ملخص
خلصت دراسة جديدة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى حول المؤسسات والحوكمة في سوريا الجديدة بعد عام عن سقوط النظام السابق إلى أن تجربة إدلب أثبتت قدرة الكوادر المحلية على إنشاء هياكل إدارية فعالة في مجال الخدمات والتعليم والقضاء
على الطريق السريع بين دمشق جنوباً إلى حلب شمالاً، لا بد من المرور ببلدات وقرى تتبع إدارياً إلى محافظة إدلب، ولا يمكن للناظر من أن يشيح بعينه عن الركام المتناثر والكتل الأسمنتية المدمرة بفعل الحرب على جانبي الطريق، دمار سببته آلة حرب نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد. ومن أكثر المدن دماراً في إدلب والممتدة على ذلك الطريق، خان شيخون ومعرة النعمان وسراقب في الريف الجنوبي، التي عانت ما عانته من هدم وتهجير قسري طاول قاطنيها، لا سيما بعد خروجها عن سيطرة النظام السابق مع بدايات الحراك الشعبي عبر التظاهرات، ومن ثم تحول الثورة إلى العمل العسكري حتى عام 2019، إذ أعاد الأسد سيطرته على تلك المدن الرئيسة عبر ذلك الطريق السريع الذي يصل شمال البلاد بجنوبها، حينها انتقلت مئات آلاف العائلات إلى البلدات والمناطق الحدودية بالمحافظة، وتشكلت هناك حكومة إنقاذ في إدلب ترعى شؤون ما يقارب 3 ملايين شخص.
حكومة لإنقاذ إدلب
يوم الـ28 من فبراير (شباط) عام 2017 يعده السوريون تاريخاً مفصلياً في زمن الثورة، إذ تأسست "هتش" المقصود بها "هيئة تحرير الشام" بعد اندماج جبهة "فتح الشام"، وتعرف سابقاً بجبهة "النصرة: وجبهة "أنصار الدين" و"جيش السنة" و"لواء الحق" و"حركة نور الدين الزنكي"، بعد انتكاسة إعادة سيطرة الأسد على حلب الشرقية بدعم روسي وإيراني. وسرعان ما رتبت الفصائل الثورية المسلحة أوراقها مستفيدة من الهدنة الروسية - التركية، وأخذت الهيئة تدير شؤون إدلب المركز الرئيس للتنظيم، وعملت على إدارة حكم أكثر انفتاحاً تدعمها المساعدات الخارجية التي كانت تصل إليها، بالتوازي مع قربها من تركيا، وعبر معبر باب الهوى الحدودي نشطت تجارة واسعة وازدهر الاقتصاد وتحولت المدن الحدودية، ومنها سرمدا، إلى منطقة تجارية.
في الأثناء، وبعد إعلان تحرير سوريا وسقوط نظام الأسد قبل عام تدفق سكان المدن والأرياف السورية إلى إدلب، ولا سيما الدانا وسرمدا، وشاهدوا مناطق واقعة تحت سيطرة الثوار حققت قفزات في المستوى المعيشي والاقتصادي، وشعر السوريون المحاصرون بفعل قانون العقوبات "قيصر" في مناطق حكم الأسد بالدهشة، فالطريق المؤدي إلى مدينة الدانا يغص بالورش الصناعية والحرف اليدوية، وأمدت مدينة سرمدا التي انتشرت فيها صالات بيع السيارات الأوروبية والكورية والألمانية المدن السورية كافة بأعداد هائلة من المركبات الحديثة، كما انتشرت المراكز التجارية، علاوة على الاهتمام بالإنتاج الزراعي والحيواني في ريف إدلب.
في السياق، استغرب الصناعي جبران علايا من قدرة إدلب على الصمود على رغم كل الصعوبات، ولا سيما في ما حققته من إنجازات في مجال الصناعة والتجارة غير مسبوقة، مقارنة بالتضييق الذي كان تمارسه سلطة الأسد على التجار والصناعيين، مما دفعهم للهرب خارجاً وفق قوله.
نموذج قيد التطبيق
في غضون ذلك تحاول الحكومة السورية إعادة هيكلة الإدارة منذ اليوم الأول لتحرير سوريا.
وخلصت دراسة جديدة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى حول المؤسسات والحوكمة في سوريا الجديدة بعد عام عن سقوط النظام السابق إلى أن تجربة إدلب أثبتت قدرة الكوادر المحلية على إنشاء هياكل إدارية فعالة في مجال الخدمات والتعليم والقضاء، لكنها ظلت أسيرة سلطة الأمر الواقع المرتبط بالجماعات المسلحة.
الدراسة الأميركية التي اعتمدت على زيارات ميدانية للباحث آرون واي زيليسن لم تخف النجاحات الملموسة للحكومة في استعادة بعض وظائف الدولة، والعمل على إعادة فتح قنوات دبلوماسية، والسعي إلى فرص استثمارية مع شركاء إقليميين مثل السعودية "لكن حكومة الظل المتغلغلة، ومؤسسات ناشئة موازية تتدخل في شؤون الحكم ما يعوق عمل المؤسسات، ويثير الشكوك حول مركز القرار الفعلي، إضافة إلى الممارسات الاقتصادية الغامضة وغير الشفافة التي تذكر بعهد الفساد السابق"، بحسب وصف الباحث.
ودعت الدراسة إلى ضرورة التعامل ببراغماتية مع الخبرة الإدارية التي نشأت في إدلب وفصل الإدارة عن السلاح، مع وجوب نزع السيطرة العسكرية والفصائلية عن المؤسسات الإدارية والخدمية لضمان استقلاليتها وشفافيتها، وحذرت من فشل القيادة الجديدة في معالجة مسألة شرعية المؤسسات وإعادة دمجها، مما سيؤدي إلى استمرار حال التشظي المجتمعي والإداري.
قصور التجربة
وكانت تجربة إدارة إدلب بدأت عبر حكومة الإنقاذ، في وقت كانت سوريا مقسمة إلى مناطق سيطرة متعددة وفق قوى الأمر.
وتحدث السياسي السوري طلال عبدالله جاسم السهو عن أن حكومة الإنقاذ بدأت بعمل مؤسساتي لاستيعاب السكان والمهجرين، وتقديم الخدمات وخلق نشاط اقتصادي عام، مستفيدة من مساعدات غربية بهدف الحد من الهجرة نحو تركيا، وكانت بالفعل من أفضل تجارب الحكم (المناطقي)، "لكنها لا تقدم نموذجاً لبناء دولة دمر ماضيها وحاضرها"، وفي مقابل هذا الوضع، لا يرى السياسي السوري السهو "أن تجربة إدلب تصلح كتجربة لبناء دولة بحجم سوريا، ومنها صغر حجم الاقتصاد، إذ إن اقتصاد حكومة الإنقاذ لم يتجاوز اثنين في المئة من اقتصاد سوريا، واقتصاد إدلب لا يقترب من 10 في المئة من اقتصاد حلب أو دمشق"، لافتاً الانتباه إلى خطر هدم البنى القائمة، وقال إن "هدم المؤسسات القائمة يدخل البلاد في ارتباك طويل، كما حدث في ليبيا والعراق والصومال وأفغانستان ودول أخرى خرجت من صراع مرير وطويل، والأفضل التطوير التدريجي ودمج الجديد بالقديم من دون انهيار مؤسساتي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وثمة ما يمكن الاستفادة منه بتجربة إدلب جزئياً في بعض القطاعات وبصورة منضبطة، لكنها ليست نموذجاً قابلاً للتطبيق على مستوى الدولة السورية ككل وفق ما أكد السياسي السوري، عازياً الأمر "إلى عدد من العوامل منها غياب منصب رئيس مجلس الوزراء الذي أحدث غيابه خللاً بنيوياً كبيراً، إذ تعتمد البنى القانونية على قرارات مجلس الوزراء واللجنة الاقتصادية، كما أن التنسيق بين الوزارات أصبح محدوداً، وأيضاً غياب بنى قانونية تنظم الصلاحيات المستجدة للوزراء في غياب رئاسة الوزراء واللجنة الاقتصادية"، وتابع "أيضاً تعدد الهيئات التابعة لرئيس الجمهورية، وإنشاء عدد كبير من الهيئات خارج الرقابة الحكومية خلق غموضاً كبيراً في آليات عملها وإدارتها ومراقبتها، مع غياب إطار قانوني واضح لتنظيمها في ظل غياب توجه اقتصادي واجتماعي واضح للدولة، لا توجد حتى الآن خطط أو استراتيجيات أو أطر تحدد المسار الاقتصادي والاجتماعي للدولة".
سلم الرواتب
وسط هذه الأجواء، يحاول السوريون، لا سيما في القطاع الحكومي، الاعتياد على طريقة جديدة بالإدارة في مؤسساتهم في ظل تسريح بعض الوزارات عدداً من الموظفين بحجة تنفيذ إصلاح إداري واسع، كما أن هناك حديثاً عن إرغام موظفين قدامى على تقديم استقالاتهم، وعن فروقات كبيرة بينهم وبين موظفين جدد.
في المحصلة، تحاول الحكومة رفع أجور العاملين بصورة تعزز القدرة الشرائية لليرة السورية التي عانت طوال فترة الحرب الانهيار، واستقرت اليوم عند حدود 12 ألفاً في مقابل الدولار، ولهذا شهد سلم رواتب الموظفين بالقطاع العام ارتفاعاً في شهر يونيو (حزيران) الماضي وصلت نسبته 200 في المئة، لكن هذه الزيادة تبقى غير كافية أمام ارتفاع الأسعار وإيجارات الشقق السكنية والمواد الاستهلاكية والغذائية.
وجزم السياسي السهو بوجود خلل بنيوي عميق في سلاسل الرواتب والأجور، إضافة إلى وجود عشرات الآلاف من المعينين حديثاً، من عسكريين وأمن عام وموظفين مدنيين، من دون أسس قانونية موحدة للتعيين أو الأجور أو المؤهلات.