عودة التنازع على منصب محافظ كركوك

للمنطقة حساسية وخصوصية بسبب الثروة النفطية وضمها خليطاً سكانياً

أجريت مرة واحدة انتخابات محلية في كركوك عام 2005 (مجلس محافظة كركوك)

عادت الأجواء المتوترة إلى محافظة كركوك، مع إعلان الحزبين الكرديين الرئيسيين توصلهما إلى توافق سياسي بشأن تعيين محافظ كردي للمحافظة. الأمر الذي رأته القوى التركمانية والعربية في المحافظة بمثابة استئثار كردي لحكم المحافظة، مطالبين أن يكون ملف تعيين المحافظ الجديد عبر عملية توافقية بين مكونات المحافظة، لا على مبدأ الغالبية السياسية والسكانية. وقد اعتبرت القوى الكردية ذلك ضرباً لأساس الديمقراطية الذي يحكم السلطة والمؤسسات في العراق الحديث، سواء أكان على مستوى المؤسسات المركزية أو نظيرتها التي تحكم الإدارات المحلية، مثل مجالس المحافظات، بما في ذلك محافظة كركوك.

توافق بعد ماراثون مفاوضات

بدأت أجواء التوتر السياسي مع تصريحات قيادات من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، الأحد 7 يوليو (تموز)، معلنة توصل حزبهم والديمقراطي الكُردستاني إلى توافق لانتخاب قيادي من الاتحاد الوطني لمنصب محافظ كركوك، هو المهندس طيب جباري، المنحدر من ناحية قره حسن الكردية، التابعة لمحافظة كركوك. وبهذا سيخرج المنصب من يد المكون والقوى السياسية العربية، التي ينتمي إليها المحافظ الحالي راكان الجبوري، الذي كلفه رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، بعد إقالته المحافظ الكردي نجم الدين كريم في سبتمبر (أيلول) 2017، عقب إعلانه تأييده التام لاستفتاء استقلال إقليم كردستان، وقتئذ.

لمحافظة كركوك حساسية وخصوصية مختلفة عن المحافظات العراقية الأخرى، لا بسبب الثروة النفطية وضمها خليطاً سكانياً كردياً وعربياً وتركمانياً، بل لكون الحكومات العراقية المتعاقبة، بالذات في مرحلة حكم حزب البعث، قد مارست سياسات تغيير شديدة للبنية الديموغرافية في المحافظة. وبهذا خلقت نزاعات شديدة التعقيد على الملكيات والتابعيات والصراعات الاجتماعية وتوازن القوى بين السكان المحليين.

أجريت انتخابات محلية وحيدة في المحافظة عام 2005، وبعدها كان البرلمان العراقي يُشرع كل مرة فقرة خاصة بالمحافظة حين إجراء كل انتخابات خاصة بمجالس المحافظات، بسبب تنازع القوى السياسية من أبناء المحافظة على سجل الناخبين في المحافظة، حيث كانت كل واحدة منها تتهم الطرف الآخر بتزوير ذلك السجل. في تلك الانتخابات الوحيدة حصلت قائمة التآخي الكردستانية، التي كانت تضم الحزبين الكرديين الرئيسيين على غالبية واضحة ضمن مجلس المحافظة، إذ فازت بـ25 مقعداً من أصل 38. ما خولها القدرة على تعيين المناصب التنفيذية الرئيسية في المحافظة، بما في ذلك منصب المحافظ، لكنها كانت تحتاج على الدوام إلى توافق سياسي في ما بينها، لتستطيع أن تفعل ذلك.

منذ قرابة العامين، بعد إقالة الحكومة المركزية للمحافظ الكردي وتكليفها للمحافظ الحالي راكان الجبوري، تراكمت الخلافات بين الحزبين الكرديين، خصوصاً بعد اتهام الحزب الديمقراطي الكردستاني لنظيره الاتحاد الوطني بالدخول في توافق سياسي مع الحكومة المركزية وإيران، سلمتها عبره محافظة كركوك، التي خضعت لقوات البيشمركة الكردية منذ عام 2014. بعد ذلك، ازدادت خلافات الطرفين في شأن منصب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة المحلية في الإقليم. وكانت تتسبب كل واحدة من هذه القضايا على عدم قدرتهما على خلق توافق سياسي في شأن منصب محافظ كركوك. لكن، يبدو أن تلك العقدة قد حُلت بعد مفاوضات طالت لقرابة الستة أشهر، فما إن صرحت قيادات من الاتحاد الوطني الكردستاني توافق حزبهم مع الحزب الديمقراطي على منصب محافظ كركوك، حتى أتت الأخبار بأن رئيس الحكومة المحلية المكلف مسرور البرزاني قد سلم أسماء كابينته الوزارية للبرلمان المحلي.

رفض تركماني تام

سارعت الجبهة التركمانية في كركوك، وهي أكبر فصيل سياسي تركماني عراقي، إلى إعلان رفضها لما تم التوصل إليه بين الحزبين الكرديين، معلنة أن ذلك التوافق يعني هيمنة الطرف الكردي على محافظة كركوك، حيث توجد مكونات قومية، وذات خصوصية مختلفة عن المحافظات العراقية. متهمة الحزبين الكرديين بإحداث ما سمته "دماراً ببنيتها الاجتماعية وسرقة موارد المحافظة النفطية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العرض القديم الجديد الذي أعادت الجبهة التركمانية تقديمه، تمثل في تقاسم المناصب التنفيذية الرئيسية في المحافظة بين مكوناتها الثلاثة الرئيسة، بواقع 32 في المئة منها لكل من الأكراد والعرب والتركمان، على أن يحصل مسيحيو المحافظة على الـ4 في المئة الباقية. الأمر نفسه ينسحب على منصب المحافظ، إذ رأت الجبهة التركمانية أن الأكراد جربوا طويلاً حكم المحافظة عبر منصب المحافظ، كذلك فعل العرب تاريخياً وراهناً، وأن عودة الهدوء إلى المحافظة يتمثل بإتاحة الفرصة للمكون التركماني لأن يخوض تجربة رئاسة المؤسسات التنفيذية في المحافظة عبر منصب المحافظ.

الاتحاد الوطني الكردستاني، وعبر النائب في كتلته البرلمانية جمال شكور، أعلن أن المطالب التركمانية ظالمة للكرد وللعملية الديمقراطية في العراق، التي تنص صراحة على أن مبدأ حكم الغالبية السياسية هو من يحكم السلطة التنفيذية في العراق، وليس التوافق. مطالباً بأن يكون هذا المبدأ في العراق كله في ما لو وافقت عليه القوى السياسية العراقية، أي أن تكون كامل مناصب الدولة العراقية مناصفة بين السنة والشيعة والكرد.

قلق عربي

وافقت الأطراف السياسية العربية في محافظة كركوك نظيرتها التركمانية، خصوصاً أنها أصدرت معها قبل يوم واحد، في 5 يوليو (تموز)، بياناً مشتركاً بشأن زيارة وفد برلماني من إقليم كردستان إلى ناحية قره هنجير ذات الغالبية الكردية في محافظة كركوك، مطالبة الحكومة المركزية باتخاذ إجراءات مناسبة، ضد الزيارة "الاستفزازية"، بحسب البيان المشترك بين القوى السياسية التركمانية والعربية في محافظة كركوك، مضيفة "هذه التصرفات غير المسؤولة لا تفيد إلا المجاميع الإرهابية المتربصة شراً بعراقنا، والتي تحاول أن تجد ثغرة للولوج إلى مدننا الآمنة، وعلى القائد العام للقوات المسلحة اتخاذ التدابير اللازمة للسيطرة على كامل أراضي محافظة كركوك وإخراج قوات البيشمركة منها".

يخشى عرب محافظة كركوك عودة التهميش بعد خروج منصب المحافظ من أيديهم، فالقوى السياسية العربية هي الأصغر حجماً ضمن مجلس المحافظة، لأنها انتخابات مجلس المحافظة التي أجريت عام 2005. كذلك، فإنه طوال العامين الماضيين، ونتيجة لمساعي المحافظ الحالي فرض سطوة النازحين العرب المنحدرين من جنوب محافظة كركوك على مناطق المحافظة، فإن كثيراً من الحساسيات تراكمت بينهم وبين أبناء المكون الكردي.

المزيد من العالم العربي