Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السيسي دعا إلى "حوار ديني" في مصر فلماذا لم يستجب أحد؟

الدعوة قد تكون وسيلة لتحرير العلاقة بين الدين والسياسة ومطالبات بإعادة النظر في قانون الأحوال الشخصية ليليق بدولة مدنية تشمل الجميع

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كرر في أكثر من مناسبة ضرورة احترام الاعتقاد أو عدمه في الأديان (أ ف ب)

دعا الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال كلمته بالجلسة الختامية للمؤتمر الاقتصادي 2022 في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إلى تنظيم حوار مفتوح عن الأديان وحرية العقيدة بالبلاد، سواء تجديد الخطاب الديني الإسلامي أو التعايش مع المسيحيين وحتى الملحدين وغيرهم من أطياف المجتمع المختلفة عقائدياً.

جاءت الدعوة الرئاسية الأخيرة لتفتح ملف الأقليات الدينية وحقوقهم بعد سنوات، مما يعتبره البعض تمييزاً ضد أصحاب الأفكار المختلفة عن السائد في الشعب المصري صاحب الغالبية المسلمة السنية وأقلية مسيحية تغلب عليها الطائفة الأرثوذكسية، ومن تلك العقائد البهائية والطائفة الشيعية، إلى جانب اللادينيين، فيما لا توجد إحصاءات عن نسب أصحاب أي عقيدة.

نداء متكرر

دعوة السيسي المعنية بحرية العقيدة والإيمان لم تكن الأولى، ففي حفل إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في مصر، خلال سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، كرر الرئيس ضرورة احترام الاعتقاد أو عدمه في الأديان، "لو واحد قال لي أنا غير مسلم ولا مسيحي ولا يهودي ولا أي دين في الدنيا، أنت حر، ولأنني غيور على ديني أحترم إرادته".

وأضاف أن "الأصل في الموضوع هو الحرية، حرية المعتقد التي كفلها الله، قال لك أنت حر تؤمن أو لا تؤمن، وهذا كلام قلناه كثيراً، لكن المجتمع على مدى 90 أو 100 سنة يتم صبغه بطريقة محددة".

وخلال الجلسة الختامية للمؤتمر الاقتصادي، قال الرئيس المصري، "لا بد أن نتحدث بمنتهى الصراحة مع من نراهم غير مسلمين ولا متدينين، سواء الإسلام أو المسيحية، كلنا مواطنون، وكل واحد بعقيدته. حتى من يقول ليس هناك إله".

الديانات السماوية

مر خطاب الرئيس المصري ولم تبادر أي من مؤسسات الدولة بأي خطوات لتنفيذ مبادرة الحوار، إلا أنها قوبلت بترحيب من جانب قيادات الكنائس، إذ قال متحدث الكنيسة القبطية الأرثوذكسية القمص موسى إبراهيم إن أي حوار "أمر بناء، وعادةً ما يأتي بنتائج أفضل".

كذلك أكد رئيس مجلس الحوار بالكنيسة الإنجيلية القس رفعت فكري أن الدعوة إلى عقد حوار ديني أمر مهم، خصوصاً أن المجتمع المصري ما زال يعاني التعصب ورفض الآخر، بحسب وصفه.

ويعترف الدستور المصري الحالي بالإسلام والمسيحية واليهودية فقط، في حين توضع علامة (-) في خانة الديانة على بطاقة الهوية التي يحملها البهائيون، وهو الإجراء المتبع مع جميع أتباع المعتقدات الدينية التي لا تنتمي للإسلام أو المسيحية أو اليهودية.

وينص الدستور المصري في المادة 64 على أن "حرية العقيدة مطلقة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأتباع الديانات السماوية حق ينظمه القانون"، وحاول البهائيون الاعتراض على تلك المواد خلال كتابة الدستور الذي أقر عام 2014، والتقى وفد منهم عدداً من أعضاء لجنة الخمسين التي صاغت الدستور، لكن لم تتم الاستجابة لمطالبهم.

الأقليات الأخرى

في دراسة بعنوان "الأقليات الدينية غير المعترف بها في مصر... الفيل الذي لا يراه المسؤولون" أشار الباحث إسحاق إبراهيم إلى وجود عدد من الأقليات تعاني بسبب عدم الاعتراف بها من جانب مؤسسات الدولة، مما يؤدي إلى حرمانها من حقوقها الدستورية، مثل حق الدين والرأي والتعبير، إلى جانب تعرض أتباعها للمراقبة والملاحقة القضائية بحجة أن نشاطها غير شرعي.

وقال إبراهيم في دراسته المنشورة بموقع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إنه إضافة إلى البهائيين هناك أقليات مثل شهود يهوه، وبعض الأقليات المسلمة كالشيعة والقرآنيين والأحمديين، الذين لا يعترف بوجودهم من قبل المؤسسات الرسمية والدينية، مضيفاً أن اقتصار الدستور على أتباع الديانات السماوية الثلاث يمنع أي مواطن من اتباع أي عقيدة أخرى.

وأضاف، "يحدد الدستور الإسلام بأنه دين الدولة، وأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، ويلزم في المادة السابعة الغالبية المسلمة نفسها باتباع مذهب واحد وتفسير حصري للإسلام من قبل المؤسسة الدينية الرسمية (الأزهر)، وتستخدم هذه المادة لتبرير الانتهاكات البالغة ضد المواطنين المصريين من غير أتباع هذا المذهب".

وبحسب الدراسة، فإنه لا بد لأي جماعة دينية ترغب في الحصول على اعتراف رسمي أن تقدم طلباً إلى إدارة الشؤون الإدارية والدينية بوزارة الداخلية التي تقرر "ما إذا كانت تلك الجماعة تشكل تهديداً للوحدة الوطنية أو السلم الاجتماعي، وتستشار المؤسسات الدينية الرئيسة القائمة كجزء من هذا القرار".

كذلك، عادةً ما يتخذ القضاء مواقف رافضة لدعاوى أتباع الطوائف غير المعترف بها، حيث أيد سابقاً استمرار غلق المحافل البهائية ورفض إنشاء جمعية لأتباع شهود يهوه ورفض الاعتراف بطائفة القديس بولس الرسول، اعتماداً على مفهوم "الحفاظ على النظام العام".

كما ذكرت المحكمة الإدارية في حيثيات حكمها بوضع علامة (-) في خانة الديانة لمن لا يتبع الديانات السماوية الثلاث، أن ذلك يهدف لـ"درء المخاطر التي قد تنتج عن سلوكياتهم وعلاقاتهم مع أفراد المجتمع".

ويرى أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة مونستر الألمانية، عاصم حفني، أن حديث الرئيس المصري عن حوار ديني شامل يرتبط بدعوته لحوار وطني، فأراد توسيع نطاق فكرة الحوار وملفاته بعد أن ظهرت إيجابياته على المستوى المجتمعي والسياسي، لافتاً إلى أن قضية الدين لا تنفصل عن السياسة، بخاصة في دولة مثل مصر. وأضاف لـ"اندبندنت عربية" أن "المجتمع المصري تأثر بصعود جماعة الإخوان للحكم في السنوات الماضية وما حدث بعدها من خلط الدين بالسياسة"، موضحاً أن "الدعوة إلى الحوار الديني الشامل قد تكون وسيلة من وسائل تحرير العلاقة بين الدين والسياسة وترك المجال السياسي للتنافس في ظل الأعراف والتقاليد الدستورية المعروفة بمشاركة الجميع بعيداً من الدين الذي يعتقد به البعض ويرفضه آخرون، مما قد يؤدي إلى التناحر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار حفني إلى أن "المميز في الدعوة إلى الحوار الديني في مصر كونها لم تقتصر على الدين الإسلامي فقط، بمعنى مناقشة فكر جماعة الإخوان والسلفيين ورد مؤسسة الأزهر، بل توسعت لتشمل المسيحية بمعنى أن أكبر ديانتين داخل المجتمع المصري سيمثلان بشكل عادل داخل الحوار، مؤكداً أن الرئيس السيسي بدأ خطوة غير مسبوقة في مجال حرية العقيدة كأحد حقوق الإنسان بعد أن ظلت مصر لسنوات تعبر عن رأي مؤسسة الأزهر وفهمها الضيق في شأن حرية العقيدة واقتصارها على الأديان السماوية فقط".

وأوضح حفني، أن "حرية العقيدة هي أن يدين الإنسان بأي دين يريده أو لا يعتقد أو يخرج من دين لدين آخر فهذه هي الحرية الحقيقية، ففي النهاية الدين هو علاقة بين الإنسان وربه، وهو من سيحاسبه في الآخرة حتى من لا يؤمن بوجود يوم القيامة له مطلق الحرية في هذا".

وأكد حفني ضرورة وجود إطار قانوني يتعايش فيه الجميع بقدر من السلام والإدراك الصحيح لمعنى حرية العقيدة حتى تشمل غير المؤمنين بالإله أو الملحدين وجميع الأقليات الدينية، لافتاً إلى أن دعوة السيسي لم يسبقه إليها أحد من الرؤساء، وهي جزء من حوار وطني شامل نحو تحقيق استقرار المجتمع المصري.

كيفية التطبيق

من جهته اعتبر الأستاذ الجامعي لبيب إسكندر، أحد البهائيين، أن نتاج دعوة الرئيس يتوقف على كيفية التطبيق والمناقشات في الحوار الديني. وقال إسكندر لـ"اندبندنت عربية" إن الدولة ملزمة بلعب دور لتوعية المواطنين بحرية العقيدة والفكر مع تقبل الرأي الآخر، بدلاً من سيطرة حالة الاحتقان لدى أطراف المجتمع التي قد تشعل فتيل الفتن الطائفية والمذهبية في أي لحظة.

وشدد على ضرورة منح الدولة الحرية لمواطنيها في الاعتقاد والدين مع سن تشريعات لحماية هذه الممارسات، مشيراً إلى أنه خلال السنوات الماضية تمكن البهائيون من كسب جزء من حقوقهم، ومن بينها إصدار هوية شخصية فيها علامة (-) في خانة الديانة بموجب حكم قضائي قبل 13 عاماً.

واستدرك، "لكن على رغم مرور تلك السنوات لم يحصل البهائيون على الحقوق الكاملة والمساواة مع المواطنين الآخرين"، موضحاً أن "الدولة حتى الآن لا تعترف بزواجنا، وهناك صعوبة في إصدار شهادات الميلاد وباقي الحقوق المدنية".

وتساءل إسكندر، "هل تتخيل وأنا عمري حالياً 77 سنة هويتي الشخصية يكتب فيها أعزب ولا تعترف الدولة بزواجي، على رغم أن لدي أحفاداً، كيف تحصل زوجتي على معاش بعد وفاتي؟ وكيف أتعايش في مجتمع لا يعترف بزواجي، ولا أتمكن من الحصول على أبسط حقوقي؟".

وأكد أن الاعتراف بزواج أصحاب الدين البهائي وإصدار وثيقة رسمية لذلك أياً كان طريقتها مدنية أو خلافه، هو أبسط حقوق المواطن، مشيراً إلى أن الحريات والحقوق لا تتجزأ، و"لا يمكن الحديث عن حقوق الإنسان والمرأة، وهناك فصيل غير معترف بأطفالهم ويعدون لقطاء أو غير شرعيين وكلهم يعيشون بوصم مجتمعي".

تشريعات مطلوبة

وشدد إسكندر على ضرورة إعادة الدولة المصرية النظر في قانون الأحوال الشخصية باعتبارها دولة مدنية حديثة وليست دينية، لافتاً إلى أن تطبيق حريات الاعتقاد لن يأتي إلا بقوانين تسمح بذلك.

وفي 27 ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، قضت محكمة القضاء الإداري في مصر، برفض إلزام محافظة الإسكندرية بتخصيص أرض لاستخدامها مقابر لغير أتباع الأديان الثلاثة المعترف بها في الدولة، مما اعتبره أصحاب الدين البهائي مؤشراً إلى طريقة تعامل الدولة معهم، على رغم ظهور أتباع لذلك المعتقد منذ نهاية القرن الـ19، وتأسيس المحفل الروحاني المحلي للبهائيين في الإسكندرية عام 1924، وحل بعد ذلك بقرار رسمي.

وتشير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي جمعية حقوقية أهلية، إلى أن فترة الستينيات من القرن الماضي شهدت بداية اختفاء هذا النوع من المدافن التي ضمت أطيافاً متنوعة من العقائد والديانات، إلى جانب الملحدين واللادينيين.

تضييق رسمي وشعبي

وبسبب عدم الاعتراف بتلك الطوائف لا يمكنهم تنظيم شعائرهم الدينية أو إتمام الزواج، وفق معتقداتهم، أو توثيقه رسمياً باسم الطائفة، وكذلك عدم الحق في استخراج أوراق رسمية مثبت فيها المعتقد الحقيقي، إضافة إلى وجود ملاحقات أمنية لمن يعبر عن المعتقدات غير المعترف بها أو عدم إيمانه من الأساس.

ووفق دراسة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يتعرض كثير من أتباع الأقليات الدينية غير المعترف بها لحملات من المضايقات الأمنية والمراقبة والاستدعاءات التي قد تصل إلى الإحالة إلى المحاكمة بتهمة ازدراء الأديان السماوية وتهديد السلم الاجتماعي، مثل الباحث رضا عبدالرحمن الذي صدر بحقه حكم بالحبس خمس سنوات، بسبب إعلانه على مدونته عن "الفكر القرآني" الذي يعده الأزهر خروجاً عن ثوابت الإسلام، وكذلك منع الصحافي الشيعي حيدر قنديل من السفر.

وبعيداً من التعامل الرسمي، ظهرت وقائع عدة للرفض، وأحياناً العنف الشعبي تجاه أصحاب المعتقدات غير الشائعة في مصر، مثل واقعة قتل أربعة من الشيعة في قرية أبو النمرس بمحافظة الجيزة عام 2013، على يد مئات من أهالي القرية الذين اعترضوا على وجود رجل دين شيعي داخل أحد المنازل، وطلبوا تسليمه، وتحول المشهد إلى جريمة سحل وقتل جماعية تمت في الطريق العام.

تجريم الإلحاد

شكاوى التضييق تخرج أيضاً ممن يتبعون أفكار الإلحاد واللادينيين، حيث صدر في الأعوام الثلاثة الماضية أربعة أحكام قضائية منفصلة بحق ملحدين بالحبس، مثل المدون شريف جابر الذي حكم عليه عام 2019 بالحبس ثلاث سنوات بتهمة نشر فيديوهات تزدري الإسلام وتحرض على الإلحاد.

ولا يتضمن قانون العقوبات المصري أي نصوص عقابية أو تجريم للإلحاد، لكن يتضمن ما يعرف بمادة ازدراء الأديان والتي تعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على خمس سنوات.

وفي ظل الدعوات إلى تجريم الإلحاد بشكل صريح، جرت محاولات لوضع قانون خاص لذلك، منها ما أعلن عنه عام 2018 أمين لجنة الشؤون الدينية بمجلس النواب المصري عمرو حمروش (2015-2020) عن مشروع قانون لتجريم الإلحاد.

وذكر أن "الظاهرة يروج لها في المجتمع على أنها حرية عقيدة، مما اعتبره خطأً كلياً، لذلك يجب تجريمها وتصنيفها على أنها ازدراء للدين، لأن الملحدين ليس لديهم عقيدة، ويحاولون إهانة الأديان الإبراهيمية". وحظي مشروع القانون بتأييد بعض من علماء الأزهر باعتبار أن الإلحاد خطر على الدولة واجب محاربته، لكنه قوبل بانتقادات برلمانية وإعلامية، ولم يقدم القانون لرئاسة المجلس بسبب عدم دعم الكتل المؤثرة في البرلمان له.

وفي شأن ما يمكن أن ينتج من الحوار الديني في حال عقده، قال الباحث في شؤون الأديان محمد جمال لـ"اندبندنت عربية" إن صانع القرار هو من بيده تحديد نتائج حوار كهذا، بعد أن يستمع لجميع الأطراف ويجمع المعلومات الكافية، ما إذا كان سيترجمها لقرارات وقوانين أم سيقتصر الأمر على بيانات ومجرد أحاديث.