Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المرأة الإيرانية في طليعة الاحتجاجات منذ أعوام

قمع النساء ترافق مع نشأة الجمهورية الإسلامية وحملات التفتيش مستمرة في الشوارع وداخل مقار العمل

منذ تولي إبراهيم رئيسي ازداد التضييق ضد الإيرانيات وأصبحت دوريات شرطة الأخلاق مشهداً مألوفاً في شوارع طهران (أ ف ب)

"امرأة، حياة، حرية" شعار يرفعه المتظاهرون في إيران منذ بدء الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، لكنه لا يعبر فقط عن واقعة مقتل الشابة مهسا أميني داخل مقر "شرطة الأخلاق"، وإنما عن عقود من تركيز نظام الحكم في البلاد على النساء.

فأميني التي توفيت عن عمر ناهز (22 سنة) ربما كانت جدتها ووالدتها ضحيتين للتضييق الرسمي على النساء الذي بدأ مع الثورة على حكم الشاه عام 1979 ليخرج الجيل الثالث من السيدات الإيرانيات ليطالبن بالحرية.

أميني لم تكن الضحية الأولى التي تلقى حتفها عقاباً على عدم التزام قواعد الحجاب أو الملابس، فمنذ ثمانينيات القرن الماضي اعتقلت سيدات كثيرات وتعرضن للضرب أو حتى الموت في مراكز الاحتجاز، لكن تضييق الدولة على النساء لم يسر على وتيرة واحدة طوال تلك العقود.

فترة الرئيس محمد خاتمي (1997- 2005) تميزت بالتسامح مع المرأة والابتعاد عن التدخل في نمط الحياة، لكن الوضع انقلب مع خلفه محمود أحمدي نجاد (2005 – 2013) الذي أمر سلطات الدولة ومن بينها وزارات الثقافة والتعليم وقوات الشرطة بتشديد اللوائح المفروضة على النساء بعد أشهر من توليه السلطة بهدف "تعزيز وفرض الحجاب".

ثقافة العفاف

منذ تولي الرئيس الحالي إبراهيم رئيسي، وهو قاض سابق وحاصل على دكتوراه في العلوم الدينية، ازداد التضييق ضد الإيرانيات وأصبحت دوريات شرطة الأخلاق مشهداً مألوفاً في شوارع طهران.

ركز رئيسي على نشر ما سماه "ثقافة العفاف"، ومنذ يوليو (تموز) الماضي، بدأ مفتشون بزيارة المؤسسات الحكومية للإبلاغ عن أي مخالفة في شأن الحجاب الإلزامي الذي فرضته السلطات في مطلع الثمانينيات من القرن الـ20 وفي حال عدم الالتزام ربما تصل العواقب إلى الفصل من العمل.

ويرى المعارض الإيراني المقيم في أوروبا مهدي عقبائي أنه منذ عام 1979، عندما وصل نظام الملالي إلى السلطة، كانت لهذا النظام سمتان مميزتان، مناهضته للحرية ومناهضته للنسوية اللتان تسببتا في معظم المعاناة والضغط والإكراه بالنسبة إلى المرأة الإيرانية، بحسب تعبيره.

وأضاف عقبائي الذي يشغل عضوية "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية" لـ"اندبندنت عربية" أن قائد الثورة الإيرانية وأول مرشد للجمهورية الإسلامية آية الله الخميني أصدر فتوى في 7 مارس (آذار) 1979 بإلزامية ارتداء السيدات للحجاب في المكاتب الحكومية، وفي اليوم التالي خرجت تظاهرات حاشدة من السيدات تزامناً مع اليوم العالمي للمرأة.

وأشار إلى أن تلك الفتوى كانت بداية "كراهية النساء وقمع أكثر من نصف السكان لأكثر من 40 عاماً بقوانين معادية للمرأة"، مؤكداً أن القوة الرئيسة لإطاحة النظام الإيراني ستكون النساء.

وتابع المعارض الإيراني أنه في 20 يونيو (حزيران) 1981 قمع النظام تظاهرة سلمية دعا إليها "مجاهدو خلق"، وهي حركة المعارضة الرئيسة ضد نظام طهران، وبعد ذلك تم إعدام عدد من المشاركين بينهم فتيات تتراوح أعمارهن بين 16 و17 سنة.

خوف النظام

أكد عقبائي أن تلك الجذور التاريخية للاحتجاجات تشير إلى الدور الجاد والفاعل للمرأة في حركة المعارضة داخل إيران، لافتاً إلى أن عدداً كبيراً من ضحايا التظاهرات الحالية من الفتيات والسيدات، خصوصاً أن الأحداث بدأت بمقتل الفتاة الكردية مهسا أميني.

وقال إن الخميني وخامنئي والملالي كافة يشعرون بالخوف من النساء الإيرانيات "ولسخرية القدر فهن مسلمات يرتدين الحجاب، وذلك لأنهم شككوا في إسلامهم الرجعي وكشفوا عن كراهيتهم وتمييزهم ضد النساء"، وفق تعبيره.

واعتبر أن تصميم الفتيات ونشاطهن الظاهر في الاحتجاجات الحالية و"خوف نظام الملالي منهن" تطورت على مدى 43 عاماً من الغضب والكراهية المكبوتة، بالتالي ليس من المستغرب أن تقود النساء الحشود الجماهيرية الغاضبة.

وذكر شهاب، الطالب في إحدى جامعات طهران وأحد أعضاء وحدات المقاومة الإيرانية (معارض) أن الهدف الأول للنظام دائماً هو النساء اللاتي كن في طليعة الاحتجاجات منذ أعوام.

واعتبر الطالب الإيراني المشارك في الاحتجاجات الذي طلب عدم ذكر اسمه بالكامل لأسباب تتعلق بسلامته، أن استهداف المرأة في الاحتجاجات الحالية أمر طبيعي ومتوقع إذ إنها كانت المحور الرئيس لقمع النظام منذ أعوام، وحالياً رفعن أصواتهن لأنهن لم يعدن يتحملن هذا القمع بعد الآن.

وأضاف شهاب لـ"اندبندنت عربية" أن قوة النظام الإيراني أصبحت في أدنى مستوياتها وكلما يضعف النظام يزداد العنف والقمع من تجاهه.

التحكم بالمجتمع

يتخطى فرض الحجاب على الفتيات إلى اعتباره شرطاً أساسياً لالتحاق الفتيات بالمدارس الابتدائية أو الحصول على عمل، كما يشمل التضييق على المرأة أن نسبتها من قوة العمل لا تتجاوز 15 في المئة، بينما نصف عدد الطلاب في الجامعات من الإناث، وكذلك يحظر عليهن حضور المباريات في الملاعب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية (مركز بحثي في القاهرة) محمد محسن أبو النور يرى أن المرأة هي إحدى الركائز الثيوقراطية التي أسست النظام الإيراني أو الجمهورية الإسلامية، موضحاً أن النظام الإيراني أسس على معاداة الغرب وشيطنة أميركا وإسرائيل وتصدير مبادئ الثورة للغرب، إلى جانب التحكم في المجتمع الإيراني وفقاً لوجهة نظر شيعية.

وأوضح أبو النور لـ"اندبندنت عربية" أن النظام الإيراني يتحكم في المجتمع من خلال إلزامه ببعض المعايير المتعلقة بالمظهر، لافتاً إلى تحريم ارتداء الرجال رابطة العنق، أما المرأة، فملزمة بارتداء زي معين متوارث.

وأشار إلى أن عقلية النظام ترى أن خروج المرأة من دون حجاب سيؤدي إلى فساد المجتمع لإثارتها الفتن والشهوات والغرائز، وهو ما سيتسبب في ضعف الإنتاج ويحيد الشباب عن قضايا الأمة والقضايا المصيرية للجمهورية الإسلامية.

التغاضي عن التحرر

وتوقع أبو النور أن تؤدي الاحتجاجات إلى تغيير وجهة نظر النظام وتعامله مع المرأة في الشوارع وربما يلجأ إلى التنفيس عن "البخار المكتوم" بمعنى السماح أو التغاضي عن بعض مظاهر التحرر لدى المرأة الإيرانية وتحولها إلى الليبرالية.

وأوضح أن النظام الإيراني سمح خلال الأشهر والأعوام الأخيرة بنشأة مجتمع مواز داخل الدولة في المدن الكبرى والأحياء الراقية فتجد اختلاطاً بين المرأة والرجل، والحركة الاحتجاجية التي اندلعت في 16 سبتمبر قد تؤدي إلى تغاضي النظام عن تطبيق القانون الخاص بفرض الحجاب الإجباري.

وأكد أبو النور أن الانفتاح على الثقافات الغربية دفع المرأة الإيرانية إلى المطالبة بحقوقها، لافتاً إلى أن معدلات الشباب في المجتمع الإيراني تتجاوز 60 في المئة وهم لم يعاصروا الثورة الإيرانية أو الجيل الذي يليها، لكنهم أبناء التسعينيات وما بعدها ومتأثرين بشكل كبير بالغرب وأفكاره.

ووصف ما يجري حالياً بأنه احتجاج من جيل الأحفاد على جيل الآباء والأجداد الذي صنع الثورة على شاه إيران وأسس شكلها الحالي، وهو ما يعطي انطباعاً بعدم إيمان الأجيال الجديدة بمبادئ الثورة الإيرانية.

تهديد النظام

بدوره، يرى الباحث في الشأن الإيراني أحمد فاروق أن تخوف النظام من ابتعاد الأجيال الجديدة عن أفكار ومبادئ ثورة 1979 يدفعه إلى التشدد في تطبيق قوانين الحجاب أو ما يعرف بسياسة العفاف.

وأضاف فاروق لـ"اندبندنت عربية" أن قانون العفاف الذي أقر في حكومة الرئيس السابق حسن روحاني لم يطبق إلا مع تولي الرئيس الحالي إبراهيم رئيسي الذي يغلب على إدارته أصحاب أيديولوجيات ثورية أكثر من الرئيس نفسه، مما أضاع بعض التحسن الذي حدث في حال المرأة خلال عهد روحاني.

وأوضح أن الدافع الأساسي لتطبيق تلك القوانين هو اعتقاد النظام الإيراني بأنه يواجه "حرباً هجينة" تستهدف الأسرة والمجتمع، ويرى أن تخلي المرأة عن "حجابها وعفافها" يدمر منظومة الأسرة الإيرانية لأن الأم من المفترض أن تربي جيلاً منتمياً إلى الثورة الإسلامية وإيران، وربما يؤدي خلع المرأة لحجابها إلى أن تربي جيلاً منتمياً للغرب وفق قناعات نظام رجال الدين الإيرانيين.

ورأى أن النظام سيعيد التفكير تجاه المعارضة والمطالب الاحتجاجية باعتبار رفع سقف المطالب يهدد وجوده، وهو الأمر الذي سيدفعه إلى محاولة "ضبط العنف"، مؤكداً أن الجيل الجديد من الإيرانيين مواليد أواخر التسعينيات من القرن الماضي وأوائل هذا القرن أصبح غربي الهوى بسبب الانفتاح على مواقع الإنترنت وضعف وسائل الترويج للثورة والإعلام الإيراني.

وأشار إلى أن المرشد على خامنئي لفت في استراتيجيته للمرحلة الثانية من الثورة إلى ضرورة تربية جيل جديد منتم إلى الثورة، بالتالي النظام لا يواجه مشكلة مع المرأة، تحديداً حالياً، وإنما مع الجيل الجديد بالكامل الذي يعقد مقارنات مع وضع نظرائه في الدول المجاورة.

المزيد من تقارير