات.

وفي هذا الصدد أعلنت وزارتا التجارة والنقل منذ ثلاثة أيام عن الارتفاع في أسعار تعريفات سيارات الأجرة بمختلف أنواعها (سيارات الأجرة الفردية والجماعية والنقل بين المحافظات) ستدخل حيز التطبيق في منتصف ديسمبر (كانون الأول) الحالي. ويأتي إقرار هذه الزيادة في مختلف تعريفات النقل الخاص في إطار ضغط وتهديد المهن بإيقاف النشاط، مما دفع وزارتي التجارة والنقل إلى قبول رفع التعريفات من دون الأخذ بالاعتبار القدرة الشرائية المهترئة لعموم المواطنين المحتاجين إلى التنقل بواسطة سيارات الأجرة في ظل حال التعطل الكبيرة للنقل العمومي في البلاد. ولم يجد التونسيون سوى التهكم على هذه الزيادات بتدوينات على صفحات التواصل الاجتماعي من أنهم سيعودون إلى القرون الماضية لشراء الخيول والبغال والتنقل بها أمام الارتفاع في أسعار النقل الخاص.

نسق صعود الأسعار سيتواصل

ويجمع عدد من المتخصصين والعارفين بالشأن الاستهلاكي أن نسق صعود الأسعار في تونس سيتواصل في الأشهر المقبلة، مما سيؤثر على نسبة التضخم المرتفعة. ويؤكدون أنه في حال استمرار النزاع الروسي - الأوكراني وتواصل تراجع سعر صرف الدينار، فإن الأوضاع ستزداد تعكراً بارتفاع فاتورة توريد المواد الأساسية والمحروقات الأمر الذي سيزيد أسعار غالبية المنتجات. زد على ذلك التزامات الحكومة الحالية مع صندوق النقد الدولي بالعمل على رفع الدعم، ولا سيما عن المحروقات والكهرباء والشروع في إصلاح منظومة دعم المواد الغذائية الأساسية، مما سيزيد لهيب الأسعار بشكل مخيف، وقد تكون له تداعيات وخيمة على المناخ الاجتماعي وتسجيل اضطرابات اجتماعية ستؤثر حتماً على مناخ الأعمال في البلاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويسجل الدينار التونسي تراجعاً متواصلاً منذ أشهر مقابل الدولار. ووفق بيانات البنك المركزي التونسي، تراجع الدينار إلى مستوى قياسي جديد مقابل الدولار الأميركي وبلغ 3.309 مقابل الدولار الواحد، كما وصلت نسبة التضخم أعلى مستوى لها في السنوات الثلاث الأخيرة إلى 9.2 في المئة في أكتوبر (تشرين الأول) مع زيادة تضخم أسعار المواد الغذائية برقمين. وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 12.9 في المئة، ويعود ذلك بالأساس إلى ارتفاع أسعار البيض 33.3 في المئة ولحم الضأن 21 في المئة والزيوت الغذائية بنسبة 20.8 في المئة والخضر الطازجة 18.5 في المئة وأسعار لحم البقر 15 في المئة والدواجن 15 في المئة.

دوامة من الصعب الخروج منها

وقال أستاذ الاقتصاد في "الجامعة التونسية" رضا الشكندالي إن "موضوع القدرة الشرائية للتونسيين يعد ملفاً حارقاً ومهماً، انطلاقاً من أن المؤشرات تدل على اهتراء القدرة الاستهلاكية". ولفت إلى أن "متوسط الدخل الفردي الشهري للتونسي تراجع من معدل 345 دولاراً سنة 2010 إلى 275 دولاراً حالياً، قابله ارتفاع غير مسبوق لأسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، لم تقدر الحكومات المتعاقبة بعد الثورة على كبح جماحه". واعتبر أن "نسبة الضغط الجبائي التي وصلت إلى أكثر من 25 في المئة حالياً، انعكست سلباً على المؤسسات الاقتصادية التي اضطرت إلى توسيع هامش ربحها لمجابهة كلفة الضغط الجبائي، مما انعكس على الأسعار"، وإذ انتقد تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي قال الشكندالي إن "تدهور الخدمات الصحية والنقل العمومي جعل عديداً من التونسيين يحولون وجهتهم نحو المستشفيات الخاصة والنقل الخاص، وما نجم عنه من ارتفاع كلفة التداوي علاوة على هرب عديد من العائلات إلى مؤسسات التعليم الخاصة مع تراجع مستوى التعليم العمومي". وخلص إلى أن المواطن التونسي لم يعد قادراً على مجاراة نسق الحياة المرتفع ولجوئه إلى الاقتراض من البنوك أو من جهات أخرى والدخول في دوامة من الصعب الخروج منها.

أداءات ستزيد من أسعار الخدمات

وتضمن مشروع قانون المالية لعام 2023 الذي تعد وزارة المالية التونسية بعض الإجراءات الضريبية التي تخص المهن الحرة أو غير التجارية، على المحاماة والطب والتداوي والهندسة المعمارية والمحاسبات، من خلال ارتفاع في الأداء على القيمة المضافة من 13 في المئة حالياً إلى 19 في المئة في المشروع المطروح. وهو إجراء رفضته المنظمات المهنية لهذه القطاعات، "لما في ذلك من إثقال لكاهل المواطنين والمتقاضين والمؤسسات وطالبي الخدمات القانونية وحد من مبدأ الحق في النفاذ للعدالة وإخلال بمبدأ المساواة والعدالة الجبائية". وحذرت هذه المنظمات من التداعيات الاجتماعية التي قد تنجم عن سياسات الحكومة القائمة على اعتماد الارتفاع في نسبة الأداءات الموظفة على المواطنين وصغار التجار والمهن الحرة ومزيد الضغط الجبائي، مشددة على رفضها التام لسياسة الحكومة في رفع الدعم والسعي غير المدروس للتفويت في المؤسسات العمومية والارتفاع في سعر المحروقات والمواد الاستهلاكية المعاشية والخدمات ما يؤثر على المقدرة الشرائية للمواطنين.

حركة الأسعار تزداد أسبوعياً

واعتبر لطفي الرياحي رئيس "المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك" (مستقلة) أن "حركة الأسعار في تونس تزداد أسبوعياً في ظل غياب مراقبة الأسعار من طرف أجهزة الدولة". ولفت إلى أن "أسعار مادة الزيت النباتي المكرر المعبأ تزيد أسبوعياً في ظل انعدام مادة الزيت المدعوم من الأسواق"، مشيراً إلى أن "المساحات التجارية الكبرى تسهم في زيادة الأسعار"، ويستدل على ذلك إلى أن "هامش ربحها يصل إلى نحو 70 في المئة"، واستغرب صمت الحكومة عن هذا النسق التصاعدي وعجزها عن التحكم في هيكلة الأسعار بداية من الإنتاج إلى المساحات والفضاءات التجارية، مما يغذي تصاعد المضاربات.

تضرر الطبقة الوسطى

من جانبه، رأى المتخصص في الشأن الاقتصادي عز الدين سعيدان أن تواصل جموح التضخم يشكل خطراً كبيراً على القدرة الإنفاقية للتونسيين. واعتبر أن الطبقة الوسطى هي المتضررة الكبرى من هذا الجموح، وأيضاً أصحاب الدخل المحدود، لافتاً إلى أن أصحاب الدخل المتوسط، سواء كان ذلك في القطاع العام أو الخاص وأصحاب معاشات التقاعد، ليست لديهم أي طريقة لمجابهة زيادة الأسعار أو التأقلم معها. وأضاف سعيدان أن "التضخم يدمر القدرة الشرائية ويحط من قيمة الدينار"، منبهاً إلى مخاطر اندثار الطبقة الوسطى. وختم بأن عموم التونسيين صاروا يستشعرون الغلاء الفاحش ويتذمرون من الزيادات المجحفة في أسعار المحروقات التي تجر مختلف القطاعات الأخرى إلى ارتفاعات متواترة.