ملخص
وفق مصادر دبلوماسية مصرية تحدثت إلى "اندبندنت عربية" فمن المستبعد "عقد قمة مرتقبة على المدى المنظور بين الرئيس السيسي ونتنياهو". مؤكدة عدم "وجود خطط لعقد مثل هذه القمة على خلال الأشهر القليلة المقبلة".
استبعدت مصادر دبلوماسية وسياسية مصرية احتمال حدوث لقاء مرتقب على المدى المنظور بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، لا سيما أمام ما تشهده علاقات البلدين من تأزم غير مسبوق، تجاوز بتوتراته القضايا السياسية والأمنية إلى التعاون الاقتصادي خلال الشهور الأخيرة.
وكشف موقع "أكسيوس" الأميركي أمس الأحد عن وساطة يقودها البيت الأبيض لعقد قمة بين السيسي ونتنياهو اللذين لم يتواصلا بصورة مباشرة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكثر من عامين، سوى تلك المحادثة الهاتفية التي جمعت بين الرجلين بضغط من الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وجوده في إسرائيل قبل حضوره قمة شرم الشيخ لتوقيع اتفاق وقف الحرب في غزة خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وبحسب "أكسيوس" فإن الطرف الأميركي طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بالموافقة أولاً على صفقة الغاز الإستراتيجية مع القاهرة، والمعطل تنفيذها إلى الآن رغم توقيعها في يوليو (تموز) الماضي، فضلاً عن ضرورة اتخاذ خطوات أخرى لتشجيع الرئيس المصري على القبول بعقد القمة، وهو ما لم ترد عليه رسمياً مصر حتى كتابة هذا التقرير.
لا لقاء مرتقباً
ووفق مصادر دبلوماسية مصرية تحدثت إلى "اندبندنت عربية" فمن المستبعد "عقد قمة مرتقبة على المدى المنظور بين الرئيس السيسي ونتنياهو". مؤكدة عدم "وجود خطط لعقد مثل هذه القمة على خلال الأشهر القليلة المقبلة".
ومن دون نفي إمكان حدوث الأمر برمته، قال أحد المصادر في حديثه إلينا إن "هناك طروحات ومبادرات عدة تجري مناقشتها بخصوص تهدئة وتيرة التوتر في العلاقات المصرية - الإسرائيلية، وحلحلة الملفات الخلافية"، مشدداً على عدم وجود "نيات مصرية الآن بإمكان قبول عقد قمة على مستويات عالية بين البلدين على المدى القريب، في ظل اتساع هوة التباينات بين القاهرة وتل أبيب في كثير من الملفات".
ورغم انقطاع اللقاءات العلنية رفيعة المستوى بين البلدين طوال عامي الحرب على غزة، زار رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد إسرائيل خلال النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي ليكون أرفع مسؤول مصري يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وذلك لبحث تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وفي هذا اللقاء ذكر مكتب نتنياهو أنه ناقش خلاله مع المسؤول المصري سبل دفع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام قدماً، وكذلك العلاقات بين مصر وإسرائيل وتعزيز السلام بين البلدين، إضافة إلى قضايا إقليمية أخرى.
وفيما رجح بعضهم أن يشهد التوتر بين البلدين هدوء نسبياً في أعقاب ذلك اللقاء الذي جاء بعد أيام من "مؤتمر شرم الشيخ للسلام"، لكن سرعان ما عادت الاتهامات المتبادلة لتخيم على المشهد نتيجة مزاعم متواصلة من حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتعزيز الجانب المصري انتشاره العسكري في سيناء، بما يخالف اتفاق السلام الموقع بين البلدين عام 1979، وهو ما تنفيه القاهرة معتبرة أن وجودها العسكري "يأتي في إطار التنسيق المتبادل" وبما يضمن حماية حدودها وأمنها القومي.
وطوال الأسابيع الأخيرة صعّدت تل أبيب من لهجتها ضد القاهرة مع تلويحها بعدم المصادقة على اتفاق الغاز الضخم معها، وإعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تحويل منطقة الحدود مع مصر إلى منطقة عسكرية مغلقة، وتعديل قواعد الاشتباك فيها، مرجعاً الخطوة لما وصفه بدواع أمنية تتعلق بـ "التصدي لتهديد الطائرات المسيّرة ومنع تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة"، وصولاً إلى تجديد نتنياهو نفسه إعلانه فتح معبر رفح حصراً في اتجاه خروج الفلسطينيين من قطاع غزة، وهو ما ترى فيه القاهرة محاولة للتهجير وتتشدد في رفضه.
ويتفق نائب مدير "مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية" عماد جاد مع ما ذكرته لنا المصادر الدبلوماسية من "استبعاد إمكان عقد قمة بين السيسي ونتنياهو على المدى المنظور"، قائلاً في حديثه إلى "اندبندنت عربية" إنه "وفق الوقائع الموجود حالياً فيبدو واضحاً أن هناك صعوبة لتحقيق هذا اللقاء، بمعنى أن الرئيس المصري سبق ورفض دعوة الرئيس الأميركي أكثر من مرة تجنباً لما قد يوضع فيه من حرجن أو أن تصدر تصريحات أو بعض التصرفات الحرجة بالنسبة إليه، فما بالنا بقمة مع نتنياهو في أعقاب كل التأزم بين البلدين والانتهاكات المستمرة في قطاع غزة والضفة".
ويتابع جاد أنه حتى مع فرضية وجود طرح من قبل الإدارة الأميركية بإمكان عقد قمة بين الرجلين، فالذي يرفض دعوة الرئيس الأميركي من المنطقي والطبيعي أن يرفض لقاء نتنياهو لأسباب عدة، ولا سيما أن منطق نتنياهو وتصريحاته لا تمهد الأرضية لمثل هكذا لقاء"، مشيراً إلى عدم حدوث قمة بين الرجلين منذ نحو سبعة أعوام، إذ كان آخر لقاء علني عام 2018.
وأرجع جاد أسباب الرفض المصري لقمة من هذا النوع إلى مجموعة من الأسباب، "أولها أن نتنياهو إلى الآن يصر على موضوع التهجير وفتح معبر رفح في اتجاه واحد لخروج الفلسطينيين وتهجيرهم إلى سيناء، ويقول إن ضم الضفة الغربية لا يزال احتمالاً قائماً، فضلاً عن استمرار احتلال قواته لـ (محور فلادلفي) على الحدود مع مصر، بما يخالف اتفاق السلام الموقع بين البلدين، وكذلك يتحدث دائماً ويشكو مصر لواشنطن وأن لديها قوات كبيرة في سيناء، وأنها تقوم بإنشاء قواعد عسكرية وتمركزات أمنية، ملوحاً بأنها تستعد لحرب مع إسرائيل، وكل هذه الأمور لا تمهد قطعاً الأرضية لأية قمة من هذا النوع، في ظل كل هذا التوتر في العلاقات بين البلدين".
ويضف جاد أن "مثل هذه القمم على هذا المستوى عادة ما تحدد أجندة الحوار، وربما أكثر من 90 في المئة من التفاهمات والاتفاقات تحدث قبلها، وعليه أتصور وفق مسار وطبيعة العلاقات بين البلدين في الوقت الراهن أنه يصعب التوصل إلى اتفاق حول القضايا الخلافية"، مشيراً إلى أن "مسألة ضغط ترمب على نتنياهو لتوقيع اتفاق الغاز مع مصر وتطوير العلاقات الاقتصادية معها لم تكن الحافز الكافي أو العامل الفاعل لدفع السيسي إلى مثل هذه القمة التي يمكن أن يخرج منه خاسراً لكثير من الأوراق التي ربحها خلال الفترة الأخيرة".
ومع تشديده على أهمية حلحلة الملفات الخلافية السياسية والأمنية بين البلدين كحافز لإمكان حدوث مثل هذه القمة، لا التركيز فقط على الملفات الاقتصادية، أوضح جاد أن "الحكومة الإسرائيلية الراهنة غير مستعدة للتجاوب مع المطالب المصرية والتي هي في الإجمال مطالب عربية، والتي بتحقيقها حصراً قد يفتح الطريق أمام مصر لقبول مثل هذه المبادرات الأميركية"، معتبراً أنه "من دون تغير تلك الأسباب الموضوعية والتجاوب مع المطالب المصرية والمتمثلة في المضي نحو اتفاق السلام في غزة والانسحاب الإسرائيلي من القطاع، مع وقف انتهاكات المستوطنين في الضفة الغربية، فضلاً عن فتح معبر رفح في الاتجاهين، فمن المستبعد حدوث قمة قريبة بين السيسي ونتنياهو".
والأسبوع الماضي عاد معبر رفح مجدداً لواجهة العلاقات المتأزمة بين القاهرة وتل أبيب، بعد أن أعادت إسرائيل الحديث عن عزمها تشغيله في اتجاه واحد لـ "السماح حصراً بخروج سكان غزة" إلى مصر، لتتمسك الأخيرة بآلية العمل التي أقرتها خطة السلام الأميركية وقرار مجلس الأمن الدولي في شأن تشغيل المعبر في الاتجاهين، الدخول والخروج، مع النفي القاطع بوجود اتفاق يسمح بعبور السكان في اتجاه واحد، وهو الذي تتخوف القاهرة أن يكون بداية لسيناريو التهجير الذي كثيراً ما تشددت في رفضه طوال عامي الحرب على القطاع.
واشنطن والتركيز على الحوافز الاقتصادية
وكشف موقع "أكسيوس" أمس عن أن اللقاء المرتقب بين الرئيس المصري ورئيس الوزراء الإسرائيلي، اللذين لم يتحدثا طوال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، يجري الإعداد له برعاية البيت الأبيض والرئيس الأميركي دونالد ترمب، وذكر الموقع نقلاً عن مسؤول أميركي ومصدر إسرائيلي وصفهما بالمطلعين، أن المسؤولين الأميركيين طالبوا نتنياهو بالموافقة أولاً على صفقة الغاز الإستراتيجية مع مصر، واتخاذ خطوات أخرى إضافية لإغراء السيسي بالاجتماع، مشيرة إلى أن الأمر يأتي في إطار محاولة الولايات المتحدة إذابة الجليد في العلاقات بين إسرائيل والدول العربية عبر الدبلوماسية الاقتصادية، ودرس مبادرات مشابهة تركز على الحوافز الاقتصادية في مجالات التكنولوجيا والطاقة بين إسرائيل ودول عربية مثل لبنان وسوريا، والهدف هو إعادة إسرائيل دبلوماسياً إلى الساحة، وصياغة نموذج جديد لدخولها مع العالم العربي، وإعادة إحياء مسار "اتفاقات أبراهام"، آملين بتحقيق ذلك بالتوازي مع جهودهم لتثبيت وقف إطلاق النار في غزة ودفع عملية السلام قدماً.
وعن مصر قال المسؤول الأميركي لـ "أكسيوس" إن "هذه فرصة هائلة لإسرائيل، فبيع الغاز لمصر سيخلق اعتمادًا متبادلاً ويقرّب الدولتين من بعضهما ويُنتج سلاماً أكثر دفئاً ويمنع الحرب"، مضيفاً أن مستشار الرئيس ترمب وصهره، جاريد كوشنر، أبلغ نتنياهو خلال محادثات قريبة أنه بعد الحرب يجب على إسرائيل أن تُظهر لدول المنطقة أن لديها ما تقدمه أكثر من مجرد أجندة سلبية، كما شدد على أن "دول المنطقة لا تريد الحديث عن إيران طوال الوقت بل تريد استكشاف الفرص الاقتصادية، وإذا أرادت إسرائيل الاندماج في المنطقة فعليها العودة للغة الأعمال"، بحسب قوله.
وأضاف المسؤول الأميركي أن "كوشنر قال لنتنياهو إن على إسرائيل أن تطور عضلة الدبلوماسية الاقتصادية وتشرك القطاع الخاص في عملية السلام"، مشيراً إلى أنه أكد أن على إسرائيل استثمار قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لديها وموارد الغاز الطبيعي وخبراتها في الطاقة المتجددة والمياه، ضمن دبلوماسيتها الإقليمية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب "أكسيوس" فقد اقترح كوشنر على نتنياهو أن يبدأ بمصر التي أدت دوراً أساساً في إنجاح صفقة السلام الخاصة بغزة، وقادت الجهود الخاصة باستعادة رفات الرهائن الإسرائيليين من القطاع، مشيرة إلى أنه على رغم أن نتنياهو قال لكوشنر إنه يريد لقاء السيسي بكنه لم يدخل بجدية، وفق مصدر إسرائيلي ومسؤول أميركي، كما أن الرئيس المصري لم يبد حماسة كبيرة لفكرة الاجتماع، وقال المصدر الإسرائيلي "لم تحصل أية اتصالات إستراتيجية مهمة بين البلدين خلال العامين الماضيين".
وأوضحت المصادر أن المسؤولين الأميركيين أبلغوا نتنياهو ضرورة أن يحمل شيئاً يقدمه للمصريين كي تتحقق مثل هذه القمة، وأن أحد الخيارات هو الموافقة على صفقة غاز طبيعي بمليارات الدولارات تزود إسرائيل بموجبها ما يقدر بـ25 في المئة من حاجة مصر الكهربائية، وتشارك "شركة شيفرون الأميركية" في حقل الغاز المرتبط بهذه الصفقة، لكن الحكومة الإسرائيلية لم تقرها بعد.
وقال المصدر الإسرائيلي إن "سبب عدم إقرار حكومة نتنياهو لها يعود للسياسات الإسرائيلية الداخلية الصغيرة، ورغبة نتنياهو في توقيع الصفقة خلال اجتماع علني مع السيسي في مصر"، كما ذكر المسؤولون الأميركيون أنهم أبلغوا نتنياهو ضرورة الموافقة على صفقة الغاز وإعداد مقترحات اقتصادية أخرى لتهيئة الظروف لاجتماعه مع السيسي.
كذلك نقل "أكسيوس" عن المسؤول الأميركي والمصدر الإسرائيلي قولهما إن "نتنياهو شكّل أخيراً فريقاً يعمل بهدوء على إعداد مخرجات اقتصادية ملموسة لقمة محتملة مع السيسي"، وقال المسؤول الأميركي إن "ما ذكرناه لنتنياهو هو أنه يحتاج إلى تحويل العلاقة إلى سلام دافئ ثم العمل معاً على خفض التوترات في المنطقة، وإذا نجح الأمر مع مصر فيمكننا عندها تطبيق الشيء نفسه مع دول أخرى في المنطقة".