ساحل امالفي الإيطالي... الانشوفة وشرابها والأخطبوط والطعام مع الطهاة وأمور أخرى مذهلة

"أن تختار السفر البطيء يعني أن تنغمس في كل الأمكنة التي تحلّق فوقها بالطائرة في العادة"

سافر ببطء، توقف في الأمكنة وتأملها، تعرف إلى ناسها وتذوق مأكولاتها وأطباقها... تلك قد تكون خلاصة التجربة مع مواقع سياحية خلابة مثل شاطئ أمالفي الإيطالي (بوزيتانو.كوم)

أنا في متجر للأحذية حيث تُباع أحذية نسائية أنيقة بكعوب عالية مستدقّة، وصنادل بأشرطة. هنا أيضاً، يقدِّم لي طاهٍ شاب من نابولي قطعة "تاكو" سوداء طريّة محشوة بالربيان الأحمر المتبّل، ومشروب الكامباري، ووريقات الأنديف والكمأ. هل تجد غرابةً في الأمر؟ في مصرف مجاور، ثمة طاهٍ آتٍ من بيبونا يقلي برويةٍ كرات سمك الأنشوفة المغطاة بالسمسم، ثم يقدِّم لي اثنتين منها مع الطماطم وكريما نبتة إكليل الجبل.

بجوار زاوية الشارع، لحظتُ طاهياً آخر ينثر مسحوق طماطم على قطع كبيرة من لحم الخنزير دسمة ومغمسة في خليط البيض والحليب والطحين، وفُرِشَتْ على طاولة فوق الرصيف. يضعها في صحون، وإلى جانبها طماطم حارة غنية باليود، ما إن تتذوقها لن ترغب في التفكير في الأنواع المتوافرة في السوبرماركت مجدداً.

أين أنا يا ترى؟ خمّن! في مرمى بصري، بساتين من الليمون المرقط، وفيلات بألوان الباستيل الأنيقة، وسيارة "فيات" من طراز "500" على الطرقات الساحلية الملتفّة والجبال الخضراء الكثيرة المنحنيات. وثمة صورة بتقنية "سي جي أي" (صور افتراضية منشأة بالكمبيوتر تحاكي الواقع) للممثلة البريطانية الراحلة أودري هيبورن، تبدو فيها وهي تتناول لوح شوكولاتة "غالكسي".

إنه ساحل أمالفي. لطالما انجذب الروائيون والسياح والنجمة الأميركية غوينيث بالترو إلى سحر هذا الامتداد الساحلي في جنوب غرب إيطاليا. لكن، أُخْرُج من البلدات والمدن الأكثر شعبية، من بينها سورينتو، وأمالفي، ورافيلو، وساليرنو، وبوسيتانو، لتختبر الإحساس بألذ النكهات التي بقيت سراً عن العالم الأوسع بطريقة ما.

مثل هذا السر ليس مسألةً صغيرةً. يجتمع 10 آلاف إيطالي خلال شهر يونيو (حزيران) من كل عام في مدينة "فيكو إيكوينس" الصغيرة، تاركين العنان لأنفسهم كي يأكلوا ما يشتهون غير آبهين باكتساب الكيلوغرامات، ذلك في مهرجان "فيستا آ فيكو"    (= "وليمة في فيكو") الذي يستمر ثلاثة أيام يقدّم خلالها الطبق تلو الآخر من المكونات الحِرَفية. قصد 200 طاهٍ هذا المكان آتين من أهم المطاعم لإنشاء متاجر، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، من أجل وليمة الشارع.

دُعيتُ هذه السنة إلى مهرجان "فيستا آ فيكو". لم يحدث أن زرت ساحل أمالفي سابقاً، وأول ما أصابني بالدهشة هناك منظر جبل فيزوف البركاني الرملي الأزرق، يغوص في الغيوم ويخرج منها عبر خليج نابولي.

يزداد ذلك المشهد فرادةً حينما أفكر في أني لم أصل إلى وجهتي هذه بيُسر. استقليتُ الحافلة (ثلاث حافلات في الحقيقة) من لندن كجزء من وعد قطعته على نفسي بالامتناع عن الرحلات الجوية. أن أسافر ببطء عبر فرنسا، مجتازةً باريس وليون وجبال الألب، فتلك فرصة تتيح لي الاستمتاع بمناطق البلد الذي أسافر عبره جواً في العادة... إحدى حسنات الحافلة أيضاً أني أستطيع أن أشاهد خلال رحلتي قدراً لا بأس به من برامج "نتفليكس".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكني أقاطع الطيران لأسباب بيئيّة، يمكن للانبعاثات الناتجة عن بضع رحلات جوية لا غير أن تضاعف بصمة الكربون السنوية بسهولة.

على عكس ما يدور في خلدك إذ تقرأ هذه السطور، أنا لست مجنونة. لست الوحيدة التي آثرت ذلك الخيار. "فليغسكم"Flygskam  هي الكلمة السويدية "الساخنة" الجديدة، وحريّ بك أن تألفها. تعني هذه الكلمة "عار الطيران"، وهي ليست غريبة تماماً على عكس كلمة "هوغاه"hygge  الدنماركية التي تشير إلى "حالة من السَّكينة تُولِّد إحساساً بالرضا والسرور"، بل إن "عار الطيران" تمثل حركة متنامية قوامها المسافرون الذين يرفضون ركوب الطائرات.

في هذا السياق، تقول ميغان كارنيغي من الشركة المعنية بتقديم رؤى المستهلكين  "كانفاس8"، إن جماعة "اللاطيران" ربما تكون صغيرة، لكنّ تأثيرها عميق في خيارات المستهلك". وتضيف أن واحداً من بين 10 سياح أوروبيين الآن يأخذ خيارات  صديقة للبيئة عند حجز عطلته، موضحةً أن معدل البحث عن "رحلات السفر مع صفر تلوّث" على الشبكة الاجتماعية "بنترست"، ارتفع بنسبة 74 في المئة في العام الماضي بالمقارنة مع الأعوام السابقة.

أظهر بحث أجرته "كانفاس8" أيضاً أن خُمس البريطانيين سيكونون على استعداد لتجنّب الرحلات الجوية من أجل تقليل تأثيرها في البيئة. آن الأوان كي نجعل العيش الخفيف طموحاً سائداً، وإلا كيف سنعالج أزمة المناخ؟

لا يتعلق ذلك بالمواصلات وحدها. يعني "السفر البطيء" استيعاب الثقافة المحلية لوجهتك، وتناول الطعام المحلي. في إيطاليا، ستكون تلك التجربة أكثر إمتاعاً من تمضية عمرك وأنت تتناول مشروب "بلودي ماري" على متن خطوط الطيران البريطانية.

بعد 36 ساعة على متن الحافلة، أنا جاهزة الآن لتناول الطعام. الحدث الأول في "فيستا آ فيكو" يتمثّل في جمهورية الطعام، وهي أكبر ليلة في المهرجان. ابتكاريّة الطهاة لا تتقادم في المتاجر. ويعبّر سحر جنوب إيطاليا الفوضوي والغني عن أن التجار في المدينة يسعدون بالسماح للطهاة بإعداد أسماك الماكريل (معروف أيضاً بالأسقمري) في متاجرهم عند الساعة 9 مساءً. على ضوء أحد المتاجر الذي يبدو أنه يبيع سترات زرقاء للنساء فحسب، يوزع ثلاثة رجال فطيرة "سفوليتيليه" محشوة بسمك القد.

أفضل ما في تلك المعجنات النابوليّة ذات الطبقات المصنوعة بعناية لافتةٍ أنّ قضمة واحدة تذهب بعمل مضنٍ أدراج الرياح. إنها مقرمشة من الخارج وطرية في الوسط، ويصدر منها صوت فرقعة متتالية إذ تلتهمها... إنه النعيم.

تبلغ تكلفة أربعة أطباق وشرابين22  يورو (20 جنيهاً إسترلينياً). أعتقد أن باستطاعتي أن آكل وأشرب ضعف ذلك بسهولة، إلا أني علاوة على ذلك جئت إلى هنا على الأرجح لأن لديّ نهم للأطعمة ولا أشبع. حركة المهرجان في البلدة مجنونة نوعاً ما. بالمناسبة، يؤثر الإيطاليون القدوم إلى المهرجان بالسيارة. أما السياح، فمن الأفضل أن يركبوا القطار المحلي أو أن يحجزوا إقاماتهم في مكان ما في وسط المنطقة.

كانت الأمسية التالية من المهرجان عشاء خيري مُكلف، كان بشكل ما أكثر صخباً من وليمة لعشرة آلاف شخص. تبلغ تكلفة بطاقة الدخول 330 يورو لكنها بيعت كلها، كيف لا والأمسية تشتمل على 26 طبقاً يحضّرها طهاة حاصلون على نجوم "ميشلان"، من بينهم الشيف العالمي جورجيو لوكاتيلي.

من المفترض أن يقدم هؤلاء شيئاً حديثاً إنما تقليدي، يحاكي ثقافة المنطقة التي يأتون منها في إيطاليا. تُقدّم أطباق المقبلات التسعة و10 أنواع من الحلوى بطريقة "البوفيه"، ما يعني أنك لست مضطراً إلى أن تتذوقها كلها، كما يمكنك أن تتناول من الطبق نفسه أكثر من مرّة، إذا أعجبك. أما نظام اللباس الخاص بهذه المناسبة فيكشف عن حنكة لدى المنظمين، إذ يُمنع أن يكون الزي فضفاضاً فلا نترك لأنفسنا الحرية في تناول ما نشاء.

في إيطاليا، ثمة علاقة حب تزدهر مع بساطة الطعام الياباني، أحد المقبلات عبارة عن طبق من بطارِخ بيض السمك الهلامية النيئة والباردة، مع شرائح جيلاتينية من رأس العجل ومكعب أبيض من الباذنجان. إنه درس في الملمس قبل أي شيء آخر، وهو لم يكن مناسباً لي بالتأكيد.

يُدهشك ذلك التأثير الياباني بدايةً، في بلد يشتهر بالولاء العنيد لمطبخه. ولكن من المنطقي أن تفكر في أن الدولتين كلتيهما لديهما حب شديد للمكونات المحلية البسيطة. كلتاهما لديها أيضاً شرائط سواحل طويلة تمتلئ بالمأكولات البحرية الرائعة. تتحدث آخر الإشاعات في "فيكو" حول وصول طاهية يابانية إلى مطعم "إيل بيكيني" على شاطئ البحر، وكيف ستطوِّر قائمة الطعام الإيطالية.

الطبقان الرئيسان في احتفال العشاء، سمك السلمون المرقّط مع البطيخ وفاكهة الحب، ولحم الخنزير وشراب كحولي مخصص للأنشوفة، علماً أنها لا تصل قبل منتصف الليل. بحلول ذلك الوقت، ينغمس الضيوف في كثير من النبيذ والهرج والمرج، فلا يلحظهما أحد. آكل كثيراً من الحلويات، وأتمنى لو أن بإمكاني أخبركم عنها، لكن للأسف (في الحقيقة لحسن الحظ) أُرشِفَتْ في ملفٍ تالفٍ في عقلي.

الليلة الثالثة عبارة عن وليمة طعام أصغر على رصيف الميناء، وتتضمن "عاصفة الحلويات" مع 50 طبقاً للاختيار من بينها، لتنهي هذه التجربة الصاخبة بما تحمله من متعة ورفاهية تحت سحر بركان فيزوف.

يرمي ذلك المهرجان البعيد، إضافة إلى جمع أكثر من 200 ألف يورو لصالح جمعيات خيرية كثيرة، إلى الاحتفال بالمكونات الحِرَفية التي يطهوها كبار الطهاة. في بريطانيا، لدينا عدد متزايد من مهرجانات الطعام الممتازة، ولكن كثيراً منها يسلط الضوء على واحد أو إثنين من الطهاة المشهورين الذين يقدمون أداء على خشبة المسرح ليشاهدهم الجمهور.

في "فيستا آ فيكو"، يتكبّد ما مجموعه 400 طاهٍ مصاريف رحلاتهم إلى هنا ليطهوا الطعام لجميع الزوار. بعد تنظيمه منذ 18 عاماً، أصبح ذلك الحدث النموذج الرئيس للمهرجانات الأخرى التي يقودها رؤساء الطهاة في أنحاء إيطاليا. أتساءل عما إذا كنا سنتعلم ما يكفي من جيراننا المحبين للطعام لنشرع في عشق الأطعمة البريطانية الإقليمية التي يطبخها الطهاة ببراعة بعيداً من أماكنها الرسمية كالمطاعم وغيرها.

يوضح مؤسس "فيستا آ فيكو" جينارو إسبوزيتو أن "المهرجان استقطب طهاة من المناطق كافة تقريباً هذه السنة"، مضيفاً أن هؤلاء لا يتلقون الأموال لقاء مشاركتهم، "نحن نوفر لهم تكاليف الإقامة والتذكرة ورسوماً صغيرة مقابل المنتجات المطلوبة لا غير"، وفق كلماته.

يُعتبر جينارو ملكَ "فيستا آ فيكو"، وهو يحبّ تلك القصص الكامنة وراء مكوِّنات الأطباق. يدير مطعم "توري ديل ساراسينو" الحاصل على نجمتين من نوع "ميشلان" في مدينة فيكو، ويقدم قائمة طعام بحرية رائعة تلقي الضوء على خليج نابولي.

يتمثّل أحد أطباقه في الأخطبوط الصغير الطري "آلا لوتشانا"، وهو اختصاص مدينة نابولي حيث يُطهى في وعاء من الطين. تستأهل نسخة جينارو التي تستند إلى تعليمات "امرأة مسنة... زوجة صياد"، السعي خلفها.

يشاركنا سرّ وصفته تلك، موضحاً أنّه "بعد اصطياد الأخطبوط الصغير، علينا تنظيفه من دون استعمال الماء. تكمن الصعوبة في التخلص من الهلام الذي يغلف ذلك المخلوق الصغير. لذلك نلفه في منشفة لمدة يوم ونصف اليوم إلى يومين، ثم نغير المنشفة. في النهاية، نحصل على الأخطبوط مركّزاً وخالياً من الماء.

نحشوه بقليل من الطماطم والفلفل. ونُضيف الفلفل الحار، والأوريغانو، وقطرة أو اثنتين من الخل، وساق من البقدونس. نغلق الرأس ونضعه في وعاء من الفخار ونطبخه لمدة 50 دقيقة. هذا كل شيء. يبدو لون العصير بنفسجياً، علماً أنك عندما تطهو الأخطبوط "آلا لوشانا" يكون لون العصير بنياً في العادة".

ويضيف، "أن الأخطبوط ينبغي أن يكون من هذه المنطقة تحديداً. عندما تسافر، عليك أن تختار المأكولات المحلية لأن خلف كل طبق منها قصة تستحق أن تُروى. لا تكمن القصة في الأسلوب أو الرومانسية فحسب، بل إنها التقنية عندما تكون في خدمة النكهة".

تلك الفلسفة هي السبب في إنشاء جينارو مهرجان "فيستا آ فيكو" منذ 18 عاماً. يقول "إن البُعد الحِرفي طالما كان من ركائز "فيستا آ فيكو"، كذلك المُنتِج، خصوصاً الطاهي". نظّم جينارو فعاليات المهرجانات للطهاة وصانعي المواد الغذائية، من بينها فعالية لنجوم الطهاة الصاعدين من أجل التباهي بطبقهم المميز.

في هذا العام، يحضّر إنزو دي باسكوال وعاء من الطماطم ومكعبات البطيخ، المغمورة في مرق جبنة الكازوتا الصيفية مع زيت القطيفة. حذار... إنّ طعمه الشهي يهدِّد بتوقّف فؤادك عن النبض.

من فضلك، ابحث عن هذا الرجل (يعدّ الطعام في مطعم "بيستروت 900" في أبروتسو في غيليانوفا على الساحل الشرقي) وتناول كل ما يحضّره.

تعكس قائمة الطعام التي أعدّها جينارو فلسفته الحرفية. اختار زيت زيتون معيناً من صقلية (اسمه "لورينزو"، ولك أن تشتريه)، ويحب استخدام ليمون "أمالفي" ويقدم نبيذ "كامبانيا" المحلي. ويخطف قلبي أحد مكوناته الثمينة. إنه "كولاتورا". ويتكوّن من سائل صافٍ برونزي مصنوع من صغار الأنشوفة، ولا يكون حاداً بل يميل إلى اللطافة. أضف ملعقة كبيرة منه إلى المعكرونة، مع زيت الزيتون والثوم والبقدونس فحسب... إنه لطعم مفعم بقوة خفية.

أنتج "كولاتورا" بالطريقة نفسها منذ 1300 عام، أولاً من قِبَل رهبان الـ"سيسترسية" في سان بيترو في توزولو، تلة بالقرب من أمالفي. يُعتقد أنه مرتبط بالصلصة التي أطلق عليها اليونانيون القدماء اسم "غاروس"، والتي أطلق عليها الرومان اسم "غاروم".

في الوقت الحاضر، تصنّع في مصانع صغيرة على شريط الساحل في قرية سيتارا لصيد الأسماك، حيث رائحة الأنشوفة لا تتزحزح وتكون بمثل صلابة الطوب. في مصنع "نيتونو سيتارا"، تستخرج قوة عاملة ضخمة من ثلاثة طواقم "كولاتورا" من براميل تعلوها طبقة من الملح ومملؤة بالأنشوفة المخمّرة، وبكميات صغيرة لا تكاد تتوافر في أي مكان آخر.

فينشنزو غوردانو، الذي أنشأ والده مصنع "نيتونو" في الخمسينيات، أخبرني بحماسة كيف يصنع "الكولاتورا"، العملية بسيطة وممتعة. يُجعّل سمك الأنشوجة الطازج على هيئة قطع فيليه توضع في براميل صغيرة بطبقات من الاتجاهات المتناوبة، مع كثير من الملح. يوضع حجر كبير على غطاء البرميل خشبي، ثم على مدى الأشهر الستة إلى الثلاث سنوات المقبلة، ترتفع العصائر فوق الغطاء. من ثقب في الجزء السفلي من البرميل تتقطر الخمور بتناغم إلى الخارج.

إذا حصلت على زجاجة يوماً ما، فيمكنك أن تطيِّب بها الأسماك أو اللحوم بصلصة التارتار، أو الخضراوات، وحتى البيتزا.

يقول غوردانو إن كل البقايا من الأنشوفة تُستخدم لتصنيع الأعلاف لمزارع الأسماك. "أنا سعيد لأن الأمور تدور في حلقة مغلقة، لكنني ما زلت مرتاباً بشأن التكاليف البيئية لجميع الأسماك المستزرعة"، بحسب تعبيره.

في المقابل، لا يُربى سمك الأنشوفة في مزارع الأسماك. كذلك لا يصطاده الصيادون بكثرة في البحر الأبيض المتوسط راهناً ويسبح بالقرب من سطح الماء، ما يعني أنه لا يتعين على الصيادين نصب شباكهم في عمق المياه لاصطيادها.

يقول جينارو إن سمك الأنشوفة على ساحل أمالفي مميز. وعندما يكون طازجاً، يُنظر إليه على أنه اختبار لكبار الطهاة، لأنه يتعين تنظيفه من الدم بسرعة قبل أن تنبعث منه رائحة السمك، ثم يحوَّل إلى قطع فيليه بدقة كي لا يفقد كثيراً من اللحم. ويتوجب ألا يكون طعمه قوياً.

في حال عرّجت على سيتارا، اقصد "باسكوال"، مدينة "سبيرو هاكيابيلوس". إنه لطيف وحاذق إلى حد ما، فهو رئيس الطهاة في مطعم "آلكونفينتو"، الذي سيقدم لك طبقاً من سمكة القدّ يذكرك بمخلوق "باسيليسك" الأسطوري المرعب في مقلاة نحاسية.

ليست السمكة مخيفة حقاً، إنها طازجة بشكل جميل، وتغرق في صلصة الزبدة وقطع من "سفوساتو دي أمالفي"... اسم الليمون هنا. يأخذ النادل على عاتقه إزالة أشواكها أيضاً. بعد تناول طبق "سباغيتي آلا كولاتورا"، وأطباق من المأكولات البحرية المغطاة بخليط البيض والطحين والحليب، وثلاثة أطباق من الأنشوجة... أعتقد أنك ستحب سيتارا أيضاً.

لا ريب أن ثمة مزيداً من الأطعمة التي تستدعي اكتشافها في الأجزاء الأقل حظاً من ساحل أمالفي، كما هي الحال في مدينة "كونكا دي ماريني"، حيث يتناول الناس باستا البينيتي مع الطماطم الكرزية المكتنزة المخزنة في العتمة حوالى سنة كي تنضج محتضنةً هواء البحر.

ساحل أمالفي، سأزورك مجدداً ولكن سأركب القطار في المرّة المقبلة.

© The Independent

المزيد من سياحة